قضايا العرب

فلسطين إلى محكمة العدل الدولية.. ساحة جديدة لتأكيد الاستقلال والسيادة

القاهرة - محمد بصل

المشاركة

تقدّمت دولة فلسطين بطلب للانضمام إلى جنوب أفريقيا في دعواها ضد إسرائيل لإدانتها بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في غزّة. ويمكن توصيف هذه الخطوة بأنها جريئة استنادًا إلى عدة معطيات سياسية وقانونية، أملًا في تكريس أمر واقع يؤكد الحضور الفلسطيني الرسمي في المحافل الدولية وبالأخص ساحات القضاء الدولي، مما يمثّل هدفًا مهمًا وقيمةً مضافةً لا تخطئها عين في سياق ملاحقة الممارسات الصهيونية، كما تمثّل سابقة فريدة بمواجهة مرتقبة بين الكيان المحتل وأصحاب الأرض والقضية أمام منصّة محكمة العدل الدولية، وذلك لأول مرة في دعوى قضائية وليس في طلب فتوى.

فلسطين إلى محكمة العدل الدولية.. ساحة جديدة لتأكيد الاستقلال والسيادة

سبق أن تقدّمت فلسطين بمرافعات مكتوبة وشفهية في طلبَي إفتاء مهمّين أرسلتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى محكمة العدل الدولية، كان أولهما المتعلق بإنشاء إسرائيل للجدار الفاصل والذي أصدرت المحكمة قرارًا بعدم مشروعيته عام 2004، أما الثاني فلم يُفصل فيه حتى الآن بشأن الآثار القانونية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والقدس الشرقية، واستمعت المحكمة لمرافعات الدول المعنية في فبراير/شباط الماضي.

لكن طلب التدخل هذه المرّة يكتسب أهمية قصوى إذ إنه يُقدّم في منازعة قضائية سيصدر فيها حكم بالإدانة أو البراءة ويُفترض فيه الإلزام، وليس في فتوى قانونية يمكن القول بأنها غير ملزمة. وبالتالي فإنّ قبول تدخل فلسطين في دعوى جنوب أفريقيا سيفتح لها رسميًا ساحة محكمة العدل الدولية مستقبلًا كما حدث في المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت فلسطين دائرة اختصاصها بعد توقيعها على ميثاق روما عام 2015 ثم بصدور قرار المحكمة التاريخي عام 2021 بجواز ممارستها اختصاصها الجنائي في غزّة والضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة.

كما أنّ تدخل فلسطين مع جنوب أفريقيا لم يكن مُرجحًا وفقًا للتوقعات القانونية التقليدية، نظرًا لعدم تمتعها بعضوية كاملة في الأمم المتحدة نتيجة تعسف الولايات المتحدة بواسطة الفيتو لعرقلة إرادة 143 دولة من أعضاء الجمعية العامة دعوا الشهر الماضي لانضمام فلسطين إلى المنظمة الأممية. فالنظام الأساسي للمحكمة ينص بوضوح على حق "الدول الأطراف" في التقاضي بالمحكمة، مما يعني وجوب الانضمام إلى الأمم المتحدة أولًا.

إلا أنّ دولة فلسطين استغلت في طلبها بالتدخل استثناءً نصّ عليه النظام الأساسي بأن يحدد مجلس الأمن الشروط التي تسمح للدول غير الأعضاء بالتقاضي أمام المحكمة، وقد حدث ذلك بالفعل في أكتوبر/تشرين الأول 1946 عندما أصدر مجلس الأمن قراره رقم 9 الذي سمح للدولة غير المنضمة للأمم المتحدة بتقديم دعاوى وطلبات لمحكمة العدل الدولية بشرط سابقة اعترافها باختصاص المحكمة بنظر المسألة محل النزاع أو الخلاف وأن تتعهد بالامتثال بحسن نية لقرارات المحكمة وقبول جميع الالتزامات الأدبية والمادية.

بناءً على ذلك القرار الذي يقارب عمره الآن ثمانين عامًا، توجّب على دولة فلسطين أولًا التقدّم بإعلان تعترف فيه باختصاص محكمة العدل الدولية بنظر المنازعات الخاصة باتفاقية منع الإبادة الجماعية المتهمة إسرائيل بخرقها وضربها عرض الحائط بأفعالها في غزّة، وبالتالي أصبح جائزًا لفلسطين أن تنضم إلى جنوب أفريقيا مطالبةً بقبول دفاعها التحريري والشفهي في هذه القضية.

ومع ذلك؛ فإنّ قبول المحكمة – في قراراتها القادمة أو حكمها النهائي - تدخّل فلسطين في الدعوى ما زال محل نظر، وليس محسومًا تمامًا، إذ يرى بعض القانونيين الغربيين أنّ فلسطين تفتقر إلى مقومات الدولة وأنّ وضعها القانوني هو "سلطة" وفقًا للاتفاقيات الإقليمية والدولية التي وقّعت عليها من قبل.

وفي المقابل هناك رؤية أخرى بأنّ فلسطين دولة باعتراف 147 دولة حول العالم وتستجمع كل المقومات اللازمة للانضمام للأمم المتحدة عدا الرضا الأمريكي، وهي رؤية مدعومة بسابقة انضمام فلسطين لميثاق روما ووضعها أمام المحكمة الجنائية الدولية، وقبل ذلك صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 باعتبارها دولة مراقب غير عضو، مما يؤكد اعتراف العالم فعليًا بها كدولة ذات سيادة.

على ضوء ما سبق، فإنّ قبول تدخل فلسطين سيمثّل خطوة هامة لتكريس الاعتراف بها في المحافل الدبلوماسية والقضائية الدولية، كما يخلق مسارًا قانونيًا إضافيًا يمكن اللجوء إليه مستقبلًا في العديد من المناسبات ضد إسرائيل. هذا على الصعيد القانوني والرمزي، أما على الصعيد الواقعي فكما كان الأمل معقودًا على مصر للتدخل في القضية باعتبارها طرفًا يملك العديد من الأدلة على الجرائم الإسرائيلية، فإنّ دولة فلسطين بما تملكه من بيانات ومعلومات هي الأجدر بتقديم الكثير من الأرقام وتفاصيل الوقائع التي تُثبت آثار المجازر غير المسبوقة في غزّة، ووقائع التصعيد في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

تجدر الإشارة إلى أنّ تأريخ التدخل الفلسطيني في 31 مايو/أيار الماضي يعكس وعي الدبلوماسية الفلسطينية بالتغيير الهام الذي أدخلته محكمة العدل الدولية على لائحة عملها الداخلية وأصبح ساريًا من أول يونيو/حزيران الجاري، والذي يقصر مرافعة الدول المتدخلة في القضايا على المذكرات التحريرية ويجعل من سلطة المحكمة السماح بإدلائها بمرافعات شفهية من عدمه، كما يحدد سقفًا زمنيًا لإعلان التدخل في الدعاوى هو آخر موعد لتقديم المذكرات من الدولة المدعى عليها.

لقد لجأت المحكمة إلى هذا التنظيم المقيّد بعدما لاحظت زيادة عدد القضايا المطالبة بتطبيق الاتفاقيات الدولية على الكافة، وبالأخص اتفاقية منع الإبادة الجماعية كما في قضيّتَي مسلمي الروهينجا والغزو الروسي لأوكرانيا قبل قضية غزّة، وما شهدته القضيتان من طلبات تدخّل عشرات الدول إلى جانب جامبيا المدعية في القضية الأولى وأوكرانيا المدعية في القضية الثانية.

ويترتب على التنظيم الجديد أنّ تدخّل الدولة لا يرتّب لها مباشرة الحق في المرافعة الشفهية، بل يتيح لها فقط تقديم مذكرة مكتوبة ويجوز لها أن تطلب الترافع شفهيًا لتفصل المحكمة في ذلك. وبالنسبة لقضية غزّة يؤدي التنظيم الجديد إلى غلق باب التدخّل أمام جميع الدول بتاريخ 15 يوليو/تموز المقبل وهو الموعد النهائي لإيداع مذكرات الدفاع الإسرائيلية.

وبتقديم دولة فلسطين طلب تدخّلها قبل تفعيل هذا التنظيم الجديد بيوم واحد، تكون قد ضمنت انطباق النظام السابق عليها، وتقديمها مرافعة شفهية إلى جانب جنوب أفريقيا ونيكاراجوا وكولومبيا وليبيا والمكسيك؛ الدول التي انضمت قبلها ضد إسرائيل.

أما الدول الأخرى التي لوّحت بالتدخّل إعلاميًا دون تقديم أي طلبات رسمية، مثل "مصر، تركيا وماليزيا"، فيتوجب عليها لضمان التدخّل وتقديم مذكرات مكتوبة فقط أن تتقدّم بطلبها قبل منتصف يوليو/تموز كما سبق التوضيح، مع استبعاد إمكانية تمتّعها بمرافعة شفهية.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن