ينتخب الإسرائيليون، اليوم الثلاثاء، للمرة الأولى منذ أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، على وقع الأحداث التي تضجّ بها المنطقة، والتي يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى توظيفها خدمةً لمصالحه ومآربه، خصوصًا أنه بذل، إلى جانب وزرائه من اليمين المتشدّد، جهودًا مضنية لاستمالة الرأي العام "المتذبذب". في المقابل، يبدو الطرف الآخر المناوئ له مصمّمًا على تحقيق "خرقٍ" ما، ما تشير إليه الاستطلاعات المنشورة، على الرغم من أن النتيجة النهائية ستبقى مرهونةً بالناخب الإسرائيلي. وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، دخل شخصيًا على خطّ دعم "حليفه"، داعيًا إلى التصويت له من أجل "استكمال المهمة"، ما وجد فيه نتنياهو "مُتنفّسًا" ومحاولةً لإنقاذه قبل الغرق الأخير، لا سيما أنه يُحاكم في قضايا فساد ورشاوى. يحدث ذلك فيما تتزايد الانتقادات لأدائه المتردّي، بدءًا من حرب الإبادة المتواصلة في غزة، مرورًا بالاستيطان المتوسّع في الضفة الغربية، والعمل الدؤوب على تهويد القدس، وصولًا إلى تثبيت الاحتلال في جنوب لبنان، وتهديد طهران بإسقاط نظامها و"أذرعها"، فضلًا عن إثارة التوترات في سوريا وشنّ هجماتٍ متكرّرةٍ على "حكّامها الجُدد".
وتُوصَف انتخابات الكنيست الحالية بأنها حاسمةٌ ومصيرية، لأنها ستشكّل اختبارًا حقيقيًا لنتنياهو، المتهم بإخفاقاتٍ أمنيةٍ عديدةٍ والتسبّب في تراجع سمعة إسرائيل دوليًا، كما ستختبر مدى قدرة المعارضة، بقيادة رئيس الأركان السابق، غادي آيزنكوت، على حشد التأييد واختراق نفوذ نتنياهو و"عرينه". وفي انتظار "لحظة الحسم"، تعيشُ المنطقة مرحلةً من "عضّ الأصابع"، بالتزامن مع تسارع الوساطات والحراك الدبلوماسي في محاولةٍ لخفض التصعيد ومنع اتساع رقعة الحرب. وفي هذا السياق، لفتت الزيارة، التي أُعلن عنها بصورةٍ مفاجئة إلى إيران، وضمّت وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني، عاصم منير. وتسعى هذه الدول، التي تشكّل "حلف اتفاقية مكة"، إلى بلورة حلولٍ في ظلّ تعثّر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتصاعد حدّة الهجمات التي ينفّذها الحوثيون على منشآت المملكة العربية السعودية ومرافقها الحيوية. ووفقًا للمعلومات المنشورة، شدّد المجتمعون على أهمية "مواصلة المشاورات لتعزيز التعاون في ما بينهم، بما يشمل قضايا السلام والأمن الإقليميين". وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أعلن في وقتٍ سابقٍ أن اجتماع طهران، الذي جمع مسؤولين إيرانيين، في مقدّمهم الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إلى جانب مسؤولين رفيعي المستوى من دول "حلف مكة"، "قد يشكّل بدايةً لتأسيس منظومةٍ أمنيةٍ إقليميةٍ تنطلق من المنطقة". وأوضح أن هذه "المبادرة" طُرحت خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران، وحظيت بموافقة بلاده.
بدورها، أكدت السعودية أن الزيارة تأتي في إطار استمرار جهود دول "اتفاقية مكة" لخفض مستوى الاحتقان بين أطراف الأزمة الراهنة، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة التي تقودها الدوحة وإسلام آباد. وشدّدت على أهمية تجاوب الجميع بصورةٍ إيجابيّةٍ وعمليّةٍ، وفتح قنوات التفاوض تمهيدًا للتوصل إلى اتفاقٍ يحدّ من اتساع رقعة المواجهات. لكن "اللقاء الرباعي"، على أهميته، يحتاجُ إلى إرادةٍ مشتركةٍ للعمل معًا من أجل بلورة تفاهماتٍ واضحةٍ يمكن التعويل عليها. وهو ما يطرح تساؤلاتٍ حول مدى قدرة النظام الإيراني على الالتزام بتعهداته، خصوصًا في ضوء استهدافاته المتكرّرة لدول الخليج خلال المرحلة السابقة، فضلًا عن تقديم الدعم والمشورة السياسية والعسكرية لجماعة الحوثيين في اليمن. ويحمل البيان الختامي "المقتضب"، الصادر عقب زيارة الوفد الثلاثي، دلالاتٍ على أن المحادثات لم تسفر عن نتائج عملية أو اختراقٍ جوهريٍّ يعزّز فرص التهدئة، في ظلّ غياب أي تغييرٍ ملموسٍ في الموقف الإيراني من شأنه تشجيع واشنطن على إعادة النظر في خياراتها العسكرية. ومن هذا المنطلق، تبدو الأمور شديدة التعقيد، إذ إن شبح الحرب التي بدأتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران لم يعد محصورًا داخل حدودها، بل امتدت تداعياتها وتأثيراتها إلى جبهاتٍ أخرى، باتت اليوم "في عين العاصفة"، بالتزامن مع الاضطرابات المتفاقمة في مضيق هُرمز وما تفرضه من تحدياتٍ على أمن الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد. وتوازيًا، دعا وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، إلى تأسيس منظومةٍ أمنيةٍ إقليميةٍ جديدةٍ تضمّ دول مجلس التعاون الخليجي الست والعراق وإيران، تقوم على ميثاقٍ جماعيٍّ لعدم الاعتداء، وتنهي عقودًا من الاعتماد على القوى الخارجية في إدارة أمن المنطقة. وحذّر من أن استمرار استبعاد طهران من الترتيبات الأمنية أسهم في تكريس عدم الاستقرار وتصاعد النزاعات. وفيما أعلن البوسعيدي توصّل المحادثات العُمانية الإيرانية إلى الخطوط العريضة لترتيبٍ مؤقتٍ يهدف إلى ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هُرمز، أقرّ بأن تنفيذ هذا الترتيب لا يزال يواجه عقباتٍ سياسيةً تستدعي تقديم تنازلاتٍ متبادلةٍ من طهران وواشنطن.
ويفتح كلام المسؤول العُماني الباب واسعًا أمام تغييراتٍ يمكن أن تطرأ على المشهد العربي العام في حال التطبيق، خصوصًا بعد اقتناع دول الخليج بأنه لا يمكن الاعتماد بشكلٍ كليٍّ وشاملٍ على "الحليف" الأميركي، بعد الأحداث الأخيرة وتردّد واشنطن في تقديم المساعدة والتمسك بمصالحها على حساب شراكاتها الإقليمية. وتمرّ إدارة ترامب بمرحلةٍ "عصيبةٍ"، ما ستوضحه أيضًا انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المتوقعة بداية الأسبوع المقبل، مع ارتفاع الانتقادات لأداء وزرائه بسبب عدم القدرة على إبرام تسويةٍ مع إيران، والحدّ من ارتفاع الأسعار. لكن الأخير لا يُغيّر أسلوبه، بل "يصول ويجول" في جولاته الانتخابية، مطلقًا العنان لمواقفه التي يُكرّر فيها الكلام عينه من دون أيّ جديدٍ يُذكر. وفي آخر تصريحاته المنشورة أمس الاثنين، قال: "نسيطر بالكامل على الوضع في مضيق هُرمز، ونُخرج منه نفطًا أكثر ممّا كان يمرّ عبره قبل الحرب"، واصفًا الحصار البحري على إيران بـ"غير المسبوق، الذي لم يشهد العالم مثيلًا له". كما وضع النظام في إيران أمام خياراتٍ واضحةٍ، فإما اتفاق أو عودة الحرب. وهو تمامًا ما يتفق مع ما نشرته شبكة "سي إن إن"، التي أفادت بأن القوات الأميركيّة في الشرق الأوسط مستعدةٌ لشنّ هجماتٍ جديدة واسعة النطاق على إيران، خلال 96 ساعة من تلقيها أمرًا من ترامب، موضحةً أن نطاق العمليات العسكرية الجديدة قد يتجاوز الضربات المحدودة التي تستهدف الرادارات ومنصات الإطلاق والمنشآت الإيرانية التي يمكن إعادة تأهيلها سريعًا. ووفقًا لمصادر أميركية واسرائيلية مشتركة، يضغط نتنياهو من أجل شنّ هجماتٍ جديدةٍ على إيران، ويسعى إلى إقناع ساكن "البيت الأبيض" بأهمية ذلك، لكن ترامب "لم يمنحه الضوء الأخضر" بعد.
بدورها، ذكرت صحيفة "بوليتيكو" أن عددًا كبيرًا من الإيرانيين يستعدّون لاحتمال عودة الحرب الشاملة، في ظلّ تصعيد القادة الإسرائيليين والأميركيين تهديداتهم قبيل الانتخابات، واستمرار القيادة الإيرانية في التمسّك بمواقفها، على الرغم من الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحصار الخانق والعقوبات. وتضع هذه الضغوط الشعب الإيراني أمام خياراتٍ جديدةٍ، في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية. وفي موازاة ذلك، تتّجه الدولة نحو مزيدٍ من العسكرة، مع اتساع نفوذ "الحرس الثوري" وتعاظم سيطرته، وسط تباينٍ في الآراء بين من يدعو إلى التوصل إلى تسويةٍ دائمةٍ مع الولايات المتحدة لإنقاذ الاقتصاد، ومن يرفض تقديم أيّ تنازلاتٍ، معتبرًا أن الوقائع الراهنة تصبّ في مصلحة نظام "الجمهورية الإسلامية". ويستندُ هؤلاء في "تشدّدهم" إلى مسار الحرب المتأرجح بين اللاحرب واللاسلم، وصعوبة عودة الأوضاع في مضيق هُرمز إلى ما كانت عليه سابقًا، فضلًا عن الدور الذي تؤديه "أذرع إيران" في مساندتها وفتح جبهاتٍ جديدة. ويشكّل دخول الحوثيين مؤخرًا معترك الحرب دليلًا على أن طهران لا تزال تمتلك "أوراقًا خفية" يمكن تحريكها عند الحاجة، واستخدامها على طاولة أيّ مفاوضاتٍ قد تُعقَد في المستقبل القريب. وتحتفظ إيران بورقتَي الممرّات المائية و"الوكلاء" بهدف تحقيق مكاسب "استراتيجية"، فيما تعيش الدول المعنية تحت وطأة القتال المحتدم واشتداد المعارك وتدهور الأوضاع الإنسانية. وفي جديد الأوضاع في اليمن، لا تزال الهجمات مستمرةً بوتيرتها المعتادة على جبهات مدينة تعز، وسط قصفٍ حوثيٍّ متواصلٍ للمناطق السكنية وتشديد الحصار. وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 753 عملية استهدافٍ دقيقة ومباشرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية "فجر اليمن"، استهدفت القدرات العسكرية للحوثيين، وفق ما أورده المتحدث الرسمي، العقيد الركن ماجد النزيلي.
هذا ويتردى الواقع المُعاش، إذ تقول "الشبكة اليمنية للحقوق والحريات" إن القيود المفروضة على الحركة والإمدادات تعرقل وصول المرضى والجرحى إلى المستشفيات، وتحدّ من قدرة المرافق الصحية على مواصلة العمل، في ظلّ نقص الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية. كما وثّقت 42 جريمةً وانتهاكاً قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز، خلال الساعات الماضية، بالتزامن مع إطلاق نحو 369 مقذوفًا على مناطق سكنية، ما أسفر عن مقتل مدنيين عُزل. في المقابل، خرج المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، ليتمسّك بمطالب الجماعة، مهددًا بالمزيد من العمليات مع إعلانه إسقاط طائرة استطلاعٍ مُسلحةٍ من طراز "وينغ لونغ 2"، قائلًا إنها تابعة للسعودية، التي اتهمها بشنّ 56 غارة جوية استهدفت محافظات حجة ولحج وعمران وصعدة والجوف وتعز وإب. بدوره، أشار المتحدث باسم "تحالف دعم الشرعية في اليمن"، اللواء الركن تركي المالكي، إلى تنفيذ عمليةٍ عسكريةٍ نوعيةٍ ضد الميليشيا الحوثية "بهدف تحييد مصادر التهديد، بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية"، كاشفًا عن أنها "شملت تحييد أهدافٍ عسكرية مشروعة في مناطق سيطرة الحوثيين، من ضمنها تدمير خمسة أنفاق لتخزين الصواريخ الباليستية، وأربع منصاتٍ لإطلاق الصواريخ". وكان المتحدث قال، في وقتٍ سابقٍ، إن الدفاعات الجوية اعترضت ودمرت صاروخًا باليستيًا أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض. وفي السياسة، تتحرّك السعودية على اتجاهات عدة لصون أمنها وسيادتها، في حين حسم البرلمان المصري قراره لجهة تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ كلّ ما يلزم لدعم المملكة ومساندتها عسكريًا. وكان السيسي طلب من البرلمان، الأسبوع الماضي، الموافقة على الدفاع عن السعودية إذا طلبت المساعدة، في ظلّ تعرّضها لهجماتٍ من الحوثيين واستهداف مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يمثّل بوابةً تؤدي إلى قناة السويس.
تعثر المفاوضات وإتساع المطالب الإيرانيّة التي لم تعد مقتصرة على الملف النووي، وإنما تشمل الإفراج عن الأصول المجمدة، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ووقف الهجمات على الأراضي الإيرانية، ورفع الحصار البحري تُزيد الأمور تعقيدًا وترخي بظلالها على الملفات الآخرى، لاسيّما في لبنان، الذي يعاني من استمرار الانتهاكات الاسرائيليّة وفشل المفاوضات بالتوصل إلى إلزام الاحتلال بتطبيق بنود "اتفاق الإطار". فيما تبدو الأمور مرهونة بتطورات المشهد في إيران، خاصة أن "حزب الله" الذي نُقل عنه بأنه لن يُسارع إلى "نصرة طهران" وفتح حرب إسناد جديدة، لا يبدو "مقنعًا"، خاصة أن القرار ليس بيده، مما يمكن أن يعطي الإحتلال المزيد من الذرائع لتنفيذ عمليات عسكرية موسعة تؤدي إلى التدمير الواسع النطاق وتهجير مُكثف للمناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني والعودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية بشدة. في الأثناء، نقلت وكالة "رويترز" معلومات مفادها أن الحزب يستعد للانخراط في الحرب، بتمويل من إيران، مما يناقض تسريبات المسؤولين في "حزب الله". وبحسب مصادر الوكالة عينها، فإن الحزب تلقّى عشرات ملايين الدولارات من طهران، وعمل خلال الأشهر الماضية على ترميم بنيته القياديّة والعسكريّة وتعزيز قدراته، بعد الخسائر التي تعرّض لها في المواجهات السابقة. وأيًا تكن الظروف، فإن لبنان يحتاج إلى الحياد والنأي بنفسه تمامًا كما نصائح الوفود العربية والدولية التي كثفت زياراتها إلى لبنان، مؤكدة أن خيار الجيش والقوى الأمنية الشرعية يبقى الأمثل إلى جانب ضرورة الانسحاب الاسرائيلي وإطلاق باكورة إعادة الإعمار. ومخاطر العدو وتهديداته اليومية بالبقاء لفترات طويلة في المناطق التي احتلها يوازيه، على المقلب الآخر، الهم الداخلي اليومي بعد الكشف عن شحنة متفجرات "ضهر البيدر"، والتي تبنى الحزب علنية محتوياتها وطالب بإستعادتها. وفي آخر التفاصيل المتعلقة بهذا الملف، كشفت تحقيقات شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي معطياتٍ جديدة، حيث أظهر تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة أن سيّارة "دودج" التي كانت تنقل متفجرات من نوعَي "C4" و"TNT"، كانت تسبقها سيارة أخرى تتولى استطلاع الطريق ورصد الحواجز ولدى توقيف الشحنة، فرّ ركاب السيارة المواكبة باتجاه بيروت، فيما تمكّنت شعبة المعلومات من تحديد هوياتهم ومواصفات سيّارتهم ولوحاتها.
ويرفض لبنان الرسمي توريطه مجددًا في حروب ذات امتدادات خارجية كما يبقي "عينًا" على الداخل وسط مخاوف من إشكالات أهلية يستثمر فيها البعض لأهداف واضحة الغايات. وهذه المخاوف عينها "أطلت برأسها" في الأردن بعد جريمة الكرك الإرهابية وإعلان عمان توقيف الجناة بعد عملية رصد ومتابعة دقيقة. ولكن ما حصل مساء أمس يُعيد خلط الأوراق حيث شنّ سلاح الجو الأردني هجمات على ما قال إنها "تنظيمات إرهابية" تتمركز في الجنوب السوري، واضعًا إياها في إطار عملية "الإنتقام لشهداء كنيسة الكرك". ولكن دمشق التي نفت التنسيق معها والتشاور في هذه الضربات أعلنت، في بيان حول الواقعة إن الجهات المعنية، "تتابع باهتمام بالغ التطورات الميدانية في الجنوب السوري إثر الغارات التي نفذها سلاح الجو الأردني قبل قليل، والتي أدت لوقوع شهداء وجرحى بينهم مدنيون وأطفال، وتؤكد أن هذه العملية العسكرية لم يجرِ أي تنسيق بشأنها مع الجانب السوري مسبقًا". وفي سياق ذات صلّة، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية عن إغلاق منفذ نصيب الحدودي مع الأردن، اليوم، وذلك "بسبب الظروف الحالية ونظرًا للأوضاع الراهنة والتطورات الميدانية في محافظة درعا". وتحاول سوريا طي صفحة الماضي والضرب بيد من حديد بالتوازي مع محاسبة فلول النظام السابق ومعاقبتهم، حيث أعلنت وزارة الداخلية القبض على 15 شخصًا من الضباط والمسؤولين السابقين، خلال عمليات نفذتها قيادة الأمن الداخلي في مدينة حمص، في حين قال المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي، إن من أبرز الموقوفين العقيد في "الفرع 105" يحيى الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسـد.
في الأحداث العربية الأخرى، قضت محكمة الجنايات الكويتية، ممثلة بدائرة أمن الدولة، الاثنين، بإعدام 3 متهمين وحبس 8 آخرين لمدة 5 سنوات، في قضية تتعلق بالتخابر مع إيران و"حزب الله"، والتخطيط لاغتيال النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الكويتي الشيخ فهد اليوسف، إلى جانب شخصيات وقيادات في الدولة. أما في العراق، فقد أنهى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تكليف حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات الوطني، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية، من دون تقديم مزيد من التفاصيل. وسيتولى الزيدي بنفسه إدارة جهاز المخابرات مؤقتًا إلى حين تكليف مدير جديد. ويفتح هذا التغيير الباب أمام أسئلة حول الأسباب خاصة بظل ما تمرّ به بغداد اليوم من ظروف يمكن وصفها بـ"الدقيقة" نتيجة تطورات المشهد الإيراني وعدم قدرتها على ايجاد حل لمعضلة السلاح غير الشرعي مع تمسك الفصائل المسلّحة بشروطها. وفي الشأن الفلسطيني، اتهمت لجنة تحقيق دولية مكلفة من الأمم المتحدة، تل أبيب، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، من بينها جريمة "الإبادة"، وبمواصلة تنفيذ إبادة جماعية في قطاع غزّة.
أما دوليًا، فقد قال الرئيس ترامب إن الانتخابات الرئاسية في البرازيل، التي فاز بها الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، كانت "مزورة"، من دون تقديم أي دليل يدعم اتهامه، في حين أعلن المرشح اليميني فلافيو بولسونارو رفضه الاعتراف بالهزيمة ومطالبته بإلغاء نتائج الاقتراع. ويأتي هذا في وقت لا تزال تحاول فرنسا لملمة تداعيات التظاهرات الشعبية، إذ أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو سيعلن "إجراءات قوية" لتهدئة الاحتجاجات في البلاد، لكنه أشار إلى أن عطلة نهاية الأسبوع المقبلة قد تحمل معها خطر المزيد من الاضطرابات.
الأوضاع الاقليمية وما يرافقها من انعكاسات كانت محور اهتمام الصحافة العربية، التي تناولت العناوين التالية:
اعتبرت صحيفة "الراي" الكويتية أنه "ليست مشاركة وزير الدفاع السعودي صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان، في اجتماعات طهران مع مسؤولين إيرانيين ضمن أعضاء اتفاقية مكة للدفاع المشترك مجرد حراك دبلوماسي لاحتواء التوتر، بل قد تكون مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: ماذا لو وضعت المطالب الأمنية والسياسية لدول الجوار بصفة خاصة والدول العربية بشكل عام بوضوح أمام إيران، وقررت طهران التعامل معها بإيجابية ومسؤولية؟". وأردفت قائلة "حينها لن تكون الخاسر الأكبر كما قد يتصور البعض، بل ربما تكون أول الرابحين. فإيران التي تختار التنمية على الاستنزاف، والازدهار على العزلة، والشراكة على المغامرة، تستطيع أن تفتح صفحة جديدة مع الخليج، عنوانها المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي، والتعاون الأمني، وحسن الجوار. كما أن شعوب المنطقة، العربية والإيرانية على السواء ستجني ثمار التحول من مناخ الشك والصراع إلى فضاء الثقة والاستقرار".
في الإطار نفسه، رأت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "الحوثي يعيش في أفق مسدود منذ انقلابه على الشرعية، وقراره الانفراد بحكم اليمن، وهو قرار فشل في اكتساب الشرعية الدولية والإقليمية، فبات يعيش في عزلة تامة يناصب مخالفيه العداء في الداخل والخارج، وطوال سنوات العزلة لم يحقق الحوثي أي مكاسب تنموية أو اقتصادية تعزز رفاهية الحياة الاجتماعية، لم يقدم لليمنيين سوى الشعارات بدل الخبز، والموت بدل الحياة، والبؤس بدل الرفاهية". وقالت "كان بإمكانه أن يقبل علاقة الشراكة مع شركائه في الوطن، وجيرانه في الخارج، ليسهم في تحقيق مسيرة تنموية لطالما تطلع إليها الشعب اليمني، بعد عقود من الصراعات والتجاذبات والانقلابات، لكنه بدلاً من ذلك اختار إقصاء الداخل ومعاداة الخارج، فأقام في عزلته حارمًا اليمن واليمنيين من شراكات التنمية والاستقرار والرخاء، وليته فعل ذلك إيماناً بمشروع داخلي يؤمن به حتى وإن كان خاطئاً، لكنه ارتهن باليمن واليمنيين لمشروع خارجي لا ناقة لليمنيين فيه ولا جمل، يدفعون ثمناً باهظاً له من أرواحهم ودمائهم وحالة معيشتهم".
صحيفة "الأهرام" المصرية، تحدثت عن موضوع آخر، موضحة أنه "سيصوت الإسرائيليون اليوم لنتنياهو على "مجمل أعماله". فإما يمنحونه جائزة "انجاز العمر"، وإما سيغلقون صفحته، باعتبار أنه لا يستحق جائزة من أ نوع على ما تسبب فيه للإسرائيليين خلال سنوات حكمه. الأرجح أن "مجمل الأعمال" سيكون حاضرًا في تصويت الإسرائيليين اليوم، ما يعني أنهم ربما يمنحون نتنياهو الجائزة ويفسحون له الطريق للاستمرار في السلطة. لا تعطيه الاستطلاعات هو وحزبه تفوقا، وفي أحسن الأحوال فإن معسكره اليميني يكاد يتعادل مع معسكر المعارضة. هذا الوضع ليس غريبا على نتنياهو، فكثيرا من المرات التي شكل فيها الحكومة لم يكن وضعه في الاستطلاعات أفضل مما هو عليه اليوم". وأضافت "يعرف نتنياهو جيدا أنه كما يحتاج البقاء في السلطة فإن السلطة نفسها تحتاج إليه، فليس لديها البديل الكامل والجاهز ليحل محله، وحتى إن حل أحد محله فإنه لا يملك خروجا عن نهج نتنياهو، الذي لم يعد شخصا يحكم بل أصبح فلسفة تحوز تأييد الإسرائيليين بمختلف انتماءاتهم. لقد استطاع عبر سنوات طويلة إقناع/إيهام الإسرائيليين أنه شخصيا وفلسفته هما الأجدر على حماية إسرائيل والمضي بها للأمام، وأن الصعاب والمخاطر التي واجهتها تل أبيب ما كان لها أن تمر منها بهذا الشكل لولا وجوده في السلطة"، بحسب تعبيرها.
(رصد "عروبة 22")

