كان الحوار الاستراتيجي بين مجلس التعاون وروسيا الذي عُقد في البحرين في 18 أكتوبر فرصة لمناقشة أزمات المنطقة جماعياً، بعد اللقاءات الثانوية المتعددة بين وزراء خارجية دول المجلس ونظيرهم الروسي منذ آخر اجتماع لهم في مدينة سوتشي على البحر الأسود في سبتمبر 2025. بدأ هذا الحوار الاستراتيجي المنتظم بين روسيا ومجلس التعاون في نوفمبر 2011، وكان الهدف منه تعزيز العلاقات بين الجانبين في جميع المجالات، السياسية والاقتصادية والثقافية، ولكن سرعان ما هيمنت المواضيع السياسية على الحوار، خاصة الأزمة السورية، التي تعارضت وجهات نظر الجانبين حيالها، واتخذت روسيا موقفاً متشدداً بدعم نظام الأسد عسكرياً على الرغم من الجرائم التي كان يرتكبها بحق الشعب السوري.
أدى زوال نظام الأسد في ديسمبر 2024 إلى تعزيز العلاقات بين مجلس التعاون وروسيا، وقفز التبادل التجاري إلى 24 مليار دولار عام 2025، بزيادة 60 بالمئة في سنة واحدة، وصاحب هذه الزيادة زيارات عالية المستوى بين قادة الجانبين وتوقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية. إلا أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران هذا العام أدت إلى تباين وجهات النظر الروسية والخليجية مرة أخرى، ولهذا كان أحد أهداف اجتماع البحرين تقريب وجهات النظر في هذه الأزمة. فالجانب الروسي ينظر لهذه الحرب من منظور مواجهته مع الغرب ولهذا يقلل من أهمية دور إيران في توسعة نطاق الحرب بمهاجمة دول الخليج.
عندما طُرح في مجلس الأمن مشروع القرار 2817 امتنعت روسيا عن التصويت، مما سمح للقرار بالصدور في 11 مارس 2026، وكانت هذه بداية جيدة للتعامل مع الأزمة، حيث أدان القرار الهجمات على الأهداف المدنية في دول الخليج والأردن، وأكد على حرية الملاحة في مضيق هرمز. إلا أن الموقف الروسي تغير بعد ذلك حين قامت موسكو بمنع إصدار مشروع قرار لاحق قدمته دول المجلس في شهر أبريل يؤكد على حق الملاحة في المضيق، وأدى الفيتو الروسي إلى شل قدرة مجلس الأمن على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعودة الأمور في هرمز إلى ما كانت عليه إلى ما قبل بداية الحرب في 28 فبراير.
لم يتغير الموقف الروسي من الأزمة كثيراً على الرغم من التداعيات الاقتصادية الحادة على دول المنطقة والعالم من إغلاق هرمز، وتهديد الحوثيين لمضيق باب المندب، مع أنه استنكر هجماتهم على الأهداف المدنية في المملكة. خلال لقاءاته في البحرين وطهران، طرح الجانب الروسي مرة أخرى مقترحه بشأن أمن الخليج، بهدف "بناء الثقة بين الدول المشاطئة للخليج من خلال الشفافية في الأمور العسكرية وتبادل المعلومات المتعلقة بأمن تلك الدول، ثم توسعة نطاق الفعاليات المشتركة بينها بما يعزز الثقة"، ووفقاً للمقترح الروسي يمكن أن يشارك في هذه الترتيبات ممثلون عن الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.
منذ طرح هذا المقترح منذ عدة عقود، وعلى الرغم من التعديلات المتكررة عليه، فإنه كان غير واقعي، خاصة الجزء المتعلق بالشفافية في الأمور العسكرية وتبادل المعلومات، لأن مثل هذه الشفافية لا يمكن أن تتحقق إلا بعد إعادة بناء الثقة بين الأطراف، أما الآن فإن مثل هذا المقترح أصبح بعيد المنال بعد أن ضعفت الثقة بين شاطئي الخليج بعد الحرب الأخيرة. فإعادة بناء الثقة تتطلب اليوم العودة إلى الأساسيات وأولها الالتزام بمقاصد وأهداف القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة وقانون البحار، بالتوقف عن مهاجمة دول الجوار، وضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب وعودتها إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير.
العلاقة الوثيقة بين روسيا وإيران تمنح موسكو فرصة فريدة في التوسط لحل النزاع، عن طريق الالتزام بالقانون الدولي الذي يمنع مهاجمة المدنيين والأهداف المدنية من جهة، ويحظر عرقلة حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، وفصل هذين الأمرين عن الأمور الأخرى التي تتعلق بالحرب والتي يمكن حلها من خلال المفاوضات، مثل الملف النووي، والبرنامج الصاروخي، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم الجماعات المسلحة.
(الرياض السعودية)

