بصمات

ما الذي يمكن البناء عليه في نداء شيخ الأزهر؟

ليست الحروب مجرّد قذائف وضربات وجبهات تتقدّم وتتراجع وخرائط تتغيّر، أو حسابات سياسية تتصارع عليها القوى؛ إنّها قبل ذلك كلّه حيوات بشرية تُسحق، وفقد ويُتم وترمل وعجز، وأطفال يكبرون وسط الخوف والنّزوح، وشعوب تُحرم من أبسط حقوقها في الأمن والغذاء والدواء والتعليم، ومستقبل يُنتزع من أجيالٍ لم تخترْ الحرب ولم تشارك في صنع أسبابها. من هنا تنبع القيمة الإنسانيّة لنداء شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب، لوقف الحروب والصراعات في العالم العربي. فهو يُعيد الإنسان إلى قلب المُعادلة، ويضع الدّين أيضًا كأداةٍ طالما تمّ استخدامها وقودًا للمعارك والنزاعات، لتتحوّل إلى أداةٍ للتقريب والتعايش ولمّ الشمل.

ما الذي يمكن البناء عليه في نداء شيخ الأزهر؟

إنّ جوهر نداء شيخ الأزهر هو استعادة أولويّة الإنسان: حياته وكرامته وأمنه وحقّه في أن يعيش بعيدًا عن الخوف والجوع والتهجير، فلا تبقى حياته وألمه وسيلةً للضغط والتفاوض، أو تطغى الحسابات السياسية والعسكرية على الكلفة الإنسانيّة للصراع.

تتجاوز أهمّية النداء الدعوة إلى وقف المواجهات القائمة، لتطرح ضرورة بناء آليّة عربية مستدامة لتسوية النزاعات عبر الوساطة الفاعلة، وآليّات الإنذار المبكر، واحتواء التوتّرات، وفتح قنوات الحوار، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات، مع إعطاء حماية المدنيين أولويةً لا تخضع للمساومة.

تُقدّم أزمات اليمن وسوريا والسّودان وليبيا والصّومال نماذج مختلفة لأزمة أعمق تتعلّق بضعف مؤسّسات الدولة، وتعدّد مراكز القوة المسلحة، وتداخل الصراعات الداخلية مع التدخّلات الخارجية. وأيّ حلول لتخفيف وطأة الحرب لا تكفي ما لم تُفتح الطريق أمام استعادة الدولة قدرتها على حماية مواطنيها، وصون سيادتها، وإدارة الاختلافات السياسية والاجتماعية من خلال مؤسّسات جامعة.

التحدّي الأكثر إلحاحًا هو إنهاء ثقافة الاحتكام إلى السلاح بوصفه طريقًا إلى السلطة

وعلى اختلاف هذه الملفات، تظل القاعدة واحدة: لا سلام مستدامًا من دون دولة فاعلة، ولا دولة مستقرّة من دون مؤسّسات شرعية وقادرة على استيعاب المجتمع، ومعالجة المظالم، وضمان المشاركة السياسية.

ولا تعني استعادة الدولة إعادة إنتاج سلطة تحتكر القرار أو تفرض الاستقرار بالبطش والاستبداد، بل بناء دولة القانون والمواطَنة، التي تحمي الحقوق وتُخضع مؤسّساتها للمُساءلة.

ربّما يكون التحدّي الأكثر إلحاحًا هو إنهاء ثقافة الاحتكام إلى السلاح بوصفه طريقًا إلى السلطة أو وسيلة لفرض الأمر الواقع. فامتلاك القوة لا يمنح صاحبه وحده شرعيّة تمثيل المجتمع، والسيطرة العسكرية لا تعني امتلاك حقّ تقرير مستقبل الدولة.

لكنّ رفض عسكرة السياسة لا يعني منح السلطات القائمة شرعيّة مطلقة، أو اعتبار المعارضة السّلمية تهديدًا للدولة. فالشرعيّة لا تُختزل في البقاء في الحكم، وإنّما تستند إلى القانون والمؤسّسات والمشاركة السياسية واحترام حقوق المواطنين والمُساءلة.

ومن هنا، يتعيّن التمييز بين الدولة والسلطة، وبين المعارضة السياسية والعنف المسلح، وبين حماية الشرعيّة وتوظيفها لتبرير الاستئثار بالحكم. فالدولة ليست ملكًا لحاكم أو جماعة أو طائفة، والسّلاح لا يجوز أن يكون بديلًا عن الإرادة السياسية للمجتمع.

