تقدير موقف

لا سيّد إلا الشعب!

حين يسمع القارئ العربي اعتراض اليمنيّين على لقب "السّيد" الذي يُحيط بعبد الملك الحوثي، قد يظنّ أنّ المسألة مجرّد خلاف في الألقاب أو حساسيّة اجتماعية تجاه أسرة أو سلالة أو نسب. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالمعركة في اليمن ليست ضدّ نسب، ولا ضدّ ما يُسمّى "آل البيت"، وإنما هي ضدّ تحويل النسب إلى امتياز سياسي، وتحويل المحبة إلى طاعة، وتحويل التاريخ إلى صكّ يمنح صاحبه حقّ الحكم والتحكّم في شعب كامل.

لا سيّد إلا الشعب!

هذه هي الفكرة التي قامت عليها الإمامة في اليمن في صورتها السياسية التاريخية: أنّ حقّ الإمامة، أي حقّ الحكم، لا يكون لكلّ يمني، مهما بلغ علمه وكفاءته وشجاعته وخدمته للناس، بل يُحصر في مَن ينتمي إلى ذريّة علي بن أبي طالب وفاطمة الزّهراء، عبر الحسن والحسين، في ما عُرف بـ"البطنين". أي إنّ الباب السياسي للحكم يُغلق مسبقًا في وجه ملايين اليمنيين، ويُفتح لأسر مُحدّدة أو لسلالة بعينها بدعوى النسب، لا بحكم المؤهّل ولا بحكم الاختيار أو الرضا الشعبي.

لم تكن المشكلة في أن يقول المرء إنّه هاشمي أو علوي أو من أي أسرة يمنية؛ فالنّاس سواء في الكرامة الإنسانية، والنسب لا ينقص إنسانًا ولا يزيده عند الله إلّا بما يقدّم من عملٍ صالحٍ. لكنّ المشكلة تبدأ حين يُقال إنّ شخصًا يولد وفي يده حقّ سياسي إلهي لا يملكه غيره، وإنّ مواطنًا آخر يولد محرومًا من هذا الحقّ، مهما كانت قدراته ومكانته. هنا ننتقل من احترام الأنساب إلى العنصرية السياسية.

لم تكن الإمامة التاريخية مصدر استقرار لليمن بل كانت بابًا لصراعات متكرّرة وسببًا في تمزيق البلاد وإضعافها

في صيغها التاريخيّة، لم تكن الإمامة مجرّد نظام ملكي عادي له مشروعيّة تاريخيّة، أو توافق اجتماعي، أو رضا شعبي، ولم تطوّر نفسها بحيث تمتلك صيغةً عصريةً للحكم؛ بل كانت نظرية تجعل من النسب شرطًا في الحاكم، وتُضفي على صاحب هذا النسب سلطةً دينيةً وسياسيةً معًا. وكانت النتيجة أنّ اليمني البسيط، ابن القبيلة أو القرية أو المدينة، مهما كانت قدراته، يُطلب منه أن يكون تابعًا، وأن ينظر إلى الحكم بوصفه شأنًا يخصّ "أهل البيت" لا شأنًا عامًا يخصّ أبناء الوطن جميعًا. كما عطّلت، بحكم طبيعتها، قيام دولة حديثة تقوم على المؤسّسات والقانون والمُساءلة.

وإذا كانت الإمامة، بوصفها نظرية للحكم، قد أصبحت عند أغلب المسلمين صفحةً من التاريخ، فإنّها في النسخة الهادوية الجارودية التي يتبنّاها الحوثي ليست ذكرى من الماضي، بل قضية حاضرة ومستمرّة. فهي لا ترى الإمامة حقًّا انقضى بقيام الدولة الحديثة، بل حقًّا قائمًا إلى يوم الدّين، ولا تكتفي باعتبار النسب شرطًا فيه، بل تجعل "الخروج" وفَرْضَ الأمر بالقوة طريقًا لتحقيقه. ووفق هذا المنطق، لا يكون الإمام أو الحاكم الشرعي هو مَن يتوافق عليه الناس ويحكم بوسائل عصرية ومؤسّسات قابلة للمحاسبة، بل مَن يخرج بالسلاح ويتغلّب وينتصر ويفرض سلطته، ولو كان خصمه من أبناء المذهب نفسه أو السلالة نفسها.

ولذلك لم تكن الإمامة التاريخية مصدر استقرار لليمن، بل كانت بابًا لصراعات متكرّرة بين مدّعين للإمامة، وسببًا في تمزيق البلاد وإضعافها؛ وهو المنطق عينه الذي يُعيد الحوثي إنتاجه اليوم بالسلاح والقوة.

ولهذا جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 1962 ثورةً على نظام سياسي مغلق وعنصري، لا على مذهب ولا على طائفة ولا على أبناء سلالة. كانت ثورةً تقول ببساطة: اليمن ملك اليمنيين، والحكم حقّ للشعب، والمواطن لا يُقاس بدمه ولا بلقبه، بل بمواطَنته وكفاءته وإرادة الناس. وقد شارك في صناعة تلك الثورة يمنيّون من مختلف المناطق والمذاهب والأسر، ومن بينهم زيديّون وهاشميّون، لأنّ المعركة لم تكن يومًا ضدّ هوية اجتماعية، بل ضدّ امتياز سياسي يعلو على الشعب.

الحوثي يسعى إلى تأسيس سلطة دائمة تستند إلى عقيدة الامتياز والحقّ الإلهي والقوة

اليوم يعود عبد الملك الحوثي ليُحيي جوهر هذه الفكرة، وإنْ اختلفت الأدوات والشعارات. فهو لم يصل إلى موقعه عبر انتخاب حرّ، ولا يقبل بذلك، ولا يخضع لمساءلة شعبية أو مؤسّسات دستورية، لكنّه يُقدَّم في خطابه وبيئته التنظيمية بلقب "السيد". ويُرادُ لهذا اللقب أن يكون أكثر من مجرّد احترام اجتماعي؛ أن يكون مصدر سلطة وطاعة، وأن يضع صاحبه فوق النّقد والمحاسبة وفوق كل السلطات، وأن يجعل الجماعة ترى في توجيهه تكليفًا له قداسة، لا رأيًا سياسيًا يمكن مناقشته أو رفضه.

وحين ترفع الجماعة شعار "الولاية" بكلّ أبعاده، وتربط القيادة بنسب مخصوص، وتعطي سلالة بعينها مركز الثقل في القرار والثروة والسلاح والمؤسّسات، فإنّها لا تقدّم مشروع دولة حديثة، بل تعيد إنتاج منطق الإمامة: الحاكم صاحب حقّ سابق على إرادة الشعب، والشعب مطالب بالقبول والانصياع. ويُصوَّر الخروج عن طاعته خروجًا عن الدّين. وهنا تكمن خطورة المشروع الحوثي؛ فهو لا يطلب سلطة مؤقتة تُكتسب بالانتخاب وتزول به، أو حتى بالرضا الشعبي، بل يسعى إلى تأسيس سلطة دائمة تستند إلى عقيدة الامتياز والحقّ الإلهي والقوة.

إنّ العربي الذي يُتابع أخبار اليمن من بعيد قد ينجذب إلى شعارات الحوثي المرتفعة عن فلسطين أو مواجهة إسرائيل وأميركا. لكنّ المواقف من القضايا الكبرى لا تمنح أحدًا حقّ مصادرة شعبه، ولا تبرّر إلغاء الجمهورية التي اختارها اليمنيّون نظامًا لهم عام 1962، حتى وإن بقي اسمها حاضرًا بينما يُفرّغ الحكم مضامينها ودستورها من معناهما. ولا تجعل السلاح بديلًا عن الإرادة الوطنية. فلا يمكن لجماعة أن تدّعي الدفاع عن حرية الشعوب في الخارج، ثم تحرم الشعب اليمني في الداخل من حقّه في اختيار حكامه ومحاسبتهم وتغييرهم.

حين تصبح السلطة حقًّا محتكرًا في الدم يصبح الوطن مزرعة والمواطن رعية والدستور ورقة لا قيمة لها

القضية الفلسطينية قضية عربية عادلة، ولا يملك الحوثي ولا غيره احتكارها أو المتاجرة بها. واليمنيون الذين يرفضون الإمامة هم أنفسهم أبناء أمة عربية تؤمن بفلسطين وتناصر شعبها؛ لكنّهم يرفضون أن تتحوّل فلسطين إلى ستار يُخفي مشروعًا سلاليًا عنصريًا مغلقًا، أو إلى جواز مرور لإعادة حكم الكهنوت إلى صنعاء.

ومن الإنصاف أيضًا أن نقول بوضوح: ليس كل هاشميّ حوثيًا، وليس كل زيديّ مؤمنًا بالإمامة السياسية، وليس كلّ مَن يحب آل البيت قابلًا بأن يكون النسب معيارًا للحكم. في اليمن هاشميّون أحرار وقفوا مع الجمهورية، وزيديّون كانوا في طليعة المدافعين عنها، كما أنّ أغلبيّة اليمنيين، على اختلاف أصولهم ومذاهبهم، يرون أنّ الدولة لا تستقيم إلا بالمواطنة المتساوية.

فالدولة الحديثة لا تسأل الحاكم: مَن  جدّك؟ بل تسأله: ماذا قدّمت؟ ومَن اختارك؟ وكيف تُحاسَب؟ وماذا فعلت لبناء مؤسّسات عصرية قابلة للمُحاسبة؟ وماذا فعلت لتحديث الدولة، بدل إبقائها في صراعات حُسمت منذ عشرات القرون؟ وحين تصبح السلطة حقًّا محتكرًا في الدم، يصبح الوطن مزرعة، والمواطن رعية، والدستور ورقة لا قيمة لها.

السيادة ليست نسبًا ولقبًا وسلاحًا ولا استخدامًا للقوة لفرض الفكرة

لهذا فإنّ جوهر الصراع في اليمن هو صراع بين فكرتَيْن: فكرة تقول إنّ الشعب مصدر السلطة، وإنّ كل يمنيّ يستطيع أن يطمح إلى أي موقع عام بإرادة الناس وكفاءته؛ وفكرة تقول إنّ الحكم امتياز لسلالة مخصوصة، وإنّ الآخرين لا يملكون إلّا الطاعة.

وقد حسم اليمنيون هذا السؤال يوم قامت ثورة سبتمبر/أيلول، وسيحسمونه اليوم أيضًا. فالسيادة في الوطن ليست نسبًا، وليست لقبًا، وليست سلاحًا، ولا استخدامًا للقوة لفرض الفكرة.

لا سيّد على اليمنيين إلّا الشعب، ولا إمام فوق إرادته، ولا شرعية تعلو على الجمهورية والدولة والمواطَنة المتساوية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن