الاقتصاد العربي.. وضرورات التكامل

التطوّع العربي: قدرات كبيرة متنوّعة تحتاج إلى التكامل!

كيف نحوّل القدرات على التبرّعات والعمل التطوّعي من مبادرات متفرّقة إلى قوّة عربيّة مشتركة للإغاثة والمساعدة؟ سؤالٌ يفرض نفسه من الخليج العربي إلى المغرب العربي مرورًا ببلدان الأزمات.

التطوّع العربي: قدرات كبيرة متنوّعة تحتاج إلى التكامل!

من أهم مفارقات التضامن العربي هو توفّر موارد للتبرّع والعطاء، مع صعوبة تحويلها إلى موارد متاحة لدعم منظومةٍ عربيّةٍ متكاملةٍ للتضامن في الأزمات. فبينما تتوافر في بعض البلدان موارد ماليّة ومؤسّسات خيريّة قادرة على التمويل، تمتلك بلدانٌ أخرى شبكات اجتماعيّة وجمعيات ومتطوّعين، فيما تواجه مجتمعات عربيّة احتياجات إنسانيّة وتنمويّة مُتزايدة. ومع ذلك، لا تزال الإمكانات المتاحة أكبر من قدرة التعاون العربي المنظّم على استثمارها.

التطوّع العربي في مرآة المؤشّرات الدوليّة

تكشف البيانات المتعلقة بمؤشّرات التطوّع والمشاركة المدنيّة في 11 بلدًا عربيًّا عن رصيدٍ اجتماعيٍّ لافت، إذ تتجاوز المعدّلات العربيّة، وفق البيانات المُعتمدة في هذا المقال، المُعدّلات العالميّة في معظم المؤشّرات المدروسة. فقد بلغ متوسّط الإحساس القوي بالانتماء إلى المجتمع 85.8%، مقابل 66% عالميًّا، ما يعكس أهمّية الروابط الاجتماعيّة في المجتمعات العربيّة.

كما بلغت نسبة مَن يرون أنّ للجمعيات تأثيرًا إيجابيًّا 77.7%، مقارنةً بـ62% عالميًّا. ووصل متوسّط التبرّع العيني إلى 37.9%، مقابل 32% عالميًّا، فيما بلغت نسبة الراغبين في التطوّع 31.1%، وهي نسبة تكاد تطابق المعدل العالمي البالغ 31%. أمّا الثقة في المجتمع المدني، فقد سجّلت متوسطًا قدره 7.75 من 10، مقابل 7 من 10 عالميًّا، في حين بلغت نسبة المتطوّعين 29.3%، مقارنةً بـ24% على المستوى العالمي (2026 The CAF World Giving Report).

تنوّع مصادر القوة الاجتماعية في المنطقة العربية من الثقة والانتماء إلى الاستعداد للتطوّع والتبرّع

ولا تقتصر أهمّية هذه المؤشّرات على المتوسّطات العامّة، بل تمتدّ إلى بروز بعض البلدان العربيّة في مراتب متقدّمة عالميًّا؛ إذ تتصدّر السعوديّة، وِفق البيانات المعتمدة، مؤشّر الإحساس القوي بالانتماء إلى المجتمع، وتحتلّ قطر المرتبة الأولى في الثقة بالمجتمع المدني، فيما تتصدّر الإمارات مؤشّر الرغبة في التطوّع، ويأتي السّودان في المرتبة الثانية عالميًّا من حيث نسبة السكّان المتطوّعين.

وتكشف هذه النتائج عن تنوّع مصادر القوة الاجتماعيّة في المنطقة العربيّة، من الثقة والانتماء إلى الاستعداد للتطوّع والتبرّع، ما يطرح سؤالًا جوهريًّا: كيف يمكن تحويل هذا الرصيد إلى تعاونٍ عربيٍّ منظّم يتجاوز الحدود، ويربط بين الموارد والخبرات المتاحة واحتياجات المجتمعات الأكثر هشاشة؟.

ثلاثة نماذج وموارد قابلة للتكامل

يمكن التمييز، لأغراض التحليل، بين ثلاثة نماذج متداخلة:

- يتمثّل الأول في النموذج الخليجي، حيث توفّر الموارد الماليّة والمؤسّسات الخيريّة فرصًا لتمويل البرامج الإنسانيّة والتنمويّة، ودعم الجمعيّات وتدريب المتطوّعين. ويمكن لهذه الإمكانات أن تسهم في تمويل مشروعات مشتركة تتجاوز الحدود الوطنيّة.

- أمّا النموذج المغاربي، فيجمع بين التبرّعات المباشرة والتضامن المحلّي والجمعيّات والمبادرات الشبابيّة والمؤسّسات الدينيّة. ويمكن أن يُشكّل هذا الرصيد الاجتماعي قاعدةً لتوسيع التطوّع المنظّم وتبادل الخبرات في التعليم والصحّة والتنمية المحليّة.

- ويتمثّل النموذج الثالث في البلدان التي تواجه أزمات ممتدّة، مثل السّودان واليمن وغيرها التي تعاني أزمات اقتصاديّة وسياسيّة. وتحتاج هذه المجتمعات إلى الإغاثة العاجلة، فضلًا عن دعم الخدمات الأساسيّة وإعادة التأهيل وبناء القدرات المحلية.

اختلاف الموارد والاحتياجات يفتح مجالًا للتكامل

لا تعني هذه النماذج أنّ كلّ بلد ينتمي حصريًّا إلى فئة واحدة؛ فالبلدان قد تجمع بين تقديم المساعدة والحاجة إليها. لكن اختلاف الموارد والاحتياجات يفتح مجالًا للتكامل: تمويل، وخبرات، ومتطوّعون، ومؤسّسات قادرة على تنفيذ البرامج ومتابعتها.

من سخاء الأفراد إلى سياسة عربيّة للتكامل

إنّ ارتفاع معدّلات التبرّع في بعض البلدان الخليجيّة لا يعني تلقائيًّا أنّ الأموال تصل إلى المجتمعات العربيّة الأكثر احتياجًا، كما أنّ انتشار التطوّع لا يضمن قدرة الجمعيّات على العمل عبر الحدود. وهنا تظهر الحاجة إلى سياسةٍ عربيّةٍ تُيسّر التعاون بين مؤسّسات المجتمع المدني، بدل الاكتفاء بتشجيع المبادرات الوطنيّة المنفصلة.

التنسيق يحتاج إلى شبكة عربية مرنة تربط المؤسسات القائمة وتتيح لها العمل المشترك

يمكن أن تبدأ هذه السياسة بإنشاء أرضيّة رقميّة عربيّة للجمعيّات والمنظّمات المعتمدة محلّيًا، توضح مجالات تخصّصها وخبراتها وقدراتها التطوّعيّة، وترتبط بخريطة للاحتياجات الإنسانيّة والتنمويّة. ويساعد ذلك على توجيه التمويل إلى البرامج ذات الأولويّة، وتحديد المؤسّسات القادرة على التنفيذ، وتقليل ازدواجيّة التدخلات.

كما يستدعي التكامل تنسيقًا أكبر بين جمعيات الهلال الأحمر، والحركة الكشفيّة العربيّة، والجمعيّات الخيريّة والتنمويّة، والمنظمات الشبابيّة، والمؤسّسات الصوفيّة والمسيحيّة العربيّة. ويمكن لهذه الجهات تطوير برامج مشتركة للإغاثة والتدريب وخدمة الفئات الهشّة، مع احترام استقلاليتها وخصوصيّة المجتمعات التي تعمل فيها.

ويتطلّب ذلك أيضًا تسهيل الإجراءات القانونيّة والإداريّة للتعاون العابر للحدود، وتحويل التبرّعات، وتبادل الخبرات، وانتقال فرق الإغاثة عند الحاجة، ضمن الأطر القانونيّة والوطنيّة. فالتنسيق لا يحتاج بالضرورة إلى إنشاء جهاز مركزيّ ضخم، بل إلى شبكة عربيّة مرنة تربط المؤسّسات القائمة وتتيح لها العمل المشترك.

التضامن العربي المدني استثمار في المستقبل

إنّ البيانات التي ترصد التبرّع والتطوّع تتيح لنا تجاوز صورة العالم العربي باعتباره مجرّد فضاء للاحتياجات والأزمات، وإبراز ما يمتلكه من موارد ماليّة واجتماعيّة وإنسانيّة يمكن تعبئتها بصورة أفضل، لكن الاستفادة من هذه الموارد تتطلّب الانتقال من ثقافة العطاء الفردي إلى مؤسّسات قادرة على تنسيق العطاء، وربط التمويل بالاحتياجات، وتحويل العمل التطوّعي إلى برامج مستدامة.

التحدّي الحقيقي هو بناء المؤسسات والسياسات التي تحوّل التضامن إلى قوة عربية مشتركة

فالتكامل العربي لا يقتصر على التجارة والاستثمار والاتفاقات الحكوميّة؛ بل يمكن أن يبدأ من تعاون المجتمعات المدنيّة أيضًا، ومن قدرة الجمعيّات والمتطوّعين والمؤسّسات الدينيّة والخيريّة على مساعدة بعضهم بعضًا عبر الحدود.

قد يكون العالم العربي أكثر قدرة على التضامن ممّا توحي به صورة أزماته، لكن التحدّي الحقيقي هو بناء المؤسّسات والسياسات التي تحوّل هذا التضامن إلى قوّة عربيّة مشتركة للإغاثة والتنمية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن