غير أنّ العالم الذي دخل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين يبدو مختلفًا. فصعود الصين، وعودة روسيا إلى لعب أدوار دوليّة أكثر حضورًا، مع تنامي وزن الهند والبرازيل وإندونيسيا ودول الخليج، إلى جانب التحوّلات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة، كل ذلك يشير إلى انتقالٍ تدريجيٍّ من مركزيّة غربيّة إلى نظامٍ أكثر تعدّدًا للمراكز. ولعلّ مجموعة "بريكس" تُمثّل أحد أبرز التعبيرات السياسيّة عن هذا التحوّل.
قمّة نيودلهي تُقدّم مؤشرات مهمّة على التحوّل
لقد توسّعت المجموعة لتضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربيّة المتحدة وإندونيسيا، وهي دولٌ تختلف في أنظمتها السياسيّة ومصالحها الإقليميّة وحتّى في علاقاتها بالغرب. ولذلك لا تبدو "بريكس" تحالفًا عسكريًّا ولا كتلةً سياسيّةً متجانسة، بل إطارًا للتنسيق بين دول تتقاطع مصالحها في نقطة أساسيّة: الرغبة في امتلاك هامش أوسع من الاستقلاليّة في عالمٍ لم تعُد فيه القوة موزّعةً كما كانت.
وقد جاءت قمّة نيودلهي، التي انعقدت يومَيْ 12 و13 سبتمبر/أيلول 2026، لتُقدّم مؤشّرات مهمّة على هذا التحوّل، إذ أكّد "إعلان نيودلهي" التزام الدول الأعضاء بتعزيز التعدّديّة القُطبيّة وبناء نظام دولي "أكثر عدلًا وتمثيلًا"، وطالب بزيادة وزن الدول النامية في مؤسّسات الحَوْكَمة العالميّة. كما جدّد الدعوة إلى إصلاح مجلس الأمن، وأيّدت الصين وروسيا بصورة صريحة تطلّعات البرازيل والهند إلى أن يكون لهما دورٌ أكبرُ داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
المهم في الأمر ليس مضمون هذه المطالب، بل دلالتها السياسيّة. فالدول الصاعدة لم تعُد تكتفي بالمشاركة في النظام الذي صاغه الآخرون، بل أصبحت تُطالب بإعادة صياغة قواعده.
لم يعُد الصراع على النفوذ يدور حول الأرض والأسواق فقط وإنما حول من يضع معايير التكنولوجيا
ويظهر ذلك أيضًا في المجال الاقتصادي والمالي، إذ دعا "إعلان نيودلهي" إلى إعادة النظر في حِصَص التصويت والتمثيل داخل صندوق النقد الدولي بما يعكس الوزن المتزايد للاقتصادات الناشئة. كما واصلت دول "بريكس" البحث في آليّات للمدفوعات العابرة للحدود واستخدام العملات الوطنيّة في تسوية جزءٍ من المبادلات. ولا يعني ذلك نهاية الدولار أو قيام عملة موحدة لـ"بريكس" في المستقبل القريب؛ فالإعلان عينه يتحدّث عن مواصلة العمل التقني ولا يقدّم مشروعًا جاهزًا لنظامٍ نقديٍّ بديل.
غير أنّ أهميّة المسألة تكمن في مكانٍ آخر، أي في تراجع حصرية الاعتماد. فالدولة التي كانت مضطرّة، في السّابق، إلى المرور عبر المؤسّسات والقنوات التي يُهيمن عليها الغرب، أصبحت تجد أمامها خيارات إضافيّة، ولو كانت هذه الخيارات لا تزال جُزئيّةً وغير مكتملة.
سياسة تعدّد الشراكات تمنح الدول المتوسّطة والصّاعدة مساحة أوسع للمناورة
الأمر ذاته ينطبق على التّكنولوجيا، حيث خصّص "إعلان نيودلهي" مساحةً مهمّةً للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا ضرورة إتاحة موارده بصورة أكثر عدلًا، وتعزيز التعاون في تطويره وحوكمته، مع التشديد على السلامة والأمن والشمول. كما دعا إلى التعاون في التقنيّات الناشئة، بما فيها الحوسبة الكمية. وهنا تظهر المنافسة الحقيقيّة: لم يعُد الصراع على النفوذ يدور حول الأرض والأسواق فقط، وإنّما حول مَن يضع معايير التّكنولوجيا التي ستُعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والدولة.
وفي المجال الديبلوماسي، قدّمت القمّة صورةً ذات دلالة، إذ استطاعت دول تضم إيران والإمارات العربيّة المتحدة على الرغم من اختلافاتهما ومواقفهما الإقليميّة، أن تتوافق على إعلان يدعو إلى ضبط التصعيد في الشرق الأوسط، والحوار، والتشاور، والديبلوماسيّة. كما عبّر الإعلان عن القلق من العقوبات والتدابير التجاريّة الأحاديّة الجانب.
العالم ينتقل نحو فضاء تتنافس فيه نماذج وقوى ومصالح مختلفة على تعريف قواعد النظام الدولي
لكن هل يعني ذلك أنّ الغرب فقد نفوذه؟ سيكون من المبالغة القول بذلك. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ما زالا يمتلكان وزنًا اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وماليًّا وعسكريًّا هائلًا، كما أنّ دولًا مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا لا تريد استبدال تبعية غربية بتبعيّة صينيّة أو روسيّة. فالهند، مثلًا، قادرة على التعاون في الوقت عينه مع واشنطن وموسكو وبكين وشركاء آخرين.
وهنا تكمن إحدى سمات العالم الجديد: لم يعد مطلوبًا من الدول بالضرورة أن تختار معسكرًا واحدًا، بل تستطيع أن تكون شريكًا لبلد في ملف ومنافسًا له وخصمًا في ملفٍ آخر. إنّها سياسة تعدّد الشراكات التي تمنح الدول المتوسّطة والصّاعدة مساحةً أوسع للمناورة.
تجاوز "بريكس" تناقضات أعضائها يتوقّف على الانتقال من البيانات السياسية إلى الآليات المستدامة
لذلك ربّما لا نشهد "نهاية الغرب"، وإنّما نهاية مرحلة كان فيها الغرب المرجع الوحيد الممكن، وهذا فرقٌ جوهريٌ. فالعالم لا ينتقل ببساطةٍ من نظامٍ غربيٍّ إلى نظام صينيٍّ أو روسيّ، بل نحو فضاءٍ أكثر تعدّدًا، تتنافس فيه نماذج وقوى ومصالح مختلفة على تعريف قواعد النظام الدولي.
ويبقى السؤال الحقيقي: هل تستطيع "بريكس" نفسها تحويل هذا الطموح إلى مؤسّسات فعّالة؟ وهل تتمكّن من تجاوز تناقضات أعضائها؟ الإجابة ستتوقّف على قدرتها على الانتقال من بيانات سياسيّة مشتركة إلى آليّات اقتصاديّة وتكنولوجيّة وديبلوماسيّة مستدامة.
لكن يبدو واضحًا بعد "إعلان نيودلهي" أنّه لم يعُد بإمكان أيّ قوة، مهما بلغ نفوذها، أن تفترض أنّ بقيّة العالم سيتبعها لمجرّد أنّها كانت المرجع التقليدي، وربما تكون هذه، قبل أيّ شيء آخر، العلامة الأبرز على أنّ النظام الدولي الذي عرفناه خلال العقود الماضية قد بدأ في الطريق إلى التغيُّر!.
(خاص عروبة 22)

