هل بدأت معاناة الفلسطينيين حقًّا في السّابع من أكتوبر؟ وهل من الصحيح أن الحرب على الفلسطينيين بدأت بما فعلته المقاومة في ذلك اليوم؟ وهل كان هناك مكان لسلام عادل قبل السّابع من أكتوبر؟ وهل كان هناك ثمّة أفق "لدولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة"، كما وعدتنا اتفاقات أوسلو قبل ثلاثة عقود.
اتفاقات ومعاهدات وخطط ومبادرات وخرائط وتفاهمات وقرارات وتوصيات ومؤتمرات وفي النهاية لا شيء
قبل عشرين عامًا بالضبط ممّا جرى في السّابع من أكتوبر 2023، وعشية مبادرة السلام العربية (البيروتيّة)، واضحة المعالم والطريق، والتي رفضها عمليًا الإسرائيليون، قبل أن يلتفّ عليها الأميركيون بمبادرات تُفرغها واقعيًا من مضمونها، كتبتُ في "وجهات نظر" عن "متاهة الفلسطينيين" الديبلوماسية مذكّرًا بالملف المزدحم بالاتفاقات والمعاهدات والخطط والمبادرات والخرائط والتفاهمات والقرارات والتوصيات وأسماء المدن والعواصم والمؤتمرات. وفي النهاية... لا شيء.
على لائحة القرارات الدولية:
181؛ القرار المؤسّس، الذي لا يعود إليه أحد.
194؛ القرار المتعلّق باللاجئين، والذي تحاول إسرائيل وأد كل أثر قانوني له بإجراءاتها المقصودة والممنهجة حيال الأونروا.
242؛ قرار الانسحاب "وعدم جواز احتلال الأراضي بالقوة"، الذي لم ينفّذ (ما نُفِّذ منه) إلّا بالسلاح.
"كلام" عن السلام وعلى الأرض توسّع استيطاني وتهجير قسري و"حروب" إسرائيلية لم تتوقف
في الملف أوراق مؤتمر مدريد (1991)، واتفاقات أوسلو (1993)، وواي ريفر (1998)، وبلير هاوس (1998-1999)، وكامب ديفيد (2000)، وشيباردز تاون (2000)، وقمّة شرم الشيخ (أكتوبر/تشرين الأول 2000)، ومفاوضات طابا (يناير/كانون الثاني 2001)، وتوصيات ميتشيل (أبريل/نيسان 2001)، وتفاهمات تينيت (يونيو/حزيران 2001)، ومبادرة جنيف (2003).
وفي الملف أيضًا خرائط وخطط ومبادرات تحمل "عنوان السلام"، أو أسماء أصحابها؛ بعضها جاد، وبعضها استعراضي، وكلّها لم تجد لها مكانًا في الواقع أو على الأرض: بدءًا من آرثر واكهوب (1934)، والكتاب الأبيض (1939)، وبرنادوت (1948)، وتيتو (1963)، وأبا إيبان (1968)، وجون فوستر دالاس (1955)، وجيمي كارتر (1977)، ورونالد ريغان (1982)، ثم رؤية بوش (2002)، وصولًا إلى "المؤتمر الدولي للقضية الفلسطينية" الذي دعت إليه فرنسا والسعودية على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة قبل حوالي العام، قبل أن يعمل ترامب على إجهاضه بإعلانه الاستعراضي/الاحتكاري لمجلس السلام "الترامبي" الذي يقوم في جوهره على البروباغندا وسمسرة الأراضي والعقارات.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني للأرض الفلسطينية بدأ في ثلاثينيات القرن الماضي
في الملف الدّيبلوماسي "كلامٌ" عن السلام. وعلى الأرض توسّع استيطاني، وتهجير قسري، و"حروب" إسرائيلية لم تتوقف، ولا تختلف إلا في عناوينها... وأسماء الضحايا:
عملية "الرصاص المصبوب" (2008-2009): أكثر من 1400 شهيد.
عملية "عمود السحاب" (2012).
عملية "الجرف الصامد" (حرب 2014): أكثر من 2200 شهيد.
عملية "حارس الأسوار" (2021).
الحرب على الفلسطينيين إذن لم تبدأ بما جرى في السّابع من أكتوبر، كما تقول البروباغندا الإسرائيلية التي يردّدها بعضنا (كالببغاوات)، ناسين، أو متناسين حقيقة أنّ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني للأرض الفلسطينية مع كل ما تبعه من فظائع الاحتلال والعدوان والتوسّع، بدأ في ثلاثينيّات القرن الماضي، في حين لم تظهر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلّا في عام 1965، كما لم تظهر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلّا في عام 1987، أي بعد خمسة عقود كاملة من بداية "النكبة" التي مثلت ذروة الحرب على الفلسطينيين!.
الحقيقة التاريخية لا تتغيّر طالما هناك احتلال هناك "مقاومة"
فشلت الديبلوماسية إذن، على الرغم من الملف المزدحم بالقرارات والمبادرات. أو بالأحرى أفشلها الصهاينة الأوائل أصحاب أكذوبة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، كما أفشلها صهاينة اليوم الذين أعلنوا مئة مرة أنّهم لن يسمحوا أبدًا بقيام دولة فلسطينية. وعندما فشلت الديبلوماسية لم يعد أمام أصحاب الحقّ في "الحياة كسائر شعوب الأرض" سوى المقاومة؛ طلبًا للسلام، لا رفضًا له، كما يحاول البعض أن يروّج.
وبعد،
لتكتمل الصورة، دعونا نضع ما جرى في سياقه. ما فعلته "حماس" في ذلك اليوم من أكتوبر 2023 لا يختلف في أسبابه وأهدافه عمّا فعلته "فتح" أو "الجبهة الشعبية" في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي. كما لا يختلف هذا وذاك بالمناسبة عن الذين حملوا السلاح لإخراج المحتلّ النازي من بلادهم. المقاومة هي المقاومة... والمبادئ لا تتجزّأ. فكما كان السّادس من أكتوبر 1973 ضرورة حتمية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية، كذلك كان السّابع من أكتوبر 2023 حقًّا مشروعًا للغرض عينه. نصف قرن بالضبط بين التاريخَيْن، ولكن الحقيقة التاريخية لا تتغيّر. طالما هناك احتلال، هناك "مقاومة". ولا حديث واقعيًا عن "السلام"، بوسعه أن ينسى هذه الحقيقة البدهية البسيطة.
(خاص عروبة 22)

