وجهات نظر

المفهوم العروبي: المضامين والمساراتالعروبة من منظور فلسفي (2)

من الإشكالات التي شغلت رواد الفكر القومي العربي منذ أربعينيات القرن الماضي: هل العروبة مفهوم مستمد من التقليد والتجربة التاريخية أم هو مقولة نظرية وأيديولوجية جديدة تعبّر عن واقع وتطلعات المجتمعات العربية الحديثة؟

المفهوم العروبي: المضامين والمسارات
العروبة من منظور فلسفي (2)

الواقع، أنّ تحليل الخطاب العروبي يبيّن لنا بوضوح الفرق بين 3 مضامين ومرجعيات مختلفة لمفهوم العروبة:

- المنظور التراثي الذي كان حاسمًا في بناء العروبة من حيث هي حالة ثقافية وتاريخية طبيعية ممتدة، بما نلمسه في التركيز على اعتبارات اللغة والأدب، كما هو واضح منذ بداية تشكّل المشروع القومي العربي لدى الجيل الأول من رواد عصر النهضة العربية، مثل نصيف اليازجي وبطرس البستاني. لم يكن للعروبة بهذا المفهوم أيّ دلالة سياسية أو أيديولوجية لكنها كانت التعبير عن هوية ثقافية وشعورية قوية تتجاوز التاريخ وتؤسّس لواقع حضاري منشود.

- المنظور الحداثي في معانيه التنويرية الخصبة، بتقديم العروبة وعاء لديناميكية تحوّل وتغيير جوهري لوضع المجتمعات العربية على أساس القيم القومية الحديثة بما ترتكز عليه من معاني المواطنة والرابطة المدنية والسيادة الشعبية. وهكذا نلمس هنا المقوّمات الفكرية نفسها لمفهوم القومية في العصور الأوروبية الحديثة بما له من انفصال عن المقاربات الدينية والتراثية للأمة والهوية والدولة. ولا شكّ أنّ كتابات قسطنطين زريق عبّرت أقوى تعبير عن هذا المفهوم الحداثي للعروبة.

- المفهوم الأيديولوجي الثوري للعروبة الذي برز بقوة مع أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي والتجربة الناصرية. لم تعد العروبة محصورة في الهوية الثقافية ولا في الحالة المدنية الحداثية، بل تحوّلت إلى محور الوجود السياسي العربي كما تعبّر عنه أحزاب وتنظيمات تزعم القدرة على التعبير عن الشخصية العربية في وحدتها واتسجامها، ومن ثم تحقيق مشروع الدولة الجامعة والأمة الواحدة .

نحن أمام سياقات مرجعية شديدة التباين (النهضة والتنوير والثورة)

في الحالة الأولى، تمحورت فكرة العروبة حول خطاب النهضة والإصلاح، وفي الحالة الثانية استوعبت قيم التحديث والتنوير، وفي الحالة الثالثة رفعت شعار الثورة والاشتراكية .

نحن هنا أمام سياقات مرجعية شديدة التباين (النهضة والتنوير والثورة)، نادرًا ما يتم التنبه إلى خيوط التمايز والتصادم بينها. بالرجوع إلى التجربة الأوروبية، يظهر أنّ المشروع القومي الأوروبي بدأ ثقافيًا في عصور النهضة منذ القرن الرابع عشر واستند إلى الإرث اليوناني- الروماني، لكن حقبة الحداثة أدت إلى انفصام حركية التنوير الفلسفي التي اتسمت بالكونية الإنسانية وديناميكية البناء القومي التي اتخذت أبعادًا وطنية محلية، بينما عبّرت الثورات السياسية والدستورية عن الأفق الليبرالي الديمقراطي للمجتمعات الأوروبية الحديثة.

مشروع الاندماج الأوروبي هو التعبير عن حالة ما بعد قومية

ولقد عانى الفكر الأوروبي إلى اليوم من جدلية التنوير الكوني والقومية الخصوصية، وبرزت هذه الجدلية في البناء السياسي راهنًا بالسؤال المتزايد حول شروط استمرارية الصياغة التأليفية بين الليبرالية في معاييرها الحقوقية والإنسانية المفتوحة والقومية المحلية التي تختزل المواطنة في حدود الهوية السياسية الضيقة.

في أوروبا كان المدخل إلى تجاوز هذا الانفصام هو مشروع الاندماج الأوروبي الذي هو التعبير عن حالة ما بعد قومية، وإن كان ينظر له عربيًا كنموذج عملي للبناء القومي الناجع. 

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن