قضايا العرب

غياب رئيسي وعبد اللهيان.. هل يُربك مسارات إيران الدولية والإقليمية؟

القاهرة - محمد خيال

المشاركة

ما أن هدأت عاصفة الموت المفاجئ للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان، إثر سقوط مروحية كانت تُقلهما في طريق عودتهما من إذربيجان، حتى توالت التساؤلات بشأن التأثيرات المستقبلية لغياب شخصيتين وازنتين في المشهد السياسي الإيراني على مستوى رسم السياسات العامة، خاصة وأنّ أحدهما كان من المرشحين بقوة لخلافة علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، والثاني كان يوصف بأنه مهندس الدبلوماسية الإيرانية وكان مرشحًا لتولي منصب الرئيس مستقبلًا.

غياب رئيسي وعبد اللهيان..  هل يُربك مسارات إيران الدولية والإقليمية؟

فيما يرى مراقبون أنّ هذا الغياب لن يكون له تأثير فاعل على مسارات السياسة الإيرانية سواء داخليًا أو خارجيًا، في ظل نظام تتراجع فيه أهمية الشخوص أمام منظومة الحكم العامة، يعتقد آخرون أنه رغم بنية نظام الحكم الإيراني إلا أنه لا يمكن إغفال حجم تأثير الفروق الفردية للقيادات، إذ كان رئيسي وعبد اللهيان من الشخصيات الذين يملكون قدرات خاصة مكّنتهم في كثير من المواقف من إعادة ضبط وتوجيه مسارات السياسات الإيرانية.

يعتقد الدكتور أحمد فاروق، خبير الأمن الإقليمي ومستشار المركز الوطني للدراسات، أنّ غياب رئيسي وعبد اللهيان لن يكون له تأثير كبير على شكل علاقات وتوجهات إيران الإقليمية خلال الفترة المقبلة، خصوصًا وأنّ هذا الغياب جاء في وقت تعمل فيه إيران على تخفيض مستويات التوتر مع جيرانها في الإقليم، حتى تتفرغ للصراع الأهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

مسارات في قبضة المرشد

ويوضح الخبير المصري، أنه وفقًا للمعطيات الراهنة، فإنّ المسار الذي اتبعته إيران إبان تواجد رئيسي وعبد اللهيان في منصبيهما بشأن خفض التوتر مع دول الخليج والاتجاه لتطبيع العلاقات مع مصر، سيمضي في طريقه دون توقف، كون ذلك المسار يتربط بتوجّه الدولة نفسها ونظامها الحاكم الذي يمثّله المرشد الأعلى، لافتًا إلى أنّ هذا المسار غير مرتبط بأشخاص.

ويشير فاروق إلى أنّ الملفات الكبرى مثل السياسات المتعلقة بالوضع في فلسطين وسوريا والعراق، وكذلك الملف النووي، تخضع لإشراف مباشر من المرشد الأعلى الذي يملك السلطة الفعلية في البلاد.

الأمر نفسه يؤكد عليه أحمد كامل البحيري، الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إذ يرى أنّ النظام الإيراني مستمر في استراتيجياته الإقليمية سواء بوجود رئيسي وعبد اللهيان أو بدونهما، معتبرًا في الوقت ذاته أنّ التغيّرات فقط قد تكون على مستوى آليات التنفيذ دون مساس بالاستراتيجية العامة.

بمحاذاة ذلك، فإنّ غياب وزير الخارجية عبد اللهيان لن يكون له تأثير كبير على طبيعة العلاقات الخارجية للجمهورية الإسلامية، بخاصة ملف فلسطين ومن قلبه الوضع في قطاع غزّة، فرغم بصمات عبد اللهيان المهمّة في ذلك وتعبيره الجيد عن السياسات الإيرانية طوال الفترة التي أعقبت عملية "طوفان الأقصى"، إلا أنه يظل منفذًا للتوجهات التي يضعها المرشد ومن حوله من الدائرة الضيقة التابعة له.

مؤسسات الدولة العميقة

ثمة سبب رئيسي وراء التقليل من غياب عبد اللهيان على مشهد العلاقات الخارجية لبلاده، فالملفات الرئيسية في سياسات إيران الخارجية، هي بالأساس ملفات أمنية وعسكرية قبل أن تكون شأنًا دبلوماسيًا، ما يعني أنّ صاحب الكلمة العليا في رسم تلك السياسات هي مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها "الحرس الثوري".

وليس من دلالة على عدم التحوّل في سياسة إيران تجاه ملفات الإقليم الأكثر سخونة من الاجتماع الذي ضمّ قادة وممثلين عن فصائل ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، مع كبار القادة الإيرانيين على هامش تشييع جنازة رئيسي. عدة رسائل ودلالات حملها الاجتماع سواء على مستوى القيادات الإيرانية التي شاركت به وعلى رأسهم القائد الأعلى للحرس الثوري حسين سلامي وقائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني، وكذلك على مستوى التوقيت الذي جاء بعد مراسم تشييع جثمان الرئيس الراحل مباشرة.

الاجتماع الذي حضره إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، وممثلون عن حركة "الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الشعبية" لتحرير فلسطين، ونعيم قاسم نائب الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني، ومحمد عبد السلام المتحدث باسم الحوثيين في اليمن إضافة إلى قادة من فصائل المقاومة العراقية، تضمنت مناقشاته تأكيدًا على التزامات ودعم إيران تجاه حلفائها، بحسب ما ورد بتقارير تناولت تفاصيل الاجتماع.

إشارة أخرى لا يمكن إغفالها في هذا الإطار متمثلة في زيارة قائد "فيلق القدس" لمكتب تمثيل حركة "حماس" في طهران عقب الاجتماع بأسبوع واحد، وتأكيده على دعم طهران المقاومة، داعيًا إياها لمواصلة عمليتها.

الخسائر حاضرة رغم عدم تأثير الغياب على ملفات العلاقات الدولية

رغم قناعة محمود شعبان، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، بعدم تأثّر سياسة إيران الخارجية بغياب رئيسي وعبد اللهيان، إلا أنه في الوقت ذاته يرى أنّ هذا الغياب يمثّل خسارة كبيرة للنظام الإيراني، معتبرًا أنّ كافة الخطط في طهران كانت قائمة على استمرار ولاية رئيسي ومعه عبد اللهيان لثماني سنوات أخرى، إذ كان القائمون على النظام الإيراني يهدفون من خلال هذين الوجهين، إلى غسل سمعة المشروع الإيراني في المنطقة، مما تورطت فيه طهران سواء في العراق أو سوريا واليمن.

ويرى شعبان، الذي يرأس تحرير موقع "زاد إيران" الذي يصدر من اسطنبول بتركيا، أنّ عبد اللهيان كان دبلوماسيًا فذًا يملك تاريخًا كبيرًا في الدبلوماسية الإيرانية ويملك ملكات كبيرة، وهو ما يعني أنّ الدبلوماسية الإيرانية خسرت خسارة فادحة بغيابه، بحكم خبراته الواسعة في الشأن العراقي، ودرايته الكبيرة بالحالة العربية كونه من وزراء الخارجية الإيرانيين الذي كانوا يتحدثون العربية بطلاقة ما منحه فرصة أكبر للانفتاح على المجتمع العربي.

خلاصة القول.. لن ترتبك سياسات طهران وتوجهاتها الخارجية كثيرًا بغياب رئيسي وعبد اللهيان، فإيران كغيرها من الدول التي تتحكّم في وضع استراتيجياتها وعلاقاتها الخارجية محددات عقائدية ومصالحية تنفّذها مؤسسات وشخوص، تظل السمات الشخصية هي الواجهة التي تسهّل أو تصعّب تنفيذ تلك المحددات.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن