في آخر سنتين، لم تكن سوريا والعراق بلدين متجاورين فحسب، حيث شكلت العلاقات البينية "ترمومتراً" واضحاً على التحولات التي جرت في المنطقة؛ التعاون الأمني المتمثل بضبط الحدود وتفكيك بقايا خلايا داعش، ومكافحة التهريب أعطى دلالات واضحة على تغيرات في المنطقة. وبينما عملت سوريا على ضبط الكتائب العسكرية في جيش سوري جديد: يعمل العراق على تفكيك الفصائل العسكرية الخارجة عن السيطرة المركزية والمتمثلة بالحشد الشعبي ونزع سلاحها. هي قضايا لا يمكن النظر إليها على أنها مسائل محلية فحسب، بل تتعدى ما هو محلي إلى ما هو إقليمي، وإلى رغبة دولية بإرساء الأمن في عموم المنطقة وصياغة “المحور المستقر”.
إن البراغماتية التي تنتهجها الحكومتين السورية والعراقية في تنسيق العلاقات البينية تجعل من تكامل ملفات الطاقة وإعادة فتح خطوط الترانزيت واستعادة دور الرئة الاقتصادية المتبادلة حجر زاوية لتشكيل علاقات تجارية جديدة في المنطقة يستفيد منها الجميع. وما زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق بتاريخ 28 تشرين الأول 2026 إلا استمرارا للبراغماتية السياسية التي ترتب الأدوار وتطور الأهداف.
وبتقديري، فإن الزيدي اليوم ينقل العلاقات السورية – العراقية من مرحلة التنسيق الأمني إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي والمصالح المتبادلة، لذا فإن الزيارة لن تكون حدثاً عادياً في تاريخ الزيارات السياسية. مضى عدة أشهر على بدء حركة الصهاريج العراقية نحو السواحل السورية كبديل عن أماكن القلق في مضيق هرمز، وينتقل يومياً قرابة 1000 إلى 1500 صهريج عراقي محمل بزيت الوقود عبر الأراضي السورية حاملة قرابة ربع مليون برميل، كما تنتقل قرابة 800 شاحنة كل يوم بين سورية والعراق وبالعكس، وهي أرقام يقول المسؤولون أنهم يسعون لتطويرها لتصبح 5000 صهريج من النفط الخام أو ما يساوي حوالي مليون برميل من النفط يعبر يومياً على ظهر الصهاريج نحو السواحل السورية، وهو أمر ممكن من الناحية العملية.
كذلك فإن حركة الشاحنات يمكن أن تتطور بتطور التجارة البينية التي تتعلق بقطاعات غير حكومية بالمجمل، مثل إنشاء مصانع جديدة وتنشيط العلاقات بين التجار عبر معارض واجتماعات، وتشكيل المجلس العراقي السوري لرجال الأعمال، وسوى ذلك من قضايا يتوقع أن يتفق عليها في لقاء الزيدي والشرع. وهذه العلاقات بين التجار تمهد بطبيعة الحال لاستعادة البعد الاجتماعي بين كل من سوريا والعراق، حيث لا يمكن أن نستبعد أهمية الثقة والتوافق الاجتماعي بين التجار في تحسين العلاقات.
في نفس السياق، يأتي ملف أنابيب الطاقة القادمة من العراق على رأس أولويات الطرفين، لقد تم توقيع مذكرة تفاهم لصيانة الأنابيب وتشغيلها، ويتوقع أن يبدأ تشغيل خط كركوك -بانياس مع مطلع عام 2028 بضخ تجريبي يصل إلى نصف مليون برميل وصولاً إلى مليون برميل في وقت لاحق. وأيضاً فإن خط البصرة – بانياس هو المشروع الاستراتيجي الأبرز بين البلدين في مجال النفط حيث يتوقع أن ينقل الخط ما يصل إلى مليوني برميل يومياً وبكلفة تقديرية حوالي 15 مليار مع بدء التشغيل في عام 2030 على أبعد تقدير، وهذه مشاريع ستحدث فارقا في جغرافية المنطقة لو تم تشغيلها.
وفي الوقت الراهن، قد لا تمتلك سوريا الكثير من أجل حل مشكلة العراق في مجال الكهرباء، ولكنها تمتلك فرصا تتعلق بالربط الكهربائي لتغذي العراق بقرابة نصف غيغا مستفيدة من الغاز الأذري والغاز القادم من خط الغاز العربي نحو سوريا. يمتلك البلدان كذلك مصيراً مشتركاً في مجال المياه، حيث المشاركة في دجلة والفرات لمواجهة المخاطر المائية من جهة ولتعزيز السلة الزراعية من جهة أخرى، وهي مسألة يتوقع أن تأتي في صلب عمل اللجان التقنية التي ستتابع قمة الزيدي – الشرع.
في الحقيقة، لا يمكن النظر إلى ملف تطور العلاقات بين سوريا والعراق بمعزل عن تقييم ما يجري في عموم المنطقة والعالم، فالتوجهات الدولية الراهنة تشير إلى ضرورة وجود تكتلات تعاونية إقليمية تتجنب الطرق البعيدة للإمداد وتقلل من التهديدات الناتجة عن الصراعات الدولية، لذا فإن الشرق الأوسط يستعد لمرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً بين دوله، وتطور العلاقات بين سوريا والعراق هو جزء من هذا التحول من غير شك.
(الثورة السورية)

