تقدير موقف

كيف فقدت مصر مصانع النخبة؟

تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي أكد فيها أنّ ولايته الرئاسية ستنتهي عام 2030، وأنّ الدستور لن يُمسّ لتمديد بقائه في الحكم، أعادت قضية تداول السلطة إلى صدارة النقاش العام. وبصرف النظر عن الجدل الذي أثارته التصريحات، فإنّها تطرح سؤالًا يتجاوز بقاء رئيس أو رحيله: هل أعددنا أنفسنا لانتقالٍ طبيعيٍّ للسلطة، بما يتطلبه من قيادات بديلة وكفاءات قادرة على تحمّل المسؤولية، وخيارات سياسية يستطيع المجتمع المُفاضلة بينها؟.

كيف فقدت مصر مصانع النخبة؟

يقودنا هذا السؤال إلى قضيةٍ أعمق: كيف استطاعت مصر، في النّصف الأول من القرن العشرين، أن تنتجَ أجيالًا من القادة والمفكّرين والعلماء والمُبدعين، ثم تواصَل ذلك حتى السبعينيّات والثمانينيّات، قبل أن تتراجع قدرتها على إنتاج نخب مستقلة وفاعلة؟ وأين اختلّ المسار؟.

مرحلتان مختلفتان الأولى كان مركز ثقلها بناء الوعي والثانية كان مركز ثقلها بناء الدولة الحديثة

لم تصنع ثورة 1919 النخبة المصرية من العدم، لكنّها أطلقت المجتمع الذي استطاع إنتاجها. فقد اتسع المجال العام، وازدهرت الصحافة، وتنافست الأحزاب، وترسّخت مكانة الجامعة، ونشطت حركة النشر والترجمة. وفي هذه البيئة، ظهرت قامات في السياسة والفكر والأدب والاقتصاد والعلوم والفنون، خاضت معارك الاستقلال والدستور والهوية والنهضة، وفتحت أسئلةً كبرى حول علاقة مصر بالعالم، والأصالة بالحداثة، والدّين بالدولة. كان مركز الثقل بناء الوعي وتشكيل العقل المصري الحديث.

ثم جاءت ثورة يوليو 1952، فأعادت تشكيل الدولة والمجتمع، وضيّقت المجال السياسي، لكنّها فتحت ميادين أخرى لإنتاج النخب. توسّعت في التعليم، وأنشأت الجامعات ومراكز البحوث، وبنت المصانع والسدّ العالي، وأقامت مؤسّسات ثقافية، ووفّرت بيئةً لظهور علماء وأطباء ومهندسين ومُبدعين كبار. وجد المهندس الذي يشارك في بناء السدّ، والعالِم الذي يؤسّس مدرسة علمية، والمُخرج الذي يغيّر لغة السينما، والكاتب الذي يُثري الأدب والمسرح، أنفسهم، بدرجات متفاوتة، داخل مشروع وطني يشعرون بالمشاركة في بنائه.

الانفتاح الاقتصادي ارتبط تدريجيًا بتراجع المشروع الوطني الجامع

هكذا عرفت مصر مرحلتين مختلفتين: مرحلة كان مركز ثقلها بناء الوعي، وأخرى كان مركز ثقلها بناء الدولة الحديثة. اختلفت المرجعيّات والأدوات، لكنّ القدرة على إنتاج الكفاءات ظلّت قائمة.

بدأ التحوّل الأعمق منذ السبعينيّات، حين تغيّرت فلسفة الدولة والاقتصاد والمجتمع معًا. لم يكن الانفتاح الاقتصادي مجرّد تغيير في السياسات، بل ارتبط تدريجيًا بتراجع المشروع الوطني الجامع، الذي انتظمت حوله قضايا الاستقلال واستقلال القرار والعدالة الاجتماعية وتوسيع التعليم وبناء طبقة وسطى واسعة.

ومع تراجع هذه الأولويات، اتسعت الفوارق الاجتماعية، وتعرّضت الطبقة الوسطى لضغوط متزايدة، وصعدت قيم الثراء السريع والنجاح الفردي. وأصبح النفوذ الاقتصادي والعلاقات والقدرة على الوصول إلى مراكز القوة عوامل أكثر تأثيرًا في تحديد المكانة، إلى جانب الكفاءة العلمية والمهنية.

وتعدّدت مراكز صناعة النخبة: فالسلطة احتاجت إلى نخب تُساند سياساتها، والسّوق كافأت القادرين على تحقيق الربح والانتشار، فيما أتاحت المؤسّسات العلمية والدولية فرصًا مهمة للمعرفة والعمل، لكنّها جعلت بعض مسارات الصعود مرتبطة بأولويات وشبكات تتجاوز المجال الوطني.

النخبة هي نتاج البيئة التي تنشأ فيها وشريك في إعادة تشكيلها

ومن بعد، جاءت الفضائيّات، ثمّ وسائل التواصل الاجتماعي، لتضيف تحوّلًا آخر: الانتقال من نخبة الإنجاز إلى نخبة الضجيج. أصبح الظهور وإثارة الانتباه منافسًا للكفاءة، وأحيانًا بديلًا منها. فالخوارزميّات تكافئ التفاعل، لا عمق الفكرة بالضرورة، وتمنح صاحب الصوت الأعلى فرصة قد لا تُتاح لصاحب الإنجاز الأهم. والمشكلة ليست في اتساع فرص التعبير، بل في اختلال المعايير حين يتحوّل الانتشار إلى دليل زائف على القيمة.

هذه التحوّلات، من تراجع المشروع الوطني وتآكل الطبقة الوسطى إلى تعدّد مراكز صناعة النخبة وهيمنة الضجيج الرقمي، تُفسِّر جانبًا من تراجع البيئة التي كانت تحوّل الكفاءة الفردية إلى قوة اجتماعية مؤثّرة.

لكنّ النخبة ليست كيانًا منفصلًا عن الدولة والمجتمع؛ إنّها نتاج البيئة التي تنشأ فيها، وشريك في إعادة تشكيلها. لذلك فإنّ استعادة قدرة مصر على إنتاج النخب تبدأ بإعادة الاعتبار للسياسة بعد أن ضاق مجالها وتراجعت أدوارها. فالسياسة ليست مجرّد أحزاب وانتخابات ومنافسة على المناصب، بل المجال الذي تتبلور فيه المصالح، وتُصاغ البرامج، وتظهر القيادات عبر الممارسة واختبار الأفكار ومواجهة الجمهور.

ولذلك حين تُغيَّب السياسة أو تُختزل في تأييد السلطة، تُحرم البلاد من الآليّات الطبيعية لاكتشاف قياداتها وإعدادها.

المطلوب حياة سياسية حقيقية وأحزاب قادرة على إعداد قياداتها

إنّ استعادة مصنع النخبة تقتضي فتح المجال العام، وتوسيع نوافذ التعبير، وضمان حرّية الرأي والصحافة، وإتاحة الفرصة للأحزاب كي تصبح مدارس حقيقية لإعداد القيادات. وتحتاج كذلك إلى جامعات مستقلّة، ومؤسّسات علمية وثقافية تحترم الاختلاف، وقواعد عادلة تُتيح للكفاءة التقدّم بعيدًا عن امتيازات النفوذ والثروة والقرب من السلطة.

القادة لا يُصنعون بقرارات إدارية، وإنّما يتكوّنون بالممارسة، ويُختبرون بالمنافسة، ويكتسبون شرعيّتهم من الإنجاز وثقة الناس.

وهنا نعود إلى السؤال الذي أثارته تصريحات 2030: مَن يُعِدُّ مصر للمستقبل؟ لنتأكد أنّه لا يكفي تدريب مجموعة من المرشّحين، مهما بلغت كفاءتهم، ولا اختيار أسماء من خارج المجال السياسي القائم.

ليس مطلوبًا أكثر من حياة سياسية حقيقية، وأحزاب قادرة على إعداد قياداتها، وإعلام وصحافة حرّة تختبر الأفكار، ومجال عام يسمح للكفاءات بالظهور والتنافس، ومؤسّسات تحمي حقّ المجتمع في الاختيار.

لقد استطاعت مصر أن تُنتج أجيالًا حملت مشاعل التنوير وبَنت مؤسّسات الدولة الحديثة، وليس ثمّة ما يجعلها عاجزة عن استعادة هذه القدرة في القرن الحادي والعشرين. لكنّ الطريق لا يمرّ باستدعاء أسماء الماضي، ولا بالبحث عن أشخاص استثنائيين يُعوّضون غياب المؤسّسات، بل بإعادة بناء البيئة التي تسمح للمواهب بالنموّ، والكفاءات بالتقدّم، والقيادات بالتشكّل من خلال العمل العام والمنافسة الحرة.

إنتاج النخب يحتاج إلى مجتمع حيّ ودولة تحترم العقل وحياة سياسية تُتيح للكفاءات أن تتنافس وللمجتمع أن يختار قياداته

مصر التي يتطلّع إليها المواطنون منذ ثورة يناير 2011 لا ينبغي أن ينحصر انشغالها اليوم في البحث عن رئيس جديد؛ ما يليق بها هو أن تستعيد قدرتها على إنتاج القادة والعلماء والمفكّرين والمُبدعين، وأن تُعيد بناء مصانع النخبة التي تجعل الكفاءة والاستقلال والمعرفة شروطًا للتقدّم، لا استثناءات عابرة في تاريخها.

إنتاج النخب لا يتحقّق بقرار من السلطة، وإنما يحتاج إلى مجتمع حيّ، ودولة تحترم العقل، وحياة سياسية تُتيح للكفاءات أن تتنافس وللمجتمع أن يختار قياداته.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن