الحاجة إلى الكتاب المقروء "وجبة" جيدة في زمن التحوّلات والأحداث والمتغيّرات، وتخلق مناخًا من الثقة بشارع عربي كبير يقرأ، ويدفع به نحو الحوار والتجريب الفكري، بل يضفي عليه طابعًا تجديديًّا مميزًا. وهذا ما دأب عليه النادي الثقافي العربي منذ تأسيسه، لعقود من السنين، وعمره من عمر نهضة بيروت على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية كافّة، كأفضل مساعد للبنانيين على التلاقي الحرّ والعفوي، وأداة حوار في مجاميع لقاءات وندوات وتواقيع وأنشطة وعروض فنية، نسيجًا مدينيًا حقيقيًا يربط بين بيروت والعالم العربي.
خيمة عربية مرادفة للأمل وتحدّي الظروف الصعبة
دورة نوعية وغنيّة في ظروفٍ حسّاسةٍ جدًّا، وفي برنامج نوعي يشهد على مودة بيروت للكاتب والقارئ والناشر، مع نوعية مشاركة واسعة هذا العام لمئات من دور النشر اللبنانية والعربية، وحضور نحو 280 شخصيّةً في مجالات الشعر والرواية والأدب والفكر والسياسة والتاريخ والاقتصاد والموسيقى والمسرح والغناء، وفي الندوات والحوارات وتكريم المبدعين. وكلّ ذلك على مساحة واحدة، تحفّز عشاق الكتاب للانخراط في الحياة الواقعية وصياغة رؤى للمستقبل الإنساني "غير العابس" في الدّيموقراطية المتقطعة، إلى جانب الانخراط في مسألة التعثّر الاقتصادي، وخطر تآكل العقد الاجتماعي، ما يولّد شعورًا جماعيًا بالتراجع في سائر أنحاء العالم. والمفاجأة أنّ المعرض في منصّته الجديدة استوفى الكثير من شروط الحضور، أفقًا لا غنى عنه، ولعلّه سيكون أفضل الدورات الممكنة.
مدينة واحدة، تحت سقف واحد، وخيمة عربية مرادفة للأمل وتحدّي الظروف الصعبة، ومواجهة الحرب وقدرتها على تدمير كل ما هو موجود، البيئة والهوية والقيم والمجتمع والثروات والوطن. لكن المشكلة ليست في القراءة وأرقامها المتهاوية عربيًا، بل فيما نفعله فيها بعودة المدن العربية إلى مكانها الصحيح، حقبة الوفرة الثقافية والتوظيف الكامل للكتاب في شيء جديدٍ غير ماضوي. مدن طالعة بانتظام الرؤى التي تلعب أدوارًا أكثر عمقًا وحداثة، فيحقّق معرض بيروت هذا التوازن بفعل العودة المنتظمة والعلاقة الراسخة مع القراءة. وقد يكون الكتاب المقروء في نهاياته، لكن سحره يمكن أن يستمرّ طويلًا في ألوانه وعناوينه ووجوهه، وفي وحدة تعافٍ عميقة حوله.
ستكون هذه الدورة متأثّرة بالبحث عن الجوهر في القراءة حتى الرقمية العميقة والواقعية
وحين تتحدث بيروت عن كتبها، تعبّر عن أمل في أن تؤدي هذه الموارد الفكرية إلى تغييرات حقيقية تُجابه التقاعس السياسي والفكري، حيث يعاد اكتشاف إمكانات التعاون المشترك، والتركيز على مدينة الإنسان العابر للحدود بقيم قادرة على مواجهة الحرب من دون أدوات الحرب المستجدّة. فتتحوّل الهوية العربية إلى حدودٍ للفكر والبيانات الموثوقة التي تزخر بالمعلومات لتحديد الأولويّات، في ما يشهده العالم بأسره من تحوّلات على العديد من الأصعدة، وتغييرات ملموسة في مؤسسات الفكر وأنشطة التعليم والبحث في مختلف أنحاء العالم. إن كان على صعيد تمويل تلك المؤسسات والأنشطة وتقييمها، أو ما يتعلّق بعملية النشر وتعميم الاستفادة منها. وهي تغيّرات لا بدّ من تشخيصها والخروج بدروس يمكن البناء عليها لإعادة إنتاج منظومات الفكر والمعرفة في المنطقة العربية.
ولا يزال معرض بيروت يُشكّل استعارةً مهمةً للإشارة إلى فضاء مدينيّ، عندما يقرّر النّاس التحرّك نحو الكتاب، غالبًا كفاعل ثقافي وسياسي من الدرجة الأولى في محطةٍ يشهد فيها الكتاب المقروء انتعاشًا، مع التنبيهات الأخيرة حول المخاطر المرتبطة بتطوير الكتاب الرقمي والذكاء الاصطناعي. وستكون هذه الدورة متأثّرةً ببحث المدينة بيروت عن المعنى/الجوهر في القراءة، حتّى الرقمية العميقة والواقعية في مواجهةٍ أكثر من أي وقت مضى لكل الأمور الهشّة من حولها، وحدودها الثقافة، كعاصمة لطباعة الكتاب العربي، وكأداة حنين إلى ماضٍ لزمن هويّاتي، جرى تقديمه نموذجًا لسلام المجتمع العربي المفتوح والتعدّدي. ومن هنا الرهان الأكبر على نجاح التلاقي مع نقابة اتحاد الناشرين وصالون الكتاب الفرانكوفوني، وكرسي الشيخ زايد في الجامعة الأميركية في بيروت، وتعاونهم في مساحات عرض ستكون دور النشر والمكتبات موجودةً فيها بغزارة، لا سيما المساحة العربية التي صارت ملموسةً أكثر، وكان الهم أن تظهر بقوة بعد غياب قسري.
لا غنى عن بيروت في كتاب العالم العربي
دورة غنيّة تعكس شعورًا بالبدايات الجديدة. لكن كيف تتكيّف المدينة مع الكتّاب والتفكير النقدي والتعدّدي (خارج مهرجانات التوقيع على الكتب)، ومتابعة الأسئلة بصدق وموضوعية من خلال الجدارة الكبرى في القراءة، لإعادة بناء البلاد والأفكار في منطق الحب الطويل الأمد، والقناعة النظرية حتّى بعمق لبنان العربي، وبأنّ بيروت توفّر مكانًا ذا أهمية قصوى. مدينة تنتج ذاتها والآخر، وربما بخيال مبالغ فيه، كما مُثلها وقيمها التعدّدية عبر كتاب مرهف، يحتفي هذا العالم بالشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش والعلّامة صبحي الصالح، وبآخرين في النّهج المعتمد في تكريم الراحلين والمقاربات المنهجية الرصينة ومراجعها الأصيلة.
بيروت تقاوم بطريقتها الخاصّة في سعيها الدؤوب إلى إثارة الوعي وتعزيز أدوارها في تقدّم المجتمع العربي وازدهاره. إنها مدينة ليست مثالية، لكن لا غنى عنها في كتاب العالم العربي.
(خاص عروبة 22)

