صحافة

"المشهد اليوم"...تطورات سوريا تحاصر إيران وتُعيد رسم الخريطة السياسية الأنظار تتجه نحو معركة حمص "المفصلية" ومقترح إسرائيلي جديد بشأن غزّة

عناصر الفصائل المسلّحة السورية تحتفل بدخول مدينة حماة أمس (أ.ف.ب)

تتصدّر سوريا عناوين الأحداث نتيجة ما يجري من تطورات ميدانية متسارعة على أرضها. فمعركة "ردع العدوان" أدت الى تغييرات كبيرة في الخريطة السورية ما سينعكس بدوره على موازين القوى التي تكرست في السنوات الاخيرة، حين مالت الكفة لصالح النظامين الايراني والروسي. فالنطام السوري عاش السنوات الماضية على الدعم الذي وفرته طهران وموسكو من أجل اعادة بسط سيطرته على أجزاء واسعة من سوريا بعد توجيه ضربات قاسية لـ"الجيش السوري الحر " والفصائل المقاتلة حينذاك.

واذ تحقق الفصائل المسلّحة السورية اليوم، وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام" انجازات ميدانية واسعة، تسعى، في المقابل، الى تغيير خطابها وأدائها، ومن هنا برزت رسائل التطمين التي وجهتها على مدار الأيام الماضية وتصريحاتها بإمكانية حل نفسها، كما الظهور العلني لزعيمها أبو محمد الجولاني، في محاولة لمغازلة الغرب أولاً وتغيير الصورة التي رُسمت سابقاً له ولأنصاره كما رفع الهيئة عن قوائم الارهاب الأميركية وطرح نفسها (أي الهيئة) فصيلاً سورياً داخلياً يريد أن يكون له دور في مستقبل سوريا.

وعليه، شكلت هذه التطورات قلقاً وهاجساً لدى النظامين العراقي والايراني اللذين من المقرر أن يعقدا اليوم اجتماعاً يضم الى جانبهما سوريا، في محاولة لتقييم الأوضاع ووضع خريطة طريق ثلاثية لمعالجة تداعيات ما يجري، خصوصًا وأنّ التطورات السورية حاصرت إيران وميليشيات محورها في المنطقة. وقد استبق زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، هذا الاجتماع الثلاثي بالتشديد على "ضرورة عدم تدخل العراق، حكومةً وشعباً وكل الجهات والميليشيات والقوات الأمنية، في الشأن السوري"، مطالباً الحكومة العراقية بـ"معاقبة كل من يُخلّ بالأمن". وجاء ذلك بعد ساعات من دعوة "هيئة تحرير الشام" رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى "النأي بالعراق عن الحرب السورية ومنع إرسال مقاتلين من الحشد الشعبي".

على المقلب الآخر، تراقب اسرائيل بحذر ما يجري في الداخل السوري، حيث عقد وزير الأمن الإسرائيلي إسرائيل كاتس اجتماعاً مع القيادة العليا لجيش الدفاع لمناقشة آخر التطورات الميدانية والعسكرية، في حين أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن منظومة الأمن الإسرائيليّة تؤكد أنها "لن تتيح لطهران بتسليح جيش النظام السوري بالأسلحة أو القوات"، في ظل تقديرات بأن النظام السوري "سيضطر الآن إلى الاعتماد بشكل أكبر على إيران ووكلائها من أجل البقاء". 

أما تركيا، ذات الصلة بالمشهد العام، فلفتت إلى أن مرحلة جديدة "تتم إدارتها بهدوء"، داعية الى "حل سياسي"، وهو ما ترفضه الحكومة السورية حتى اليوم مفضلة الخيار العسكري لضبط الأمور. من جهته، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى "تطبيق صيغة أستانا كما الالتزام بإتفاقيات إدلب كإطار رئيسي لمعالجة الأزمة السورية"، معرباً عن قلقه البالغ إزاء التطورات الأخيرة في دمشق، وما يحدث بحلب وما حولها.

ميدانياً، دخلت الفصائل المعارضة و"هيئة تحرير الشام"، مدينة حماة شمال سوريا، بعد أيام من المعارك الشرسة على أبوابها ومداخلها. ويشكل هذا التقدم للمرة الاولى منذ بدء الحرب السورية عام 2011 رمزية كبيرة لما تمثله من ثقل عسكري واستراتيجي، فهي رابع كبرى المدن السورية والواقعة في وسط البلاد. فيما بدأت الانظار تتجه صوب مدينة حمص بعد إعلان قيادة الفصائل مساء، أمس، التقدم إليها.

وعلى إثره، نزح عشرات الآلاف من سكان الأحياء العلوية في مدينة حمص وسط سوريا خشية تقدم الفصائل اليها، وفق ما ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان". في وقت قال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة "إن احتدام القتال في شمال غربي سوريا أدى إلى نزوح أكثر من 280 ألف شخص".

لبنانياً، برز كلام الامين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم الذي قرر مجدداً التدخل في الشأن السوري كما فعل حزبه قبل سنوات بهدف "منع نقل سوريا من الموقع المقاوم إلى الموقع الآخر المعادي والذي يخدم العدو الإسرائيلي". وقال قاسم، في ثاني ظهور منذ سريان اتفاق وقف النار، إن "حزب الله" "مرّ في أخطر مرحلةمنذ نشأته قبل 42 عاما"، وذلك من خلال "تعرضنا لعدوان وحشيّ وإجراميّ طال المقاومين والبيئة وطال كل لبنان". واذ دعا الدول العربية والصديقة والحكومة للمساهمة في إعادة الاعمار، شرح بالأرقام حملة "وعد والتزام" التي أطلقها الحزب.

وقد تراجعت حدة الانتهاكات الاسرائيليّة لاتفاق وقف النار وخفت الخروقات اليومية، الا أن التحذيرات لسكان أكثر من 60 قرية وبلدة بوجوب عدم الاقتراب إلى مناطقهم، باتت جزء يومي مما يوجهه المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.

فلسطينياً، قصف جيش الاحتلال مدرسة تؤوي نازحين في جباليا مما أسفر عن سقوط شهداء ومصابين، كما نسف مباني سكنية بعدة مناطق، وذلك بعد أن شهدت الساعات الماضية اعتداءات أسفرت عن 36 شهيداً معظمهم شمالي القطاع. ويتزامن ذلك مع أحاديث عن "جدية" يبديها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لأول مرة في المفاوضات بشأن صفقة تبادل الأسرى مع "حماس"، حيث بادر إلى تقديم مقترح مُحدّث لها يشمل أفكاراً جديدة شبيهة باتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه مع لبنان.

ووفق المعلومات المتداولة إعلامياً، فإن المقترح المُحدّث يتضمن استعداد إسرائيل لوقف إطلاق النار بين 42 إلى 60 يوماً، وإطلاق سراح جميع النساء اللواتي ما زلن على قيد الحياة ومحتجزات لدى "حماس" وجميع الرجال الأحياء الذين تزيد أعمارهم على 50 عاماً، بالإضافة إلى المختطفين الذين هم في حالة صحية خطيرة. وبالمقابل، باتت إسرائيل مستعدة لإطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين الذين يقضي بعضهم عقوبة السجن مدى الحياة.

وقد تناولت الصحف العربية الصادرة اليوم العناوين الرئيسية "الساخنة" من الحرب المستمرة على غزّة إلى تطورات المعترك الميداني السوري وتداعياته المستقبلية. وأبرز ما ورد:

أشارت صحيفة "الخليج" الإماراتية الى أن "توصيف منظمة العفو الدولية لما يجري في قطاع غزّة، يتطابق تماماً مع ما تقوم به إسرائيل يومياً من تدمير وقتل وتجويع، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، والسعي القسري لتهجير أهالي القطاع بهدف اقتلاعهم"، موضحة أن "القصد الوحيد لما تقوم به إسرائيل هو التدمير المادي للوجود الفلسطيني، أي الإبادة الجماعية".

وشددت صحيفة "البلاد" البحرينية على أنه "في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، يتوغّل العدو الصهيوني في إبادة قطاع غزّة والتنكيل بسكان الشمال ودحرهم عنوة لترك ديارهم المدمّرة"، مؤكدة أن "الحرب تبقى بشعة مهما تقلصت خسائرها، وبشعة مهما كانت حججها..وما نراه اليوم في غزّة فهو من أبشع الحروب على الإطلاق، وسيبقى شاهداً  على بؤس العالم الذي نعيش فيه وتهاونه مع الحق الفلسطيني".

من جهتها، لفتت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى أن "الحرب السورية الجديدة تشهد واقعًا مختلفاً تماماً عن الحقبة التي انطلقت فيها أحداث "الربيع العربي"، إذ باتت الموازين الإقليمية والدولية أكثر تعقيدًا، مع تقلص الدعم الشعبي والتنظيمي للجماعات المسلحة". وقالت: "لقد تكشفت أهداف هذه الجماعات المرتبطة بمصالح خارجية وداعمين دوليين، مما أدى إلى ضعف قدرتها على الحشد الشعبي، رغم وجود خلايا خاملة قد تُفعّل في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تواجهها بعض الدول".

أما صحيفة "عكاظ" السعودية فاعتبرت أن "السبب الرئيسي في ما تعانيه سوريا حتى الآن هو استعانة النظام بقوى خارجية كان هدفها في المقام الأول ليس حماية الشعب السوري بل السيطرة على مفاصل الدولة نفسها"، منبهة أنه "منذ انطلاق شرارة الحرب الأهلية في سوريا تدخلت دولة خارجية فيها، مما أثّر بالسلب على الشارع السوري، كما أن تدخل حزب الله دفع العالم للتساؤل عمن يتحكم بالسياسة السورية، كما أن استعانة النظام السوري بروسيا -حليفه الاستراتيجي- أضعف أيضاً من قوة النظام وفكك سيادته".

وتحت عنوان "حماة - غزة وبالعكس: السياسة أم الإبادة؟"، كتبت صحيفة "القدس العربي"، "ما يطمح له السوريون، والفلسطينيون (كما اللبنانيون) الآن هو وضع السياسة في مواجهة الإبادة، وأمام هذه الضرورة لا يعود هناك معنى لاجتهادات "نخب" تعمل على تكريس كراهية الضحايا". وأضافت "يأمل السوريون بحل سياسي يعيد اللاجئين ويسمح بالمشاركة السياسية، ويأمل الفلسطينيون بحل سياسي يوقف الإبادة ويعيد اللاجئين ويسمح لهم بتقرير مصيرهم، ويأمل اللبنانيون بحل سياسي يبدأ من بداهة انتخاب رئيس ويعيد تنظيم الحياة السياسية".

إلى ذلك، سلطت صحيفة "اللواء" الضوء على ما يجري من أحداث محيطة بلبنان وتداعياتها الاقليمية والدولية، لكنها نبهت من أن "لبنان أمام خطرين داهمين: الإحتلال الإسرائيلي جنوباً، والتطورات العسكرية السورية شرقاً وشمالاً، فيما الدولة اللبنانية في حالة غيبوبة متفاقمة، بسبب الشلل الذي يضرب شرايين المؤسسات الدستورية، والخلافات المستحكمة بين الأطراف السياسية، التي تحول دون التوصل إلى توافق حول الحلول الوطنية الإنقاذية"، على حدّ تعبيرها.

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن