بصمات

أزمة "الرّوح" اليوم!

أكثر لحظات السّطحية إيذاءً تلك التي تتفوّق فيها ذهنية التقليل من شأن الطموحات الممكنة لتغيير الواقع، تلك التي تربط إمكان إنجاز التفكير النضالي في قضايا العيش الرّاهن بممكنات الواقع فحسب، كأنّها قضاءٌ وقدَر، لا يمكن تجاوزها. المسألة هنا لا تتعلّق بحالةٍ نفسيةٍ أو وجدانيةٍ فرديةٍ استثنائيةٍ في المجتمع، بل بطريقة إدارة هذا المجتمع التي يمارسها أشخاص متمكّنون في مواقع القرار، يحدّدون توجّهات الجيل بكامله!.

أزمة

هناك نوعٌ من الوظائف المنتشرة مجالُها الفعلي إدارة البشر في كل سلوك، وليس الاستفادة النّزيهة من نشاطهم المنتج. هؤلاء مقدَّمون على أي فرد آخر في المجتمع، من دون أن يفكِّر أحدٌ في صدِّهم إلى الآن، وقد استطاعوا أن يجرّوا ثقافة النّاس إلى لحظةِ تحوُّلٍ كبرى، لا تقتصر على ملامح تأثُّر أو محاكاة عابرة في تقليد الآخر، بل هم يربطون النّاس فعليًّا بنمط الشُّغل والتفكير والحكي والتواصل اليومي الذي يطبِّق ما يجري في المؤسّسات الأجنبية، بحيث يستحيل بعد فرض شروطهم الوظيفيّة أن تبقى المؤسّسات تمثِّل ثقافة البلد الذي تكون فيه.

هذه الفئات المُسيطرة لديها إمكانات مادّية هائلة تتيح لها أن تتفرَّد بمواقع التأثير والقرار. وهم قادرون على تنميطِ عيش المجتمع بكامله، باستثمار هذه التحوُّلات الحيَّة في مراكز العمل، التي أغلبها من الشباب، لإحداث روحيَّة الاندماج السلِس بمجتمع المال والأعمال العالمي.

إدارات مؤسسات العمل فرضت أنماطًا من التفكير التبعي

في هذا الوضع، علينا استيعاب مفهوم المجتمع المدني على أنّه مفهوم داخل المجتمع، وليس هو السّيرورة الآليّة الشاملة للمجتمع. ذلك لنفهم أدوات تكريس أثر هذا المفهوم في الواقع، لسرعةِ فاعليّته في تحقيق التغيير والتحوّل والقَلْب داخل بنية المجتمع.

إنّه عصر اختلاق أزمة الرّوح، بين الفرد وكينونته الحرّة، وتقرير مسارات الكيان البشري بحسب مقتضيات السّوق. إذ إنّ سرعةَ أداء هذه الإدارات البشريّة المنتشرة في كلّ مؤسّسات العمل، فرضَت أنماطًا من التفكير التَّبَعي على منظومات التطبيق المحلّي للأفكار السّائدة عالميًّا. فأنتَ لا تملك القدرةَ على مخالفةِ خُطَط الإدارة الرقمية للعالم التي تتطلَّب بشرًا تشكِّلهم الكينونة التقنيّة المحض. كائنات تعمل آليًّا، بلا اعتراضٍ يؤدّي إلى التنبُّه السياسي الضروري لإدارة الأمور. كلّ ما يفعلونَه هو تكريس الجهد والجدِّ لتنفيذ الخطط المرسومة بسرعةٍ ودقةٍ ومحاكاةٍ تتماهى مع النّماذج الجاهزة لاستئناف السَّير الآلي لتفكير الإدارة السياسية الوحيدة للعالم.

وعندما نتكلَّم بالسياسة، لا نتغيّا التنظير الإيديولوجي لمسارٍ يُخالف إيديولوجيّات قائمة، بل ما نلفت إليه هو ضرورة استثارة الوعي وتحفيز الفكر. إنَّ التربُّص بحركة الذّات صار واجبًا على كلِّ نفسٍ تحيا في هذا العالم. وذلك لتثوير العلاقة بين الإنسان وفكره لمواجهة الخلل المتنامي في أوساط الجيل الجديد، من عدم الاكتراث بعطب العلاقة بين الممكنات والإمكانات. هناك هُوّة بين انشغال الفرد بالمعلومات اليوميّة والتفكير الرّصين بإبداعيّة الروح في مختبَر الحياة. إنّ العلم لا يتأصَّل في أي بيئة اجتماعية إذا لم يتحوَّل إلى قوة تاريخية.

لا يمكن التنبُّه لِمَواطن العجْزِ في حضور الإنسان المؤثِّر في هذا الكون إلّا إذا تنبَّهَت النفس لمظاهر غياب قدرتها في لحظة مسؤوليتها، فالعيش ليس مواكبة المعلومات الموجودة بسذاجة، بل هو الحضور الحدثيّ في المعلومة لتكوين فكرة ما بعد المعلومة.

الإنسان المؤثّر اليوم يعيش بلا تفكير إنساني

علينا أن لا نقع فريسة الإتاحة الشاملة للانكشاف والتواصل، الذي تؤمنه الشبكة ووسائل التواصل الاجتماعي، فنبرّر عبوديتنا الطوعيّة للآلة بأنّها اندماج طبيعي بمقتنيات الزمن الرّاهن، بل علينا التنبُّه لكثرة الاتصال ووفرة الممكنات على الدوام.

ألا يستحقّ كلّ هذا التطوُّر أن يخلو الإنسان بروحه ليستفسر عنها؟ هناك معنى يكمن خلف كل هذا التقريب بين البشر من دون أجساد تحتكّ وأنفاس تُشتمّ وأيادٍ تُلمَس. هل ما زال اللقاء عبر الشاشات "وجودًا افتراضيًّا"؟ هل سنهمل الحضور ونكتفي بمشهدية الشاشة؟.

لو كان ذلك التواصلُ يكفي، لكان يجب عند منتجيه التفكيرُ بفكِّ الرّبط بين التطوّر العلمي الرقمي وسلاح الدمار الشامل، ولكان العمل على التنظير لوقف الشرِّ البشري الفتّاك هو ما يشغل أخلاقيّات مراكز التفكير والتصنيع العالمية الكبرى. لكنَّ العكس هو الحاصل، فالإنسان المؤثِّر اليوم يعيش بلا تفكير إنساني.

لا بدَّ من تحليقٍ للفلسفة فوق المشهد، لربط الأمداء الفالتة بالواقع المأزوم، إذ لا بد من بعث المعاناة في الذهنية السطحية الراهنة. حان وقتُ الالتفات إلى أعلى، كي نتمكّن من معرفة ما يجري في الأسفل. هل يُعقَل أن توجد كل هذه الممكنات من دون أن تخدم إبداع الغايات؟ كيف يرضى الإنسان بالمواءمة العادية بين غنى الأدوات وفقر الإمكانات؟.

هذا لا يمكن الإتاحة الشاملة، لذا علينا الاستجابة لنداءات الروح وهي تحلِّق في الأعلى. وظيفة المرء بعث التأمُّل في قلب الحدث، وليس استثقال هذه القدرة والنضال لأجلها. لا بدّ من وقف الخطو الإجباري تطبيقًا لخطط الإدارات البشرية التجارية المُهيمنة.

السياسة إصرار على رسم الخطط المُنتجة

إنّ صناعة المفاهيم المؤاتية للعيش الكريم اليوم هي طريق التفكير بالتغيير. والتغيير هنا، ليس ترفًا، بل محاولة للبقاء في المستقبل، لفتح الأفق باقتدارٍ يؤدّي إلى صوغِه بأخلاقيَّةٍ عالية، أي بإعادة اعتبار للنظر عند تأسيس الأثر. وهذا يعني ممارسة العِلْم وفق رؤيةٍ تحدِّد الوجود في الحاضر بموقفٍ اعتباريٍّ من ظاهرة الوجود نفسها.

ما السياسة إلّا الإصرار على رسم الخطط المُنتجة في السَّير الأخلاقي المنتِج ضمن كتلة الممكنات والأدوات الرّاهنة. أمّا الاكتفاء بتسيير شؤون الإدارات الكبرى، فهذا يقتل الروح في أرضها، ويزيح المرء عن إمكانات تشخيص الأزمات، فلا يعود الإنسان "كائنًا سياسيًّا بالطبع"، بل يغدو آلةً لتنفيذ الأوامر!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن