تتصاعدُ التوترات بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع استمرار المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب، والتوصل إلى تسويةٍ قبل استئناف الهجمات العسكرية، ودخول المنطقة في مواجهةٍ جديدةٍ من شأنها تكريس المزيد من الانقسام والتسبب بخسائر جسيمةٍ على كافة المستويات. وهذا "الهمّ" هو ما يدفع الوسطاء، وتحديدًا قطر، إلى مواصلة التمسك بالحلول الدبلوماسية، ودعم المفاوضات باعتبارها السبيل لتجنب تمدّد رقعة القتال وخروج الأمور عن السيطرة، في ظلّ تعدّد الجبهات ورفع الأطراف المتنازعة سقف تهديداتها. فيما أفادت مصادرٌ قريبةٌ من جهود الوساطة لموقع "العربي الجديد" بحدوث اختراقٍ في المفاوضات، موضحةً أن وفدًا أميركيًا سيعقِد مناقشاتٍ مع الوفد الإيراني في الدوحة، ما يُمهّد لإعلان العودة إلى المسار التفاوضي بين الجانبين، بعد الاتفاق على إجراءاتٍ أوليةٍ تخصّ الملف النووي والملاحة في هُرمز مقابل تقديم حوافز ماليةٍ لإيران، فيما ستكون الصين وروسيا ضامنتين للاتفاق.
وفي حين لم يجري التوصل إلى اتفاقٍ نهائيٍّ، فإن العودة إلى الحوار قد تسهم في تبديد "الغيوم الملبّدة" وتأجيل الحرب أو منع استئنافها، ما سيكون محلّ مراقبةٍ خلال الأيام المقبلة، التي تُعدّ فاصلةً على طريق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ويخوض الرئيس دونالد ترامب وإدارته هذه الانتخابات وسط انتقاداتٍ وتصاعد السخط، بسبب الكلفة المرتفعة للقتال وارتفاع أسعار الوقود. وتحدّث وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عن عدم اتخاذ أيّ قرارٍ بتوجيه ضرباتٍ جديدةٍ إلى إيران، على الرغم من تأكيده إمكانية "تحقيق الأهداف العسكرية في حال سعينا إلى ذلك". أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المأزوم بعد نتائج انتخابات الكنيست التي لم تمكّنه من تشكيل حكومةٍ بسبب عدم حصوله على الغالبية البرلمانية، فيبدو متطلعًا إلى عودة القتال. فذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن تلّ أبيب أكملت استعداداتها لاستئناف الهجمات على إيران، مشيرةً إلى أن هذا القرار لا يزال في يد ترامب، الذي يملك خياراتٍ تتراوح بين التوصل إلى اتفاقٍ أو توجيه ضرباتٍ حاسمةٍ بالتنسيق مع إسرائيل. وبحسب الصحيفة عينها، لم تقتصر الاستعدادات الإسرائيلية على وضع الخطط النظرية، إذ نفّذ سلاح الجو طلعاتٍ جويةٍ شاركت فيها عشرات المقاتلات وطائرات التزوّد بالوقود، عبر الأجواء السورية والعراقية وصولًا إلى محيط الحدود الإيرانية، في تدريباتٍ تحاكي مساراتٍ محتملةٍ لتنفيذ هجوم، لافتةً إلى أن هذه التدريبات تكرّرت مرارًا. ويأتي "جرس الإنذار" الذي يُقرع، على وقع تقارير موثقةٍ تفيد بوصول عشر طائرات نقلٍ عسكريةٍ أميركيةٍ، خلال الأيام الماضية، إلى قواعد سلاح الجو الإسرائيلي، في إطار جسرٍ جويٍّ لنقل المعدات العسكرية، ما يضفي بُعدًا عمليًا على التهديدات.
ومن هنا، تبدو المنطقة مترنّحة بين احتمالين، إما الخروج من حالة الـ"لا حرب ولا سلم"، وإما الانزلاق نحو مزيدٍ من التصعيد، الذي قد يعجز الجميع عن إخماد نيرانه، لا سيّما أن طهران تتوعّد هذه المرة بحربٍ أشدّ قسوةٍ وردٍّ أكثر عنفًا. وضمن هذا السياق، ذكر الموقع الرسمي للمرشد، مجتبى خامنئي، أنه التقى كبار قادة القوات المسلّحة، موجهًا بأن يُوَاجَه كل مستوىً من مستويات التهديد، أيًا كان نوعه، بردٍّ فوريٍّ وفاعلٍ ومن دون أيّ قيودٍ جغرافية. وقال إنه "إذا ما استأنف الأعداء هجماتهم العسكرية أو الإرهابية مجددًا، فإن الجمهورية الإسلامية والشعب الإيرانيّ هما من سيحددان زمان انتهاء تلك الهجمات وظروفها". وأفاد الموقع عينه بأنه، خلال اللقاء، قدّم كلٌّ من رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، اللواء علي عبد اللهي، والقائد العام للجيش، اللواء أمير حاتمي، والقائد العام لحرس الثورة الإسلامية، اللواء أحمد وحيدي، تقارير تناولت مستوى الجاهزية والاستعداد لدى المدافعين عن البلاد على سواحل الخليج، وفي مناطق العمليات في مضيق هُرمز وبحر عُمان، وعلى الحدود الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية للبلاد. والكشف عن مثل هذا اللقاء يدخل في إطار تأكيد إيران أنها "لن تقف مكتوفة الأيدي"، وأن الحرب، على الرغم من ضراوتها، لم تُسهم في تغيير قناعاتها وتمسّكها بشروطها، وهو كلامٌ أكده الأمين العام لمجلس الأمن القومي، محسن رضائي، الذي شدّد على أن بلاده تتصرف بعقلانية، لكنها تسعى إلى تحقيق "الردع" لكي لا تجرؤ أيّ دولةٍ على الاعتداء عليها. وفيما اعتبر أن إيران تتمتع بحضورٍ قويٍّ في مضيق هُرمز، كرّر القول إن الأمن في هذا الممرّ الحيوي "جزءٌ لا يتجزأ من أمن طهران القومي، وأنه لا يمكن لأي طرفٍ عاقلٍ التساهل في هذا الملف". وفي ما يتعلق بالجهود الديبلوماسية، أشار رضائي إلى "تغيير لهجة" الولايات المتحدة، مستشهدًا برسالة نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، التي قال إنه "قرأها لكنه لم يردّ عليها"، معتبرًا ما ورد فيها تأكيد "ترسيخ طهران لانتصارها".
وجاءت تصريحات رضائي بعد انتشار معلوماتٍ، خلال الأسبوع الماضي، مفادها بأن فانس بعث رسالةً إلى رضائي بتوجيهٍ من ترامب، في محاولةٍ لإحياء المفاوضات مع "الحلقة المقرّبة" من خامنئي، وتجنّب ضرباتٍ أميركيةٍ إضافية. في المقابل، قدّم وزير الخارجية، عباس عراقجي، معلوماتٍ مختلفةً، فلفت إلى أن بلاده درست رسالة فانس "بدقة"، وناقشتها في اجتماعاتٍ رفيعة المستوى، واضعًا إياها في إطار "محاولة واشنطن فتح بابٍ أوسع للحوار والتفاهم، بما يُمثّل خطوةً إيجابيةً يمكن البناء عليها". لكنه نفى وجود خططٍ حاليًا للقاء مسؤولين أميركيين، مشددًا على أن تحديد شكل المفاوضات، مباشرة أو غير مباشرة، مرهونٌ بموافقة واشنطن على الشروط الإيرانية السبعة. ووفق هذه المعطيات، تتوفّر فرصةٌ حقيقيةٌ للتوصل إلى نتيجةٍ، ولنجاح الوسطاء في تقريب وجهات النظر وتحقيق خرقٍ ما، خصوصًا أن العقبات باتت تنحصر في تمسّك طهران بالإفراج عن أصولها المُجمّدة، وحسم مسألة تسليم كمياتٍ من اليورانيوم المخصّب، ورفع الحصار البحري فورًا عن سفنها وموانئها. وأبدت موسكو، في وقتٍ سابقٍ، استعدادها لتأدية دورٍ محوريٍّ في هذا الإطار، مؤكدةً ضرورة إيجاد حلٍّ سياسيٍّ سريعٍ يكفل عودة الأمور إلى نصابها في مضيق هُرمز. أما الدول العربية، وتحديدًا الخليجية، فهي تراقب عن كثب هذه المحادثات ونتائجها، مع دعوتها المتكرّرة للتمسك بالحلول الدبلوماسية لمعالجة التوترات مع النظام الإيراني، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية المشتركة. كما حذّرت من استمرار التهديدات التي تواجه دول المنطقة والممرات البحرية، وما تتركه من تداعياتٍ على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي. وهو كلامٌ أشار إليه الأمين العام لمجلس التعاون، جاسم محمد البديوي، خلال مشاركته في جلسة "مرتكزات الأمن الإقليمي" في البحرين، التي جزم خلالها بأن دول المجلس لم تكن طرفًا في الحرب ولم تسعَ إليها، مؤكدًا استمرار قنوات التواصل مع طهران، على الرغم من التصعيد العسكري الأخير.
بدوره، أعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، عن قلق بلاده البالغ من احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، منبهًا من أن "الجولة المقبلة ستكون أكثر خطورةً وأكثر تدميرًا، ولن تؤدي إلى أيّ نتيجة. علينا استخلاص الدروس من الماضي". وتحمل تحذيرات القاهرة وقلقها المتنامي أكثر من تفسيرٍ، بعد موافقة مجلس النواب المصري، في وقتٍ سابقٍ، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أراضيها، بما يشمل إمكانية إرسال قواتٍ عسكريةٍ مصريةٍ إذا طلبت الرياض. وفي انتظار مسار المفاوضات، الذي تستضيفه الدوحة للتهدئة، لا يفوّت ترامب أيّ فرصةٍ لشنّ المزيد من الهجوم "اللفظي" على طهران، معتبرًا، في آخر تصريحاته، أن بلاده ليست على عجلةٍ من أمرها، بعد أن دمرت قوات النظام الإيراني البحرية والجوية ودفاعاتها المضادة للطائرات وقدراتها النووية، مشيرًا إلى بقاء موقع أو موقعين يتعين التعامل معهما، و"يمكن ضربهما خلال عشر دقائق". كما ذكر أن موقع "جبل الفأس"، من بين المواقع التي يمكن استهدافها بسرعة، مؤكدًا أن إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا، وأنها ترغب في إبرام اتفاقٍ، فيما رفض مناقشة احتمال استئناف الحرب الأسبوع المقبل أمام وسائل الإعلام. ويكثر الأخير من جولاته الانتخابية، مكرّرًا المواقف عينها، وسط احتدام المنافسة على السيطرة على مجلسي الكونغرس، وفي ظلّ مخاوف من رفض إدارته الإقرار بهزيمة الحزب الجمهوري إذا خسروا الاقتراع. ويُنظر إلى السباق الانتخابي، وفق بعض المراقبين، باعتباره حاسمًا لآمال الحزب الديمقراطي في انتزاع السيطرة على مجلس الشيوخ، في تصويت يوم الثلاثاء المقبل، ما سيكون بمثابة اختبارٍ لسياسات ترامب منذ عودته مجددًا إلى البيت الأبيض.
ويعتبر كثيرون أن ترامب يفتقر إلى استراتيجيةٍ واضحةٍ في التعامل مع الملفات، وأنه يُعزّز سلطته ونفوذ عائلته والمقربين منه على حساب مصلحة البلاد، إلى جانب "التخلي" عن دعم الحلفاء وتغيير طريقة التعاطي مع الدول الأوروبية. فحرب أوكرانيا تعتبر خير دليلٍ، إلى جانب غياب واشنطن عن دعم السعودية في الحرب التي تخوضها ضدّ الحوثيين في اليمن، الذين دخلوا إلى ميدان المعركة بإيعازٍ من "الحرس الثوري"، وبهدف استنزاف المملكة وقدراتها الاقتصادية. وتعرف الرياض المآرب والمخاطر المحدقة بها، لكنها مع ذلك تفضل خيار الحوار وتدفع باتجاهه، على الرغم من احتدام المعارك في اليمن، وعجز العملية العسكرية عن تحقيق أهدافها، على الرغم من حصول بعض التقدم. وفي هذا الإطار، أعلن الناطق باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد عبد الله النزيلي، توجيه ضرباتٍ وصفها بالـ"مؤثرة" لتحركات المليشيات الحوثية وتعزيزاتها في تعز، بإسنادٍ جويٍّ ومدفعيٍّ، موضحًا أن هذه الاستهدافات أسهمت في تحقيق تقدّمٍ، والسيطرة على عددٍ من المواقع والهيئات الحاكمة في جبهات الجوف. وأشار إلى أن القوات المسلحة تواصل تنفيذ مهامها ضمن عملية "فجر اليمن"، ونفذت خلال الساعات الماضية 1119 عملية استهدافٍ باستخدام الطيران الحربي والمسيّر ومدفعية الميدان والراجمات. هذا وتتواصل المواجهات بين القوات الشرعية و"أنصار الله" في جبهاتٍ عدة في تعز، أبرزها الأقروض وهيجة العبد، فيما أعلن الحوثيون سيطرتهم على قلعة المقاطرة التاريخية المطلة على أرياف تعز الجنوبية، ومناطق طور الباحة في محافظة لحج الجنوبية، بعد انسحاب القوات الحكومية المرابطة فيها. وتعتبر هذه القلعة واحدةً من أهم القلاع التاريخية في البلاد، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي، وما تضمّه من آثارٍ وحصونٍ قديمة.
ويخوض اليمن معركةً شرسةً لتثبيت سيطرته وحسم المعركة ميدانيًا ورفض عودة الأمور إلى ما كانت عليه، إذ تتحرك في موازاة المعارك العسكرية الخطوات السياسية. وضمن هذا المسار، جدَّدت الحكومة اليمنية، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مطالبتها بدعم مؤسسات الدولة وتمكينها من ممارسة سلطاتها على كامل التراب الوطني، وحماية المواطنين، وتحقيق سلامٍ شاملٍ ومستدامٍ وفق المرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2216. كما حذرت من تفاقم تداعيات الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز، التي يقطنها نحو 4 ملايين نسمة، معلنةً أن استمرار إغلاق الطرق والقصف الذي يستهدف الأحياء السكنية وعرقلة وصول الغذاء والمياه والأدوية والوقود والخدمات الصحية، ينذر بكارثةٍ إنسانيةٍ غير مسبوقة. في موازاة ذلك، أدانت الأمم المتحدة وفاة أحد موظفيها في اليمن أثناء احتجازه لدى الحوثيين منذ عام 2024، وطالبت بإجراء تحقيقٍ في الواقعة "المفجعة". وأكد المفوض السامي، فولكر تورك، أن وفاة محمد الشامي تثير مخاوف عميقةً بشأن سلامة موظفي الأمم المتحدة، والظروف التي يمكن للمنظمة في ظلّها الحفاظ على وجودها ومواصلة عملها. وتترافق هذه الأوضاع المقلقة مع استمرار الهجمات على المملكة واستهداف منشآتها الحيوية والنفطية، إذ أعلن المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أمس السبت، اعتراض الدفاع الجوي وتدمير مسيّرة معادية في منطقة الرياض، بعد ساعاتٍ من اعتراض وتدمير طائرةٍ مسيّرةٍ في المنطقة الشرقية، ومسيّرةٍ في المنطقة الجنوبية أطلقتها الميليشيات الحوثية. وتفتح هذه الجبهة الحرب على مصراعيها لأنها ترتبط بأطرافٍ أخرى، وتحديدًا بأذرع طهران في المنطقة، الذين باتوا أشبه بـ"شوكةٍ" في خاصرة الأوطان وسيادتها.
وكانت بغداد أجّلت موعد حصر السلاح بيد الدولة إلى العام المقبل، بعد تعرّضها لضغوطٍ جسيمةٍ، فيما لبنان لا يزال "مكانك راوح"، يعيش هاجس تجدّد "الحرب الثالثة" مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وتصاعد وتيرتها في الساعات الماضية. إذ شهدت القرى الحدودية سلسلة غاراتٍ وعمليات قصفٍ وتفجيرٍ وتوغلٍ، طالت مناطق عدة، من ضمنها كفرتبنيت وحداثا وبرعشيت والمنصوري وميفدون وبيت ياحون، فيما واصلت قوات الاحتلال استحداث طرقٍ عسكريّةٍ لربط مواقعها في القطاعين الغربي والأوسط، بما ينذر ببقائها لفترةٍ طويلة. وفشلت جميع جولات المفاوضات المباشرة في التوصل إلى اتفاقٍ تلتزم به إسرائيل، في حين لم يُحدّد "الراعي الأميركي" أيّ جلسةٍ جديدةٍ للتباحث على المستويين السياسي أو العسكري، في انتظار اتضاح الصورة في تلّ أبيب. في غضون ذلك، صعّد رئيس حزب "القوات اللبنانيّة"، سمير جعجع، موقفه، معتبرًا أنّ استمرار الوجود العسكري والأمني لـ"حزب الله" يمنع استعادة الاستقرار والدعم السياسي والاقتصادي الخارجي. وإذ ربط معالجة هذا الملف بإمكان انتقال لبنان إلى مرحلةٍ مختلفةٍ، نبّه جعجع من استمرار الحرب بوتيرةٍ منخفضةٍ أو تجدّدها على نطاقٍ أوسع. أما على صعيد تطورات ملف "اليونيفيل"، فبرز موقفٌ ألمانيٌّ بشأن مرحلة ما بعد انتهاء مهام هذه القوة الأممية وفشل التجديد لها بسبب الرفض الأميركي والاسرائيلي. إذ أبدى نائب وزير الدفاع الألماني، نيلس شميد، خلال لقائه وزير الخارجية، يوسف رجي، في المنامة، استعداد بلاده للمشاركة في أيّ قوةٍ قد تُشكّل لتحلّ مكان القوات الدولية. لكن هذا الدعم لا يبدّد الغموض حول دور هذه القوة وتشكيلها والمهام المنوطة بها، في ظلّ تمسّك "حزب الله" بسلاحه، واستمرار تلّ أبيب في سياسة التهجير و"الأرض المحروقة". وكان الوزير رجي حمل معه إلى مؤتمر المنامة رسائل سياسيّة واضحة، بعد أن أكد أن لبنان لن يقبل بأن تُستخدم أراضيه منصةً لتهديد الدول العربية، وأن قرارات حصر السلاح وحظر الأنشطة السعكرية والأمنية للحزب "ليست مجرّد إعلانات نوايا".
إلى ذلك، تبقى الأعين متجهة نحو إسرائيل، وما سيحمله المشهد السياسي هناك، بعد أن تظاهر مئات الإسرائيليين، مساء أمس السبت، وسط تل أبيب، للمطالبة بتشكيل حكومةٍ تضم الأحزاب اليهودية والعربية المعارضة لبنيامين نتنياهو، في ظلّ استمرار المأزق السياسي الذي أفرزته انتخابات الكنيست. من جهتها، قالت صحيفة "فايننشال تايمز"، إن تحول المجتمع الإسرائيلي المتواصل نحو اليمين، إلى جانب التغيرات الديمغرافية وتداعيات هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، جميعها عوامل عقّدت مهمة الإطاحة بنتنياهو أكثر، على الرغم من تراجع عدد مقاعد ائتلافه وفقدانه الغالبية البرلمانية. ويضفي هذا المشهد الشائك المزيد من الهموم على الجانب الفلسطيني، مع استمرار العملية الأمنية في الخليل، على وقع التدمير الممنهج للمنازل بهدف التهجير، في حين يعيش قطاع غزّة وضعًا إنسانيًا متأزّمًا مع اقتراب فصل الشتاء وغياب جميع المستلزمات الضرورية. وفي آخر المعطيات، طلب مجلس السلام التابع لترامب رسميًا من إيطاليا تقديم مستشارين من الشرطة وقوات الإطفاء وسلاح الجندرمة "الكارابينييري"، للمساعدة في تشكيل قوةٍ أمنيةٍ جديدةٍ في القطاع المنكوب، وفقًا لرسائل اطلعت عليها وكالة "بلومبرغ". علمًا بأن هذا المجلس، وعلى الرغم من مرور تسعة أشهر على إطلاقه رسميًا، لم يحقق أيّ تقدمٍ ملموسٍ على الأرض، إذ لم تُشَّكَل قوة للاستقرار أو إقامة إدارة فلسطينية داخل غزّة، كما لم تبدأ أعمال إعادة الإعمار.
ومن غزّة إلى الأوضاع الإقليمية العامة، أفاد الموقع الإخباري الإلكتروني "صومالي لاند اليوم" بوصول السفير الإسرائيلي الأول، مايكل لوتم، إلى هرغيسا، مساء الجمعة، لتقديم أوراق اعتماده للرئيس عبد الرحمن عرو، الذي اعتبر الأمر بمثابة "يوم تاريخي للعلاقات الثنائية". ولم يعلّق الصومال ودول المنطقة على تلك الخطوة الجديدة، التي تأتي لتزيد الطين بلّة، وتكرّس نفوذ تل أبيب في منطقة القرن الأفريقي، خصوصًا على سواحل خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب الاستراتيجي. في إطارٍ آخر، تواصلت الاحتجاجات في دولٍ أوروبيةٍ عدة على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات التعليمية والسياسات الحكومية. وتركزت الاحتجاجات في فرنسا وألمانيا وألبانيا، فيما رفعت السلطات الأمنية في هولندا وإسبانيا وإيطاليا مستوى التأهب، تحسبًا لاتساع نطاق التحركات. أما في ما يرتبط بالحرب الأوكرانية، فشدّد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، على أن هذا القتال "لم يعد قابلًا للاستمرار"، مؤكدًا ضرورة تقديم البلدين "تضحياتٍ كبيرةٍ" للتوصل إلى اتفاقٍ لإنهاء الصراع. وجاء ذلك بالتوازي مع إعلان وزير الخارجية الأميركي أن بلاده تدرس مقترحًا تقدمت به أنقرة بشأن التوصل إلى وقف إطلاق نارٍ جزئي في البحر الأسود، يضمن مرور شحنات الحبوب عبره، في ظلّ تنامي الاهتمام الدولي بهذا الملف.
ملفات المنطقة، من حرب إيران إلى الصراع مع الحوثيين، كانت محور اهتمام الصحافة العربية الصادرة اليوم الأحد، وإليكم أبرز ما ورد فيها:
رأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن ترامب "يحرصُ في كل تصريح بشأن الأزمة، أن يجمع المتناقضات، فهو يهدد بضربات لا تبقي ولا تذر، ثم يتعهد بإنهاء الحرب سريعًا "بطريقة أو بأخرى"، وبمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفي المقابل، فإن طهران لا تريد الحرب أيضًا، لأنها تعرف كلفتها وتخشى تداعياتها على أوضاعها الاقتصادية المتدهورة جراء الحصار الأميركي الخانق والاستنزاف الشامل الذي أصابها منذ بدء الصراع. وبهذا المنطق يمكن فهم أن الوعيد الشديد قد يكون غطاء لرغبة عميقة في التوصل إلى تسوية، ولكن كل طرف يريد أن يرفع صوته عاليًا كي يُسمع بوضوح على طاولة المفاوضات، لا ليستأنف الحرب". وأضافت أنه "إذا كانت إدارة الصراع بين واشنطن وطهران مدروسة وغايتها الجوهرية هي المفاوضات لا المواجهة، فإن زيادة الحشود والتهديد قد يرفع خطر اندلاع مواجهة غير مقصودة بسبب خطأ ميداني أو تدخل طرف ثالث. وقد يكون هذا الخطر الداهم قوة دفع للوسطاء الدوليين والإقليميين لتكثيف قنوات الاتصال السرية وفرض مسارات تهدئة عاجلة تنقذ المنطقة من عواقب غير محمودة، وتمنح فرصًا أخرى للدبلوماسية".
من جانبها، أشارت صحيفة "الغد" الأردنية إلى أن "كل التحشيد العسكري في المنطقة يؤكد سيناريو الحرب، وربما هناك قراءات تحذر من انفجار حرب أوسع بسبب الملف الروسي الأوكراني، قد تجر كل أوروبا إلى حرب واسعة، وهذا قد يفسر الدعوات في أوروبا والولايات المتحدة إلى الاستعداد وتخزين الأدوية والمواد الغذائية، وهذا أسوأ ما تنتظره المنطقة، أي نشوب حرب في سياق متزامن يعيد خلط كل الأوراق". وقالت إنه "لا يمكن أن ننسى هنا السيناريو الأسوأ، أي امتداد نيران الحرب إلى كل دول المنطقة، بسبب وجود عشرات التنظيمات من العراق إلى سورية، ولبنان، واليمن، ودول أخرى، والتي ستكون طرفًا فاعلًا عبر الحدود، أو في الدول التي تبدو فيها مجرد خلايا كامنة حاليًا، وهذا يعني أن التقديرات الأمنية يجب أن تفكر بعمق إزاء كلفة الحرب المقبلة، فهي ليست مجرد ضربات طيران". وخلصت إلى أنه "قد يتولد عنوان آخر منها، أي إشاعة الفوضى داخل الدول ذاتها، أو عبر الحدود، على خلفية اصطفافات الحرب. عندها سندرك أننا لسنا أمام حرب واحدة، بل أمام حربين، تتداخل فيهما كل الشعارات والعناوين والأجندات".
أما صحيفة "الأهرام" المصرية، فلفتت إلى أن "تسعة عشر عامًا جعلت نتنياهو السياسي المحنك الذي يجيد التلاعب بالخصوم ويجيد مفاوضات تشكيل الائتلاف الذي يمنحه الثقة لتشكيل الحكومة. تسعة عشر عامًا جعلت من نتنياهو عنوان السياسة الإسرائيلية، وجعلته الرقم الصعب الذي لا هدف للمعارضة إلا إزاحته من المعادلة، بصرف النظر عن الشخص الآخر الذي يستفيد من تلك الإزاحة". واعتبرت أن "المعارضة الإسرائيلية باتت منشغلة وفقط بكيفية إزاحة شخص نتنياهو أكثر من انشغالها بتقديم الشخص والبرنامج البديل له. بدت المعارضة تلتئم وفقط لإزاحته".
(رصد "عروبة 22")

