ليس مطلوبًا من المثقّف، بالضرورة، أن يقارع السلطة، لكن ليس مطلوبًا منه في المقابل أن يُنفق حياته في مغازلتها... أن يمارس مواهبه المقزّزة وطاقاته المؤذية في غوايتها فيقول الكلام وعكسه بالحماسة نفسها، يصفّق لصدور القرار ويهلّل لإلغائه بالثقة نفسها، يبرّر التشريع قبل أن يرحّب بتجميده لا لسبب إلّا لأنّ السلطة غيَّرت موقفها لدوافع لا يعلمها.
قد يُغفر للمثقّف صمته أحيانًا، عندما يخشى البطش وتخونه الشجاعة، لكن ليس مسموحًا له ولا مقبولًا منه أن يكذب، أن يتخلّى عن دوره الأبدي في تنوير الناس.
ينشغل الحاكم بحصار المثقّف الحقيقي عن استئصال المثقّف الانتهازي
يفترض المثقّف الانتهازي أنّ السلطة في حلٍّ من أي عقد مع الناس، غير مطالبة بشيء، فيُثمِّن جهودها إذا قامت بعُشر واجباتها، إذ يصير كل نشاط بمثابة إنجاز، وكل ما هو عادي أمرًا استثنائيًا. فإذا قامت بتنظيف الشوارع وتنظيم حركة المرور، اعتبر ذلك إنجازًا فريدًا يتوجّب الاحتفاء به، وكأنّ أصل الأشياء أن يكون الشارع قذرًا، والمرور معطّلًا. والحقيقة أنّ ذلك لا يرجع إلى كرم أصيل في طبعه، بل إلى أنانيّته وربما خسّته، إلى رغبته العارمة في الفرح سريعًا بأي فعل قبل أن يطالب بعوائد الفرح، كراقصة تحرص على اقتضاء النقوط، تركّز عينَيْها وتُعطي اهتمامها لوجهاء الحضور في قاعات الأفراح، ولأثريائهم في صالات اللهو. أمّا التخطيط للمستقبل فلا مكان له على خريطة إدراكه، كونه أمرًا مرهقًا، يُثير القلق ويؤخّر الحصاد.
قد يتوهّم الحاكم أن هذا المثقّف هو أكثر مَن يحبه، على الرغم من أنّ كل تجارب التاريخ تشي بأنّ كل المدّاحين كاذبون، لا ينشدون سوى الأُعطية، ولو هلك المانح بعد قليل، فعندئذٍ يأتي حاكم جديد، يمنح الأعطية ذاتها للدوافع نفسها. إنّها اللعبة التي تكرّرت كثيرًا، جُرِّبت آلاف المرات في شتّى العصور، وعلى الرغم من ذلك يطيب للحاكم الوقوع في فخّها، متصوّرًا أنّه يفهم ذلك المثقّف المدّاح، وأنّه قادر على الخلاص منه وقتما يشاء. لكنّ ذلك الوقت لا يأتي أبدًا، فالمديح إذ يدغدغ الآذان يصبح عادة طريفة، والأذن إذ تُنصت لمن يمدح سرعان ما تنفر ممّن ينقد، وهنا ينشغل الحاكم بحصار المثقّف الحقيقي عن استئصال المثقّف الانتهازي، باذلًا جهده في غير موضعه، حتى يبلغ الأمر منتهاه.
قبل نصف قرن، جسّد توفيق الحكيم النموذج الأرفع قدرًا للمثقّف غير الملتزم، ولن نقول الانتهازي، عاش نجمًا متألقًا في "أهرام هيكل"، مستمتعًا بملذّات العصر الناصري، قبل أن يكتشف غيابه عن الوعي، ليكتب بعد أربع سنوات من رحيل ناصر "عودة الوعي". ومن ثم تنبع المفارقة، فالحكيم الذي سكن برج الدور السادس الشهير في الأهرام، ولم يتوانَ عن مراكمة الشهرة مع المال، لم يكن يعرف ولم يستطع أن يُقدِّر، جارى العصر وامتصّ كل رحيقه، قبل أن يستعيد وعيه ليواكب عصرًا جديدًا، تسارعت خلاله موجات الهجوم على الإرث الناصري السياسي والاجتماعي والثقافي، أعقاب "حرب أكتوبر" والشروع في التصالح مع الغرب والسوق الرأسمالي والتيّارات الدينية، على الرغم من كرم عبد الناصر معه، وعدم توانيه في التغنّي بتأثيره عليه شابًّا، منذ قرأ روايته الباكرة "عودة الروح".
المثقّفون المزيّفون سرعان ما يطردون المثقّفين الحقيقيين
اليوم، يبدو الوضع أسوأ كثيرًا، فالساحة تعجّ بمثقّفين أقلّ قدرًا واحتشامًا. فثمّة الصحفي الذي صار إعلاميًّا بلا موهبة تستحق. والإعلامي الذي صار برلمانيًا من دون وجه حق. والسياسي الذي ارتدى ثياب الناصرية، ومجّد كل مَن ارتداها، ثم عاد ليحابي "الإخوان المسلمين" زمن حكمهم القصير الذي لو طال لأطال لحيته، قبل أن يفرض نفسه متحدثًا باسم الحكم القائم في مصر. والكاتب المدهش في تنظيره لكلّ عصر، وفي قدرته على أن يغسل يده منه بمجرّد تشييعه إلى مثواه. هؤلاء المزيّفون سرعان ما يطردون المثقّفين الحقيقيّين؛ الذين لا يُجيدون الرقص على الحبال المشدودة، خصوصًا وقد أرهقتهم التجارب والسنون وأصابتهم بالإحباط، وبات الزحام والضجيج وانعدام التهذيب يؤرقهم إلى حدّ الإزعاج.
وهكذا يصير المسرح فارغًا أمام المزيّفين، يقدّمون عليه رقصاتهم الشيطانية فوق أجساد أوطاننا طلبًا لغنيمة السلطان، متجاهلين أنّ الأوطان أهم من كل مغنم، وأبقى من أي سلطان!.
(خاص عروبة 22)

