تقدير موقف

ترامب وإسرائيل: من التحالف الاستراتيجي إلى الرهان على نتنياهو!

في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن الرئيس دونالد ترامب تأييده لإعادة انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسًا لوزراء إسرائيل، وكان ذلك قبل إجراء الانتخابات بتسعة أيام. وفي اليوم التالي، قام وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بزيارة لإسرائيل، والتقى بنتنياهو وعددٍ من كبار المسؤولين العسكريين في قاعدة عوفدا الجوية في النّقب. وفي يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول، أي في اليوم السابق لإجراء الانتخابات، أعاد ترامب تأييده لنتنياهو، ودعا الإسرائيليين إلى التصويت لصالحه، مشيرًا إلى أنّ "علينا أن نُنهي المهمّة التي بدأناها معًا".

ترامب وإسرائيل: من التحالف الاستراتيجي إلى الرهان على نتنياهو!

يُعتبر هذا الإعلان سابقةً من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدَيْن، فلم يسبق أن أعلن أي رئيس أميركي تأييده لأيّ من المرشّحين في الانتخابات الإسرائيلية، وكان أقصى ما يحدث هو أن يتصرّف الرئيس بشكلٍ يوحي بموقفه من دون الإعلان عنه مباشرة. وعلى سبيل المثال، فإنّ مشاركة كلينتون في مؤتمر شرم الشيخ للسلام عام 1996، فسّرها البعض بأنّها تأييد لشيمون بيريز. وبالعكس، فسّر المعلّقون موقف الرئيس بوش الأب بشأن توفير ضمانات لقروض تحصل عليها إسرائيل بمبلغ 10 مليارات دولار على أنّه ضغوط للتأثير على موقف شامير. واتصالًا بذلك، فُسّر قرار ترامب الاعتراف بالجولان قبل انتخابات 2019، وإعلانه صفقة القرن قبل انتخابات 2020، على أنّه دعم لنتنياهو.

ومن ثمّ، فإنّ إعلان ترامب تطوّر لافت في العلاقات بين الحليفَيْن، فهو يتضمّن تأييدًا مباشرًا لأحد المرشحين. ومؤدّى هذا أنّ ترامب انتقل من التعامل مع الحكومة الإسرائيلية بوصفها شريكًا استراتيجيًّا إلى الرهان على نتنياهو، بل ربط استمرار التعاون الأميركي - الإسرائيلي تجاه إيران بإعادة انتخابه، محذّرًا من أن يتولّى هذا المنصب شخصية أخرى غيره.

وجد قادة المعارضة أنفسهم في مأزق فهُم لا يستطيعون تجاهل تأييد ترامب لنتنياهو ولا يستطيعون انتقاد موقفه

لم يكتفِ ترامب بإعلان تأييده الشخصي لنتنياهو، وإنّما ربط إعادة انتخابه بمستقبل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ما يؤثّر في فئة الناخبين الذين يعتقدون أنّ تحقيق الأمن الإسرائيلي يرتبط بالتعاون الوثيق مع واشنطن. ويؤكّد هذا أنّ فريق الإعلام الخاص بنتنياهو استغلّ بسرعة تصريح ترامب، وروّج له في وسائل الإعلام كافّة ومنصّات التواصل الاجتماعي، للتأكيد على أنّ نتنياهو يمتلك علاقة خاصّة مع ترامب لا يستطيع أحد من منافسيه الحفاظ عليها.

وفي المقابل، انتقد المعارضون لنتنياهو التدخّلات الخارجية في الانتخابات، ولكن من دون الإشارة إلى ترامب تحديدًا. فصرّح أقوى المعارضين لنتنياهو، الجنرال غادي آيزنكوت، بأنّه يحترم الرئيس الأميركي ويثمّن ما قدّمه لإسرائيل، مُضيفًا أنّ الانتخابات قضية داخلية إسرائيلية، وأنّ الإسرائيليين وحدهم هم أصحاب الحقّ في تحديد نتائجها. أمّا نفتالي بينيت، فقد أشار إلى أنّ استمرار ترامب ليس شرطًا لاستمرار العلاقات المتميّزة مع واشنطن، وأنّه شخصيًا يستطيع إقامة هذه العلاقات. أمّا يائير لابيد، فقد وجّه سهام نقده إلى نتنياهو، واتهمه بـ"التوسّل" إلى ترامب لإعلان مثل هذا التأييد بدلًا من أن يضغط عليه بشأن إيران، مُشيرًا إلى أنّ الحكومة القادمة سوف تعرف كيف تتعامل مع ترامب على نحو أفضل منه.

ونشرت الصحف الإسرائيلية أنّ آيزنكوت وبينيت ولابيد بعثوا، في وقت سابق، برسائل إلى مساعدي ترامب، يطلبون منه الحياد وعدم التدخّل في الانتخابات، لأنّ جميع المتنافسين أصدقاء لواشنطن وحريصون على العلاقات الوثيقة التي تربط إسرائيل بها. وهذا صحيح، لأنّ كلّ قادة إسرائيل يُدركون أنّ أيّ رئيس وزراء لا بدّ أن يقيم علاقة عمل جيدة مع الرئيس الأميركي.

لقد وجد قادة المعارضة الإسرائيلية أنفسهم في مأزق؛ فهم لا يستطيعون تجاهل تأييد ترامب لنتنياهو، لأنّ ذلك يترك له ادّعاء احتكار التأييد الأميركي، ولا يستطيعون انتقاد موقف ترامب بشكل مباشر، لأنّ ذلك سوف يفقدهم أصوات قطاع من الناخبين. لذلك، اختاروا طريقًا وسطًا جمع بين التأكيد على أنّ اختيار الحكومة حقّ مطلق للناخبين الإسرائيليين، وتجنّب انتقاد ترامب بشكل مباشر، والتأكيد على أنّ العلاقات مع واشنطن أكبر من نتنياهو، وأنّهم يستطيعون الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية المتميّزة بين البلدين.

الأرجح أنّ ترامب سوف يتدخّل في تكوين الائتلاف الحاكم

حسمت الانتخابات الإسرائيلية هذا الجدل. وخلافًا لأغلب نتائج استطلاعات الرأي العام التي أشارت إلى تقارب كبير بين الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو وكتلة التغيير برئاسة آيزنكوت، فقد حصل الائتلاف الحاكم على أكثرية واضحة، ما يعطي الانطباع بأنّ تأييد ترامب ربما كان له دور في تحقيق هذه النتيجة. وعلى الأقل، هذا ما يؤكّده ترامب، الذي كتب على منصّته أنّ تأييده غيّر مسار المنافسة الانتخابية، فانتقل نتنياهو من توقّعات بهزيمة واضحة إلى احتمال تحقيق نتيجة أفضل.

وإذا كان ترامب لم يتورّع عن التدخّل للتأثير في الناخبين الإسرائيليين، فمن الأرجح أنّه سوف يتدخّل في مرحلة مشاورات تكوين الائتلاف الحاكم في الأسابيع القادمة!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن