باكستان يصعب عليها أن توجّه سلاحها بعيدًا عن الجسد الهندي، عدوّها القومي والديني. كما يصعب عليها توجيهه ضد إيران، بدافع التبادل التجاري الكبير بين البلدين، فضلًا عن علاقة سياسية سمحت لباكستان بلعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة. أمّا تركيا فلديها التزامات معقّدة تجاه حلف الـ"ناتو"، كونها الدولة المسلمة الوحيدة في الحلف الأورو - أميركي، ودخولها في أي حرب يرتّب على الحلف واجبات يُفترض أن تُدرس معه كي لا تكون مدخلًا لانزلاقه في ما لا يحب أن يتورّط فيه وحتى لو كان الحرب ضدّ إيران فإنّ الأمر لا يخلو من تعقيد، لأنّ أوروبا التي رفضت أن تنساق إلى تلك الحرب خلف الولايات المتحدة، على الرغم من كل ما تملكه من موارد هيمنة على القرار الأوروبي، يستحيل أن تنساق إلى الحرب ذاتها خلف تركيا. فضلًا عن ذلك، تسعى تركيا إلى زيادة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري مع إيران فوق المليارات الستّة الحالية، وإلى المساهمة في تعمير ما خرّبته الحرب الحالية، ومن ثم يصعب عليها رفع السلاح ضد إيران.
لن يرفع السلاح طرف غير عربي للدفاع عن دولة عربية
لا يعني ذلك أن تحالف مكّة غير ذي قيمة بالمطلق، أو أنّه خطوة في الاتجاه الخاطئ، بل يعني فقط أمريْن أساسييْن:
أوّلهما أن مفهوم الأمن القومي بمعناه الصحيح الذي يبرّر استخدام السلاح سيظل عربيًا، وأنّ كل محاولة للهروب من تلك الحقيقة ليست إلّا مضيعة للوقت، فلن يرفع السلاح قطّ طرف غير عربي للدفاع عن دولة عربية.
وثانيهما أنّ القيمة الأساسية لهذا التحالف تظلّ سياسية، فمجرّد نشوئه يمثل خبرةً استثنائيةً في تشكيل هوية استراتيجية لمنطقة المشرق العربي الإسلامي، وفي بناء وعي تاريخي بتميّزها عن الشرق الآسيوي وعن الغرب المسيحي في آن، خصوصًا أن هذا الوعي قد تبلور لدى دول ثلاث كبرى، وليس لدى جماعات إسلامية متشدّدة اعتادت أن تطلق خطابات هوية شمولية ومغلقة، باسم الإسلام، يشوبها العداء والكراهية ضدّ الغرب، وأن تمارس إرهابًا ربما نال من أفراد وكيانات داخل العالم الغربي، لكنّه نال من دماء أفراد وكيانات مُسلمة أكثر بكثير، كما نال من سمعة مجتمعاتنا وقدرة ثقافتنا على التعايش مع غيرها من الثقافات.
الامتياز الحقيقي للكيانات القوية ليس بالضرورة شنّ الحروب بل ردع الخصوم
ومن ثمّ تأتي أهمية ما كان طرحه المفكر الراحل صامويل هنتنغتون في كتابه الأشهر "صدام الحضارات" حول الفراغ الاستراتيجي في قلب العالم الإسلامي، بفعل افتقاره لدولة مركزية تقوده على منوال قيادة الصين للحضارة الكونفوشية، والهند للحضارة الهندوسية، وروسيا للحضارة المسيحية الشرقية، وأميركا للحضارة الغربية. فحسب هنتنغتون، تتنافس ست دول على قيادة العالم الإسلامي من بينها دول التحالف الثلاثي إلى جانب مصر وإيران وإندونيسيا. لكن مشكلة هنتنغتون أن خياله كان صراعيًّا بالأساس، فتصوّر أن وجود دولة قائدة سيدفعها تلقائيًا نحو الصدام مع الغرب، كي تبرّر قيادتها للعالم الإسلامي. والحقيقة أن ثمّة تعديليْن واجبيْن الآن على تصوّر هنتنغتون:
أولهما أن القيادة يمكن أن تنعقد لتكتّل من الدول الست، لأن أيًّا منها منفردة لا تملك الموارد الشاملة التي تمكّنها من القيادة، فلا يوجد بلد مسلم بحجم الولايات المتحدة والصين وروسيا، خصوصًا وقد صار العالم معقّدًا، تتشابك فيه القضايا وتتعاظم التحديات وتتعدّد الصراعات.
اتساع تحالف مكّة سيجعل منه آليّة ضغط على السلوك الإسرائيلي وآليّة تعديل للسلوك الأميركي في قضايا المنطقة
وثانيهما أنّ تلك الكتلة يمكنها أن تكون وسيلةً لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام، فالامتياز الحقيقي للكيانات القوية ليس بالضرورة رفع السلاح وشنّ الحروب، بل ردع الخصوم وجلب السلام طالما كان عادلًا، وطلب الاستقرار طالما لا يحمل في طيّاته جمودًا أو تهميشًا.
المؤكد لدينا أنّ اتساع تحالف مكّة الثلاثي للبلدان الأخرى الوازنة في العالم الإسلامي سيجعل منه آليّة ضغط فعّالة على السلوك الإسرائيلي، وآليّة تعديل ممكنة للسلوك الأميركي في قضايا المنطقة. فإذا كان من الصعب على دول التحالف محاربة الولايات المتحدة، أو الحلول بديلًا لها في ضمان الأمن الإقليمي، فمن الممكن لها التأثير في توجّهاتها، بما يجعلها أكثر توازنًا وعدالةً، ويمكّنها من إرغام إسرائيل على التسليم بالحقّ الفلسطيني، والذهاب إلى اتفاق عادل مع إيران، يسمح للمنطقة ببلوغ حالةٍ من السّلم المُستدام، ويسمح لإيران نفسها أن تصير، بعد أن تهدأ النيران المشتعلة، طرفًا في تلك الكتلة الحضارية، الباحثة عن الأمن والاستقرار.
(خاص عروبة 22)