أخطر ما يواجه العرب عجزهم عن إدارة الاختلاف من دون تدمير أوطانهم

إنّ تحويل نداء شيخ الأزهر إلى مسار عمليّ يتطلّب توافقًا عربيًا على آليّة دائمة للوساطة، وصلاحيات واضحة للتحرّك، وقنوات اتصال مستمرّة، وضمانات لمتابعة التسويات، ودعمًا لمسارات سياسية تُعيد بناء مؤسّسات الدول المتضرّرة. كما يتطلّب خطابًا عربيًا يرفض التحريض الطائفي واستباحة الدماء، ويوقف دعم أشكال المعارضة المسلّحة، ويواجه توظيف الدّين في الصراعات، ويؤكد أنّ حماية الإنسان ووحدة الوطن مقدّمتان ضروريتان لأي استقرار حقيقي.

ولا يعني ذلك تجاهل مسؤوليّات أطراف النزاع أو المساواة بينها، بل إنّ الوساطة الجادّة تقتضي معالجة المظالم، واحترام الحقوق، ورفض الاعتداء على المدنيين، وعدم تحويل وقف الحرب إلى غطاء لتكريس الظلم أو تثبيت الأمر الواقع بالقوة.

أخطر ما يواجه العرب ليس اختلافهم، بل عجزهم عن إدارة هذا الاختلاف من دون تدمير أوطانهم. والتحدّي الحقيقي هو أن تصبح الوساطة قاعدةً للعمل العربي، وأن يكون القانون مرجعية الاحتكام، وأن تستعيد الدولة مكانتها باعتبارها الإطار الجامع للمواطنين، لا غنيمةً لمن يتغلب من القوى المسلحة.

إضعاف دولة عربية واحدة لا يبقى أثره محصورًا داخل حدودها

إنّ الدولة التي تستحقّ أن تُستعاد هي التي تحمي جميع مواطنيها، ولا تجعل حقوقهم رهينةً لانتماءاتهم السياسية أو الدينية أو الطائفية.

ومن أهمّ ما ينبغي البناء عليه في النداء، مواجهة ثقافة الاحتكام إلى السلاح، التي تجعل القوة وسيلةً لفرض الإرادة وانتزاع الاعتراف السياسي.

فالسلاح لا يمنح صاحبه حقّ تمثيل المجتمع، والسيطرة على الأرض لا تصنع وحدها شرعيّة. وفي المقابل، لا يجوز توظيف رفض العنف لتبرير الاستبداد أو مصادرة الحقوق؛ فالشرعيّة الحقيقيّة تقوم على القانون والمؤسّسات والمشاركة والمُساءلة واحترام كرامة المواطنين.

والإنسان هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به شرعيّة السياسات ونتائج التسويات: هل تحمي حياته؟ هل تصون حقوقه؟ هل تُتيح له المشاركة في تقرير مستقبله؟ وهل تمنع تكرار المأساة؟.

تتجاوز أهمّية نداء شيخ الأزهر حدود المناشدة الأخلاقية إلى الضرورة السياسية والاستراتيجية

بهذا المعنى، لا يكون السلام مجرّد اتفاق بين أطراف متحاربة، بل عقدًا يحمي المجتمع من تجدّد العنف، ويضمن ألّا تتحوّل الهدنة إلى استراحة تسبق حربًا أخرى، أو إلى وسيلة لتكريس الظلم والإقصاء. فإضعاف دولة عربية واحدة أو تركها تنهار لا يبقى أثره محصورًا داخل حدودها، بل يمتدّ إلى أمن جيرانها واستقرار المنطقة، ويفتح المجال أمام التدخّلات الخارجية وتدويل الأزمات.

للأزهر، بما يمثّله من مكانة دينية وفكرية، دورٌ مهمٌ في ترسيخ خطاب يرفض استباحة الدماء، ويواجه التحريض والكراهية، ويؤكد أنّ حرمة الإنسان ليست تفصيلًا في الصراعات، بل أصل ينبغي أن يحكم المواقف منها. من هنا، تتجاوز أهمّية نداء شيخ الأزهر، الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب، لوقف الحروب والصراعات، حدود المناشدة الأخلاقية إلى الضرورة السياسية والاستراتيجية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن