اجتمع القادة العرب في أنشاص ١٩٤٦ لمواجهة استفحال خطر المشروع الصهيوني على فلسطين، واجتمعوا في بيروت ١٩٥٦ للتحسب لتطورات المحتملة للعدوان الثلاثي على مصر بعد وقف إطلاق النار، واجتمعوا في ١٩٦٤ مرتين أولاهما في القاهرة والثانية في الإسكندرية للنظر في مواجهة المشروعات الإسرائيلية لتحويل مجرى نهر الأردن، واجتمعوا في الخرطوم في أواخر آب/أغسطس أوائل أيلول/سبتمبر ١٩٦٧ لتدارس الاستراتيجية العربية بعد هزيمة حزيران/يونيو، واجتمعوا في أيلول/سبتمبر ١٩٧٠ لمحاولة وقف نزيف الدماء بين المقاومة الفلسطينية والسلطات الأردنية، واجتمعوا في بغداد ١٩٧٨ لمواجهة سياسات السادات الجديدة تجاه إسرائيل، وكذلك في عمان ١٩٨٧ لمواجهة نذر الخطر في تطورات الحرب العراقية-الإيرانية، وفي القاهرة ١٩٩٠ لبحث أزمة الغزو العراقي للكويت، وفي القاهرة في حزيران/يونيو ١٩٩٦ لمواجهة انقلاب الحكومة الإسرائيلية اليمنية برئاسة نتنياهو على اتفاقية أوسلو، وفي شرم الشيخ في آذار/مارس ٢٠٠٣ لمواجهة احتمالات الغزو الأمريكي للعراق.
وهكذا في كل نازلة ألمت بالوطن العربي كانت القمم العربية تُعْقَد لتدارس المخاطر ورسم السياسات في مواجهتها.
استمرارًا لتراجع مؤسسة القمّة العربية نرى إسرائيل تعربد منذ أكثر من عام دون أن يحرّك أحد ساكنًا
غير أنه لوحظ منذ الغزو الأمريكي للعراق ٢٠٠٣ أنّ منحنى أداء القمم العربية قد أخذ في الانحدار، فلم تتم الدعوة لأي قمّة عربية بعد ذلك الغزو، بل اجتمع عدد من القادة العرب في شرم الشيخ بعد شهرين من الغزو مع الرئيس الأمريكي، وعندما اعتدت إسرائيل على لبنان في تموز/يوليو ٢٠٠٦ دعا اليمن إلى قمّة عربية طارئة، لكن الدعوة لم تحظَ بأغلبية الثلثين المطلوبة فسحب اليمن دعوته تجنبًا لمزيد من انشقاق الصف العربي، ومع اعتداء إسرائيل على غزّة في أواخر ٢٠٠٨ أوائل ٢٠٠٩ دعت الدوحة إلى قمّة طارئة لم تحظَ بدورها بالأغلبية المطلوبة بدعوى أنّ ثمة قمة اقتصادية اجتماعية ستُعقد بالكويت، فتحوّلت قمة الدوحة إلى قمة تشاورية اتخذت عددًا من القرارات الجيدة التي لم تُنَفَّذ باستثناء قطع موريتانيا لعلاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، والتي كانت بالغة التناقض مع التوجهات العروبية الخالصة للشعب الموريتاني، وتوالت الاعتداءات الإسرائيلية على غزّة بعد ذلك دون أن يستدعي ذلك انعقاد أي قمّة عربية، بل إنّ انعقاد القمم الدورية ذاتها قد تعثر في السنوات الواقعة بين سنتي ٢٠١٩ و٢٠٢٢، وفُسر هذا بدايةً بوباء الكورونا - مع أنّ قممًا شتى عُقِدَت افتراضيًا أثناء تفشي الوباء - ثم لم يكن هناك مناص من التسليم بأنّ ثمة اختلافات تحول دون انتظام القمم الدورية، وقد انتهى هذا التعثر بانعقاد قمّة الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر٢٠٢٢ لتنتظم القمم الدورية بعد ذلك.
وها نحن استمرارًا لتراجع مؤسسة القمّة العربية نرى إسرائيل تعربد في غزّة والضفة منذ أكثر من عام، فتقتل قرابة ٥٠ ألف فلسطيني وتصيب ضِعْفهم، وتهدم كل مقومات الحياة هناك، وتفعل الشيء نفسه في لبنان منذ أكثر من شهر، دون أن يحرّك أحد ساكنًا، أو تصدر دعوة من أي جهة عربية رسمية أو غير رسمية لانعقاد قمّة تنظر في الوسائل الكفيلة بوقف المذابح الإسرائيلية للفلسطينيين واللبنانيين، والكف عن تدمير مقومات حياتهم، فهل يكون هذا شعورًا بالعجز وتسليمًا به؟.
التناقض مع إسرائيل يجُبّ كل ما عداه من تناقضات
وليعلم القارئ الكريم أنني لا أقصد بهذه الكلمات استنهاض الهمم والدعوة إلى انعقاد قمّة لسبب بسيط،، وهو اليقين بأنّ انعقاد قمّة عربية لن يكون له أثر على إنقاذ فلسطين ولبنان وشعبيهما، وقد انعقدت القمّة الدورية بالفعل بعد قرابة شهر من بدء عملية "طوفان الأقصى" فلم يكن لها من سلاح سوى الدبلوماسية التي لا تكفي لمواجهة جرائم إسرائيل، وقد ذكرت تقارير أنّ الآراء التي طالبت في القمّة بإجراءات عقابية من أي نوع لإسرائيل وحلفائها لم تلقَ القبول من الأغلبية، وإنما قصدتُ بهذه الكلمات أن أوضح كيف كنا وكيف أصبحنا، فبينما كان مجرد المساس بالمقاومة الفلسطينية في ١٩٧٠ داعيًا لانعقاد قمّة في اليوم التالي بدعوة الرئيس جمال عبد الناصر لها، لم يكْفِ ارتقاء٥٠ ألف شهيد وإصابة ضعفهم لتحريك المياه الآسنة في نهر القمم العربية، بل إنّ ثمة من يدينون المقاومة لاعتبارات مغلوطة تتعلق بهويتها السياسية وعلاقاتها الخارجية متجاهلين أنّ التناقض مع إسرائيل يجُبّ كل ما عداه من تناقضات.
(خاص "عروبة 22")