في عاشر يوم بعد بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير الماضي، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العملية ضد إيران بأنها "نزهة قصيرة"، حيث إن الحرب، على حد قوله، ستنتهى بعد أسابيع قليلة. وبعد ذلك بيومين أعلن أن الولايات المتحدة قد انتصرت بالفعل، مضيفا أنه رغم أن البعض قد يرى أنه ينبغى التريث لإصدار مثل هذا الإعلان إلا أن هذا هو الواقع على الأرض. والآن، وبعد انقضاء سبعة أشهر وما زالت الحرب دائرة، ساخنة أحيانا وفاترة أحيانا أخرى، فقد يكون من المناسب أن ننظر إلى "الواقع على الأرض"، وكيف تحوّلت "النزهة" إلى أطول مواجهة مباشرة خاضتها أمريكا مع دولة أخرى منذ عقود، وما ينتظر أن يكون لها من انعكاسات على حروب المستقبل بشكل عام.
جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي في الأيام الأولى للحرب مبنية في مجملها على ما أقنعه به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماعهما في البيت الأبيض في 11 فبراير الماضي، من أن ضربة مفاجئة من قبل سلاحي الطيران الأمريكي والإسرائيلي على إيران، يكون أحد أهدافها الأساسية اغتيال عدد كبير من القيادات المدنية والعسكرية الإيرانية وعلى رأسهم المرشد العام، سيؤدي إلى حشد شعبى معادٍ للنظام، وهو الموقف الذي سيستغله الموساد الإسرائيلي من خلال عملائه على الأرض لإحلال نظام بديل حليف للدولتين. واستغل نتنياهو، الذي يعرف جيدا التركيبة النفسية للرئيس الأمريكي، عملية اختطاف رئيس فنزويلا مادورو التي قام بها الجيش الأمريكي قبل ذلك بأيام، كمؤشر على إمكانية تكرار ذلك مع إيران. ثم كان ما أصبح معروفا من موافقة الرئيس الأمريكي على المخطط الإسرائيلي، دون إعطاء أي اعتبار لما قد يكون لدى أجهزة الاستخبارات والأمن القومي عموما من تقديرات.
وبينما تحقق بالفعل ما كان مقدرا بالنسبة للقضاء، ليس فقط على قيادات الصف الأول في إيران بل على عدد كبير من صفوف القيادات الأدنى، إلا أن ما تلا ذلك من تطورات جاء مغايرا تماما لما توقعه الرئيس الأمريكي من نزهة قصيرة ونصر يتحقق في أسابيع قليلة. فإلى جانب قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما كان يمكن لأي محلل أن يتوقع حدوثه كرد فعل للخطر الوجودي الذي واجهته إيران، فإن ما حققته الأخيرة على الصعيد العسكري خلال الأيام التالية للهجوم كان مفاجأة غير متوقعة، ليس فقط لطرفي الهجوم ولكن لغالبية المراقبين على مستوى العالم. وحتى ندرك الأبعاد الهامة لهذه المقولة الأخيرة فمن الضروري أن نتعرض بشىء من التفصيل لما حققته إيران عسكريا منذ بداية الحرب وحتى الآن، وهي كلها معلومات مستقاة من مصادر من داخل الولايات المتحدة ذاتها:
في اليوم الأول للحرب قامت إيران بإطلاق مسيّرات من طراز شاهيد التي تنتجها محليا وصواريخ باليستية على القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، مما أدى إلى تدمير مركز الإمداد الرئيسي للأسطول الأمريكي في المنطقة، مما اضطر واشنطن إلى الاعتماد على قاعدة دييجو جارسيا التي تبعد نحو 4300 كيلومتر عن موقع العمليات، الأمر الذي كان من شأنه إحداث خلل كبير في عمليات تموين الأسطول، بما في ذلك حاملة الطائرات إبراهام لينكولن وما عليها من طاقم يبلغ عدده حوالي سبعة آلاف فرد لم يطئوا الشاطئ لمدة ثمانية أشهر، بما كان لذلك من آثار جسمانية ونفسية كانت مثار اهتمام واسع في الإعلام الأمريكي.
تلا ذلك قصف لقاعدة موفق السلطي في الأردن أدى إلى تدمير رادار تقدر قيمته بخمسمائة مليون دولار، ويعمل مع نظام الصواريخ ثاد التابع للقوات الأمريكية، والذي تمتلك منه ثماني وحدات موزعة بين قواعدها على مستوى العالم، وقد تم ذلك بصاروخ إيراني ذى قدرة على المناورة أثناء الطيران، وهو طراز متوفر لدى عدد محدود من الدول، الأمر الذي كان مثار تعليقات من المحللين العسكريين. وفي يوم 3 مارس قصفت مسيّرتان إيرانيتان من طراز شاهيد مبنى السفارة الأميركية في الحي الدبلوماسي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أحدثت الأولى ثقبا في جدار المبنى دخلت منه المسيّرة الثانية، مما نتج عنه حريق في المبنى أدى إلى تدمير ثلاثة طوابق، من بينها مكتب وكالة الاستخبارات الأميركية، سي آي إيه.
وفي 27 مارس أطلقت إيران عددا من الصواريخ والمسيّرات من طراز شاهيد على معدات عسكرية أمريكية في قاعدة الأمير سلطان في السعودية، مما نتج عنه تدمير طائرة إنذار مبكر، أواكس، تبلغ قيمتها ما يقارب خمسمائة مليون دولار، وعدد آخر من الطائرات من بينها طائرات تموين جوي. وكان هناك كذلك قصف بالمسيّرات لقاعدة أحمد الجابر في الكويت، نتج عنه تدمير لمباني القاعدة الأمريكية المتواجدة بها وعدد من الطائرات على الأرض وإصابة عدد من الجنود الأمريكيين. وفي السياق نفسه تم قصف القاعدة العسكرية في العراق من قبل قوات مؤيدة لإيران باستخدام مسيّرات إيرانية.
وعلى الجبهة مع إسرائيل استخدمت إيران ما أصبح يعرف بتكتيك "القصف المكثف" (swarm attacks)، حيث تقوم بإطلاق عدد كبير من مسيّرات شاهيد لإرباك دفاعات ما يسمى بالقبة الحديدية، حيث تمكن عدد منها من اختراق المنظومة وإحداث خسائر في الأرواح والمنشآت، بما في ذلك منطقة ديمونا التي يوجد بها المفاعل النووي الإسرائيلي.
وبالطبع فإن التطورات العسكرية على النحو الذى أوضحناه تطرح عددا من التساؤلات، يأتي في مقدمتها اثنان: أولهما كيف تمكنت هذه الدولة، التي ترزح طيلة ما يزيد عن أربعين عاما تحت وطأة ضغوط وعقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية، من تحقيق هذه النجاحات العسكرية في مواجهة قوتين مهيمنتين دوليا وإقليميا، بحيث إنها رغم ما تعرضت له من دمار كبير فى بنيتها العسكرية والمدنية وخسائر كبيرة في الأرواح ما زالت تمثل خصما قويا لم يستسلم أو ينهار كما توقع الجانب المقابل. والتساؤل الثاني يدور حول تداعيات ذلك على العقيدة العسكرية (military doctrine) فيما يتعلق بالتسليح لدى الدول كبيرها وصغيرها. وهما سؤالان متداخلان بحيث إن الإجابة عن أحدهما تفي بالرد على الآخر.
ومن الواضح أن إيران، إدراكا منها بأنها في أي مواجهة عسكرية شاملة مع عدويها الرئيسيين، الولايات المتحدة وإسرائيل، لن تكون ندا لهما لو تمت المواجهة بشروط الدولتين - قوة عسكرية ضخمة تحت تصرفها أحدث المعدات العسكرية تكنولوجيا وأقواها تدميرا، الأمر الذي لا يمكن لإيران أن تضاهي، ولو جزءا صغيرا منه. ومن هنا كان القرار الاستراتيجي الذي أصبح من الواضح أن إيران اتخذته منذ مدة بتطوير قدرات عسكرية بسيطة، وفي الوقت نفسه فعالة، يمكنها إنتاجها محليا بجهود ذاتية أو بمساعدة محدودة من حلفائها القلائل. وكان من نتيجة ذلك تطوير المسيّرة شاهيد، التي لا تتجاوز تكلفتها بعض العشرات من آلاف الدولارات، والتي وصلت إلى مستوى عال من الكفاءة، بحيث إن دولة متقدمة عسكريا مثل روسيا أصبحت تعتمد عليها في حربها في أوكرانيا.
وفي المجال البحري، وعوضا عن أسطول لا تمتلكه، اعتمدت إيران على عدد ضخم من القوارب السريعة التي يمكنها إحداث خسائر في سفن أكبر منها بكثير أو نشر ألغام بحرية. وبالطبع فإن مسرح العمليات بأهدافه القريبة برا وبحرا كان أساسا في زيادة فعالية هذا التوجه الاستراتيجي. وهنا تأتي الإجابة عن التساؤل الثاني، فقد أصبح واضحا من مجمل هذه الوقائع أن هناك حاجة إلى تحديث العقيدة العسكرية على مستوى العالم. فعندما تتمكن مسيّرات لا تتجاوز قيمة الواحدة منها ثلاثين ألف دولار من تدمير طائرة إنذار مبكر أو جهاز رادار تصل قيمة أي منهما إلى نحو خمسمائة مليون دولار، أو حين يلزم لمواجهة المسيّرات نفسها استخدام صواريخ باتريوت التي يتراوح ثمن الواحد منها ما بين ثلاثة وخمسة ملايين دولار، فإن هناك كلفة اقتصادية وفعالية عملياتية لا يمكن لأي دولة، مهما كانت قوتها، تجاهلها.
والأرجح أن الحروب المقبلة ستمنح وزنا أكبر لمعادلة الكلفة لا الحجم وحده: دفاعات متعددة الطبقات رخيصة إلى جانب المنظومات الباهظة، وتوزّع للقوات بدل تركزها في قواعد ضخمة ثابتة الإحداثيات، ودور متصاعد لتقنيات التوجيه والتنسيق التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لإدارة أسراب المسيّرات والدفاع عنها في آن. وهذا بالطبع لن يلغي قيمة السلاح المتقدم ومنصاته في الظروف التي تستدعيه. ختاما، هناك تساؤل آخر يحضرنا كنتيجة لما هو حاصل: هل ما زالت القواعد العسكرية الأجنبية ضمانا للأمن أم أصبحت عبئا عليه؟
(الشروق المصرية)

