بصمات

"التطبيع".. وازدواجيّة النّخب الفكريّة والدينيّة!

في ملف التطبيع بين الكيان الإسرائيلي ودول المنطقة، يجب التفريق بين ثلاثة مواقف عربيّة على الأقل: الشعوب والدول والنخب.

موقف الشعوب العربيّة، لا يخرج إجمالًا عن الرفض، بنسبة كبيرة، ولعلّ التجربة المصريّة تُلخّص ذلك باقتدار مع موقف الشارع، كما اتّضح على سبيل المثال في الحقل الفنّي، مع إنتاج العديد من الأعمال الفنيّة من قبيل مسلسل "رأفت الهجان" (بطولة محمود عبد العزيز)، وفيلم "السفارة في العمارة" (بطولة عادل إمام، الذي جسّد البطولة أيضًا في مسلسل "دموع في عيون وقحة")، ومسلسل "الصفعة" (بطولة شريف منير)، وأعمال أخرى.

يهم التفاعل الثاني الدول العربيّة، ولا يخرج عن اتجاهيْن: دول منخرطة رسميًّا في التطبيع، مقابل الدول الرّافضة، بصرف النظر عن أحاديث الكواليس العربيّة في دائرة صناعة القرار بخصوص موقف ثالث أو "طريق ثالث" لدول عربيّة غير منخرطة رسميًّا في التطبيع، لكنّها تحتفظ بعلاقات غير مباشرة بعيدًا عن أعين الرأي العام المحليّ والإقليمي.

ازدواجية نخب فكرية ودينية محسوبة على المشروع الإخواني

وأخيرًا، هناك اتجاه النّخب العربيّة، في السياسة والفكر والدين والفن وحقول أخرى، أي النّخب التي توجد في مقام الوساطة بين الشارع وصنّاع القرار، ولا نقصد قطّ النّخب المقرّبة من دائرة صناعة القرار أو المحسوبة عليها، لاعتبار بَدَهي مفاده أنّ موقف هذه النّخب معلومٌ سلفًا، أي تبنّي الموقف الرسمي للدولة المعنيّة، وإنّما نقصد موقف مجموعة من النّخب التي تأخذ مسافةً من الموقف الرسمي، من دون أن تكون مؤيّدة أو معارضة، بقدر ما تشتغل في مؤسّسات الدولة مثلًا أو تكون ذات حظوة رمزية لدى صنّاع القرار ولدى الرأي العام في آن، من قبيل النّخب الفنيّة أو النّخب الدينيّة أو النّخب الاقتصاديّة.

شعوب المنطقة العربيّة واضحة إذن في تبنّي موقفها العلني من التطبيع، وأنظمة المنطقة أيضًا، بينما الأمر مختلفٌ كليًّا مع مواقف النّخب العربيّة، من فرط اللغط المرتبط بمواقفها، ولعلّ أهم نموذج تطبيقي في هذا السياق، يهم النّخب الفكريّة والنّخب الدينيّة، ولا نقصد النّخب الدينيّة المحسوبة على المؤسّسات الدينيّة، وإنّما النّخب الدينيّة التابعة أو المحسوبة على الحركات الإسلاميّة، دعوية كانت أو سياسيّة أو المسمّاة "جهاديّة"، وما أكثر الأمثلة في هذا المضمار.

في الشقّ الخاص بالنّخب الفكريّة، نذكر المفكّر المغربي طه عبد الرحمن، الذي ألّف كتابًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بعنوان "ثغور المرابطة"، تضمّن فصله الأول نقدًا صريحًا ومباشرًا للدول العربيّة المنخرطة في التطبيع، وهذا شأنه الخاص في نهاية المطاف وهو حرٌ بالضرورة في إبداء رأيه السياسي، لكنّ الكتاب عينه تضمّن تنويهًا بالنّموذج السياسي التركي، باعتباره النّموذج الإسلامي الأبرز في الساحة، ومَن يقرأ هذا التنويه الصّريح الذي جاء في كتاب تضمّن نقدًا صريحًا للمطبّعين، قد يعتقد أنّ تركيا لا علاقة لها بالموضوع، والحال أنّها تحتلّ مقامًا متقدّمًا في الموضوع، بل لا توجد دولة عربيّة تنافسها في ذلك، وخاصّة في وتيرة التطبيع الاقتصادي والأمني، حتى إنّ تركيا بالذّات هي أول دولة محسوبة على محور طنجة - جاكارتا، استقبلت رئيس الكيان استقبالًا رسميًّا، لم يسبق أن حظي به من قبل في أيّ دولة عربيّة مطبّعة، بما في ذلك مصر التي فتحت باب التطبيع أو الأردن أو أي دولة أخرى.

عقل الدولة شيء وعقل الشارع شيء آخر

حالة طه عبد الرحمن ليست الوحيدة في سياق ازدواجية النّخب الفكرية والدينيّة، حيث إنّ الإعلان مؤخرًا عن الرفع من وتيرة العلاقات الديبلوماسيّة بين المغرب والكيان، كان سببًا وراء بزوغ ازدواجيّة لا حصر لها في هذا السياق من قبل النّخب الدينيّة، والحديث عن هيئات دينيّة إسلاميّة حركيّة محسوبة على المشروع الإخواني، أو أسماء دينيّة تنتمي إلى المشروع عينه انخرطت في حملات نقديّة وشيطنة ضد الدولة المغربيّة بسبب هذا المستجدّ، مع مفارقة أنّ الهيئات والأسماء ذاتها، تطبق الصمت عن حالات أخرى للتطبيع عينه، وخاصّة الهيئات والأسماء التي تقيم في تركيا وبريطانيا، كما لو أنّ التطبيع التركي "حلال" من منظور "السياسة الشرعيّة" لهذه الهيئات والتنظيمات، لكنّه "حرام" مع دول عربيّة أخرى، وهذا غيضٌ من فيض تناقضات هؤلاء.

في مجال تدبير القضايا الجيوسياسيّة والاستراتيجيّة لأيّ دولة، عقل الدولة شيء، وعقل الشارع شيء آخر، لأنّ حسابات صانعي القرار لا تخضع بالضرورة للأهواء، سواء اختلفت أو اتفقت معها حسابات الشارع، لكن الأمر مختلفٌ كليًّا مع نخب فكريّة ودينيّة وإعلاميّة وفنيّة، يُفترض أن تكون أكثر تعقّلًا ووضوحًا في الإدلاء بمواقفها، بصرف النّظر عن طبيعة المواقف، كأن تكون مؤيّدة لمواقف صنّاع القرار أو معارضة لها، وليس أن تمارس ازدواجيّة ما، إمّا بسبب جهل مركّب بسياقات هذه الملفات السياسيّة المُعقّدة، أو بسبب تبعات الولاء الإيديولوجي، أو بمقتضى تصفية حسابات ما!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن