بصمات

طبقات من "الخوف"! كيف يمنعنا الخوف من معرفة الممكن؟

ماذا لو لم نعد نخاف من الخطر وحده، بل من الخروج من الخوف نفسه؟ فحين يتجذّر الخوف في التاريخ والسياسة والمجتمع والثقافة، يتحوّل من ردّ فعل إلى بنية تُحدّد ما نجرؤ على معرفته، وما نتصوّر إمكانه، حتّى يصبح الخوف خوفًا من فقدان الخوف نفسه!.

طبقات من

الخوف في مجتمعاتنا لا يأتي من الماضي وحده. إنّه حاضر أيضًا، وله وجوه كثيرة. هناك خوف أنتجته الحروب الأهلية والقمع والانقلابات والتهجير، وخوف آخر ما زال يتغذّى من واقع الاحتلال والعنف الإسرائيلي والإبادة التي شهدناها ونشهد آثارها. وهناك خوف سياسي من القوى الكبرى: من غضبها، ومن عقوباتها، ومن قدرتها على التدخّل وتغيير موازين القوى. وهناك، في مستوى أكثر خفاءً، خوف اجتماعي من الآخر ومن الاختلاف ومن الفشل ومن المستقبل نفسه.

لذلك، ربما لا يكون الخوف مجرّد شعور يمرّ بالإنسان، بل بنية تتخذ أشكالًا مختلفةً بحسب المجال الذي تعمل فيه.

الخوف ينتج التعصّب والانغلاق والاحتماء بالجماعة والولاء المفرط ورفض المختلف

الأب الذي عاش الحرب قد يورث ابنه الحذر. والذي عاش القمع قد يورثه الصمت. والذي عاش الهزيمة قد يورثه الشكّ في القدرة على أي إنجاز.

والمجتمع الذي عاش طويلًا تحت ضغط قوة أكبر منه قد يتعلّم أن يحسب خطواته وفق ردّ فعل تلك القوة، لا وفق ما يريد هو أن يكونه.

من الخوف إلى التبعيّة

حين تفقد جماعة ثقتها بقدرتها على إنتاج نموذجها الخاص، تبحث عن نموذج أعلى تقلّده. وقد يكون هذا النموذج سياسيًا أو ثقافيًا أو اقتصاديًا أو حتّى معرفيًا. نولي أمرنا لنموذج آخر، ونستعير لغته ومفاهيمه وصورته عن المستقبل، لا لأننا اقتنعنا بها دائمًا، بل لأننا لا نثق بما يكفي بما يمكن أن ننتجه بأنفسنا.

وهنا تظهر عقدة النّقص. فالتقليد ليس دائمًا انفتاحًا على الآخر، وقد يكون أحيانًا طريقةً للهروب من الذات. بدل أن نسأل: ماذا نستطيع أن نصنع؟ نسأل: مَن سبقنا كي نقلّده؟ وبدل أن نبحث عن طريقنا إلى المستقبل، نبحث عن نموذج جاهز نلحق به.

النهضة تحتاج إلى إنسان يثق بقدرته على إنتاج المعرفة

لكن الخوف لا يُنتج التبعيّة فقط. قد ينتج أيضًا التعصّب، والانغلاق، والاحتماء بالجماعة، والولاء المفرط، ورفض المختلف.

فحين يشعر الإنسان بأنّ العالم من حوله خطر، تصبح الجماعة ملاذًا، ويصبح الولاء لها نوعًا من الأمان. وكلّما ازداد الخوف من الخارج، قد يزداد التشدّد في الداخل.

هكذا تتداخل الخيوط: خوف من الحرب، خوف من السلطة، خوف من الخارج، خوف من إسرائيل، خوف من القوى الكبرى، خوف من الآخر، وخوف من الفشل.

وفي النهاية، قد يصبح الخوف جزءًا من الطريقة التي نرى بها العالم ونفهم بها أنفسنا.

أخطر مراحل الخوف: حين يصبح عقبة إبستمولوجية

هذا الخوف لا يمنعنا من الفعل فقط، بل يمنعنا أحيانًا من معرفة ما هو ممكن أصلًا. فالإنسان الذي تربّى على الخوف لا يسأل دائمًا: ماذا يمكن أن نفعل؟ قد يسأل قبل ذلك: ماذا سيحدث لنا إذا فعلنا؟ والمجتمع الذي فقد ثقته بنفسه لا يبحث فقط عن المعرفة، بل يبحث عن جهة تمنحه اليقين. ولهذا قد تتحوّل السلطة، أو الجماعة، أو النموذج الأجنبي، أو حتى الماضي نفسه، إلى مصدر جاهز لتعريف ما ينبغي أن نكونه.

هنا تصبح مشكلة النهضة أعمق من مشكلة المؤسسات، فالنهضة تحتاج إلى معرفة، لكنّها تحتاج قبل ذلك إلى إنسان يثق بقدرته على إنتاج المعرفة. تحتاج إلى المبادرة، والمغامرة، والاختلاف، وتجريب ما لم يُجرَّب. أمّا إذا كان الخوف قد جعل المجتمع يرى كل جديد باعتباره خطرًا، وكل اختلاف تهديدًا، وكل فشل فضيحة، فسوف يظل المستقبل شيئًا نتحدّث عنه أكثر ممّا نصنعه.

نبحث عن المستقبل هربًا من حاضرنا فنقع في تقليد حاضر الآخرين

لذلك لا يكفي النهضة أن نستورد أدواتها. لا يكفي أن نأخذ التكنولوجيا من الخارج، أو أن نقلّد نموذجًا سياسيًا أو اقتصاديًا، أو أن نغيّر المناهج والمؤسّسات، إذا ظلّ الإنسان نفسه محكومًا بالخوف من قدرته على أن يكون فاعلًا.

وربما هنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: قد نبحث عن المستقبل هربًا من حاضرنا، فنقع في تقليد حاضر الآخرين. نهرب إلى الأمام، لكنّنا لا نتحرك بالضرورة إلى الأمام.

لهذا فإنّ سؤال النهضة ينبغي أن يكون أيضًا سؤالًا عن الخوف: ما الذي ورثناه منه؟ وما الذي ما زلنا ننتجه بأنفسنا؟

فالتحرّر لا يعني غياب الخطر والعقبات والخوف، بل يعني أن نمتلك القدرة على التفكير والفعل على الرغم من وجود الخطر، لا أن يتحوّل الخوف منه إلى تعريف دائم لما نستطيع أن نكونه.

النهضة ليست فقط أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب بل أن نستعيد الثقة بأنّ لنا الحق في أن نختار الطريق بأنفسنا

ربما لا يكون المستقبل بعيدًا عنا كما نظن. ربما نحن الذين نصل إليه محمّلين بخوف الماضي، وخوف الحاضر، وخوف بعضنا من بعض، إلى درجة أننا لا نعود نعرف كيف ندخله.

فالنهضة، في أحد معانيها العميقة، ليست فقط أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب، بل أن نستعيد الثقة بأنّ لنا الحق، والقدرة، والمعرفة، في أن نختار الطريق بأنفسنا، بدلًا من العجز.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن