كيف يمكن فهم وتفسير التناقض بأن غالبية الشعب الأمريكي انتخبت الرئيس دونالد ترامب بأغلبية كبيرة في نوفمبر 2024، وأعطوا حزبه الجمهورى أغلبية مريحة في مجلسى الكونجرس وقتها، ثم انقلبوا على الرئيس وحزبه في انتخابات الكونجرس، الثلاثاء الماضي، وأعطوا الحزب الديمقراطي المنافس الأغلبية في المجلسين في ضربة موجعة ستجعل ترامب يترنح حتى نهاية حكمه؟
حينما عاد ترامب رئيسا مرة أخرى قبل عامين اعتقد أنه صار مخلدا، وأن الساعة قد تجمدت عند لحظة فوزه بالرئاسة وهيمنة حزبه على المجلسين وأن هذه الشعبية صك مستمر الصلاحية بلا نهاية. مشكلة ترامب أنه لم يقرأ أي كتاب تقريبا في التاريخ، خصوصا ما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكومين، ربما يكون قد قرأ كتبا كثيرة عن "الصفقات الكبرى" بل وألّف كتابا عن "فن الصفقة". لو قرأ ترامب كتب التاريخ الحديث، وسير الشخصيات التاريخية الكبرى لربما تواضع قليلا وغيّر من سلوكه وتصرفاته.
ديفيد جورج لويد الذي قاد بريطانيا في المرحلة الحاسمة من الحرب العالمية الأولى التي انتهت عام 1918، وساهم في رسم النظام الأوروبي بعد الحرب، ورغم ذلك خسر الانتخابات عام 1922. نموذج آخر لكنه مختلف إلى حد وهو الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول الذي قاد فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية وساهم في دحر الاحتلال الألماني وعاد إلى السلطة عام 1958، وأنهى حرب الجزائر عام 1962، لكنه خسر ثقة الفرنسيين الذين رفضوا مقترحه بإصلاح مجلس الشيوخ وإعادة بناء الأقاليم. وقتها ربط استمراره بالموافقة على الاستفتاء، وبعد الرفض استقال في اليوم التالي.
والنموذج الأبرز من بريطانيا، وهو ونستون تشرشل، أحد أشهر رؤساء الوزارات في تاريخ بريطانيا الذي قاد بلاده للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام 1945، وساهم مع أمريكا في تحرير أوروبا من النازي لكنه فشل في الفوز بالانتخابات التي جرت في يوليو 1945 أمام حزب العمال. وتفسير خسارته الغريبة أن الناخب البريطاني انتقل من أولوية الانتصار في الحرب إلى أولوية إعادة إعمار البلاد، وحزب العمال بقيادة كليمنت أتلي قدم برنامجا يتضمن التأمين الصحي والإسكان والتوظيف.
لم يقرأ ترامب نموذجا قريبا في بلاده وهو جورج بوش الأب، الذي قاد التحالف الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991، كما لعب الدور الأكبر في تفكيك الاتحاد السوفييتي ونجح في إعادة توحيد ألمانيا، وارتفعت شعبيته إلى نحو 80٪، لكن في الانتخابات الرئاسية التي تمت في نوفمبر 1992 خسر أمام المرشح الديمقراطي بيل كلينتون. والسبب هو العبارة الأيقونية التي أطلقها كلينتون وقتها، وهى "أنه الاقتصاد يا غبي"، فبوش ورغم انتصاره الخارجي لم يهتم كثيرا بخطورة الركود الاقتصادي وارتفاع معدل البطالة، وزيادة الضرائب.
بالطبع هناك قادة كبار حققوا انتصارات عسكرية وسياسية، وفازوا في الانتخابات التالية، لكن نحن اليوم نناقش قضية أساسية وهي أن الانتصار في معركة عسكرية، أو سياسية والحصول على مكسب انتخابي كبير، لا يعني ضمان هذا النجاح إلى الأبد، فتشرشل الذي كسب الحرب خسر معركة السلام السياسي، وبوش الذي كسب حرب الخليج عجز عن تحويل ذلك إلى رصيد انتخابي مستدام.
الصورة كانت واضحة جدا أمام ترامب لكنه فضّل أن يتجاهلها، فغالبية استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الأخيرة كانت تقول بوضوح إن ثمانية وأحيانا تسعة من بين كل عشرة أمريكيين سيصوتون بناء على الاقتصاد وأحوالهم المعيشية التي تدهورت بصورة حادة بسبب ارتفاع أسعار الوقود بفعل حرب ترامب ضد إيران.
المواطن أو الناخب الأمريكي أو فى معظم دول العالم يشغله أنه حينما يذهب إلى الأسواق أو محطات الوقود يجد أسعارا تناسب دخله، هو لا يهتم كثيرا بأن ترامب منع إيران من امتلاك قنبلة نووية لا توجد دلائل مؤكدة على وجودها أو حتى خطرها. لم يفهم ترامب أن المواطن الذي صوّت له ولحزبه في انتخابات الرئاسة والكونجرس قبل عامين بناء على وعود بتحسين الاقتصاد وعدم التورط في أي حروب قد فقد الثقة في ترامب وحزبه، ولذلك قرر أن يعاقبه بصورة مذلة.
حتى الآن لا يريد ترامب تصديق ما حدث، في حين أن نائبه جي دي فانس فهم ذلك بسرعة، بل ربما قبل وقوع الهزيمة. الدرس المهم مما حدث لترامب وحزبه هو أن ثقة الشعوب في الحكم والنواب وعموم المسؤولين ليست مؤبدة أو مطلقة، بل مرتبطة أساسا بأن تكون أحوالهم المعيشية جيدة، أو على الأقل تستطيع الحكومات أن تقنع شعوبها بالصعوبات التي تواجهها، وأنها رشيدة وجادة في إصلاح الأحوال الصعبة.
(الشروق المصرية)

