تجتاح حمّى البحث عن المعدن النّفيس، مئاتٍ من القرى الحدودية السودانية المُتاخمة للحدود مع مصر، على نحوٍ لم يخلُ من تهديد مباشر للاقتصاد الوطني المصري، فضلًا عمّا تُسبّبه عمليّات التنقيب من تقويضٍ للتوازن البيئي في مناطق عدّة جنوبي البلاد، لكن المخاطر لا تتوقّف، حسب كثير من الخبراء، عند هذا الحدّ، إذ تشمل أيضًا العديد من المخاطر الأمنية، التي تتمثّل في تحوّل العديد من تلك العصابات، إلى العمل في عمليات تهريب غير شرعيّة للبشر والسلاح، ما يُلقي بمزيدٍ من الأعباء الأمنية على السلطات المصرية، من أجل ضبط الحدود الملتهبة مع الجارة الشقيقة التي تعاني منذ سنوات من فوضى عارمة.
لعب انفجار الأزمة في السودان دورًا كبيرًا في تنامي عمليّات التنقيب عن الذهب في المنطقة الحدودية، وقد استُخدمت عوائده حسبما تذهب كثير من الدراسات، في تمويل ميليشيات الحرب في السّودان، بعدما استغلّت عصابات التنقيب حالة الفوضى التي خلّفتها الحرب، والمساحة الشّاسعة التي تُمثل الحدّ السياسي الفاصل بين مصر والسودان، التي تمتدّ لمسافةٍ تصل إلى 1280 كيلومترًا، في عمليات التنقيب، وهي مسافة تبدو في بعض الأجزاء مجرّدة، حسبما تقول الدكتورة شيماء رضوان، مدرّسة الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافيّة في كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي، من كلّ مساندة تفرضها ظواهر طبيعية وبشرية معيّنة، حيث يخترق خطّ الحدود السياسية الصحراء من الغرب إلى الشرق، عبر مساحات شاسعة لا توجد فيها أي حركة أو نشاط، مرورًا بطريق "درب الأربعين"، الذي يتبع خطًّا من الواحات والآبار بين الفاشر وأسيوط، ويقطع هذا الخط أراضي العبابدة والبشارية، على نحوٍ تتماهى فيه المجموعات البشرية الممتدّة على جانبَيْ الحدود، والتي يربطها قدر كبير من التقارب والامتزاج، حيث روابط الدّين واللغة والقرابة والمُصاهرة تُجسّد عمق العلاقات العميقة والراسخة بين شطرَيْ الوادي.

يتركّز خام الذهب في مناطق عدّة في الصحراء الشرقية، ضمن النطاق الجيولوجي المعروف بـ"الدرع العربي النّوبي"، الذي يحتوي على صخور ناريّة ومتحوّلة غنيّة بعروق الكوارتز والمعدن النّفيس، وهو ما دفع الحكومات المصرية المُتعاقبة إلى الاهتمام بعمليات التعدين في تلك المنطقة، وإنشاء منجم السكري، الذي يُصنّف كواحدٍ من أكبر عشرة مناجم للذهب في العالم من حيث الإنتاج، حيث يدور إنتاجه السنوي منذ بدء تشغيله في يونيو/حزيران 2009، حول 500 ألف أوقية (أونصة)، بالتزامن مع خططٍ لرفع الإنتاج إلى نحو 800 ألف أونصة سنويًا بحلول عام 2030، لكنّ ذلك لا ينفي، حسبما يقول الدكتور محمد إبراهيم خطاب، مدرّس الجغرافيا الطبيعية في كلية الآداب في جامعة القاهرة، التاريخ التعديني العريق للمنطقة التي يقع فيها المنجم، والتي تضرب في عمق التاريخ المصري، بدايةً من عصر ما قبل الأسرات (نحو 3200 سنة قبل الميلاد)، مرورًا بعصور البطالمة والرومان البيزنطيّين، وكذلك أثناء الاحتلال البريطاني لمصر، ويبدو أنّ هذا التاريخ قد لعب دورًا كبيرًا في اتّساع عمليات التنقيب في تلك المنطقة، قبل أن تمتدّ لاحقًا لتشمل العديد من المناطق الجبلية الوعرة جنوبًا، قرب حلايب وشلاتين، حيث تتحوّل الجبال الوعرة، إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لعمليات تنقيب، في ظلّ ظروف بالغة الصعوبة بعيدًا عن أي رقابة حقيقية.
يُطلق أهالي الصعيد على المشتغلين بتلك المهنة اسم "الدهّابة"، وهم يشبهون في حياتهم القاسية مطاريد الجبل، حيث يعملون في عمق الصحراء، وفي مناطق بعيدة عن الطرق الرئيسية وشبكات الاتصالات، ما يجعل حياتهم قائمةً على العزلة والخوف، ولا تخلو من مغامراتٍ قد تنتهي ببعضهم إلى موتٍ محتملٍ في كل لحظة، إمّا عطشًا أو جوعًا بعد نفاد المؤونة، أو بلدغة عقرب أو ثعبان، أو بهجوم حيوان صحراوي مفترس.

تختلط رائحة الوقود بالغبار والعرق، وأبخرة المواد الكيميائية السامّة مثل الزئبق والسيانيد، اللذَيْن يستخدمان في عمليات تنقيب تتمّ بطرق بدائية في قلب جبالٍ لا ترحم، حيث يعكف الدهّابة على طحن الصخور الصّلبة لساعات طويلة، داخل طواحين بدائية، قبل أن يتمّ خلط ناتج الطحن بالزئبق لفصل الذهب، وهو ما يحوّل المكان الذي تتم فيه عملية الطحن والخلط، إلى هواءٍ مسمومٍ وملوّثٍ بالموت والغبار القاتل، فضلًا عن تسرّب جزءٍ كبيرٍ من تلك المواد إلى التربة والمياه الجوفيّة بل ومياه النّيل أيضًا، ما يزيد من تأثيراتها المباشرة على الحياة البرية والكائنات الحيّة في الصحراء، فيما تتسبّب عمليات الحفر العشوائي التي يتمّ بعضها باستخدام اللوادر والحفّارات الثقيلة، في تدمير التكوينات الجيولوجية الطبيعية للجبال والأودية، واقتلاع العديد من الأشجار النّادرة، فضلًا عن الإضرار بالنباتات البرية والمراعي الطبيعية.
لا تتجاوز كميات الذّهب المستخرجة بتلك الطرق البدائية بضعة أطنان سنويًّا، يتمّ صهرها داخل ورش سرية، لتحويلها إلى سبائك غير مدموغة، ثم يتمّ تهريبها إلى الخارج أو بيعها في السوق السوداء المحلية، ما يمثّل نزيفًا اقتصاديًا هائلًا يحرم مصر من مليارات الجنيهات، وهو ما تواجهه الأجهزة الأمنية، بتنظيم العديد من الحملات، التي ينجح بعضها في ضبط أجهزةٍ للكشف عن المعادن، وبعض المعدّات المستخدمة في التنقيب غير المشروع، لكنّ الدهّابة دائمًا ما يهربون عندما يضيق عليهم الخناق، قبل أن يعودوا مُجدّدًا لمواصلة مغامرات الموت في الصحراء!.
(خاص عروبة 22)

