لا يمكن المرور العابر بالحدث السوري. فقد تعاظم الاهتمام العربي بسوريا منذ بدأ الاضطراب الشامل في المنطقة عام 2011. بيد أنّ العرب أُخرجوا مرتين: المرة الأولى عندما سيطر المسلحون والمتطرفون، والمرة الثانية عندما دخل الإيرانيون والروس والأتراك والأميركيون.. تارةً لمساعدة النظام وطوراً لمعارضته. وقد وصل الإقصاء العربي عن سوريا إلى حد أنه في العام 2017- 2018 قامت ثلاثٌ من القوى المتدخلة بسوريا، وهي روسيا وإيران وتركيا، بإنشاء مجموعة سوتشي ثم أستانا لحلِّ المشكل السوري من دون أي حضورٍ عربي! وجرى الإعراض عن الحلّ الذي قال به القرار الدولي رقم 2254 (2015).
أما على الأرض فتعددت مناطق النفوذ: مناطق دخلتها القوات التركية على الحدود بين البلدين بحجة الخوف على الأمن القومي التركي من المسلحين الأكراد.. ومناطق سيطر فيها الأكراد بحماية قوات أميركية.. ومناطق سيطر فيها الإيرانيون وميليشياتهم على الحدود مع العراق وعلى الحدود مع لبنان فيما بين ريف دمشق وحمص.. ومناطق سيطر فيها المسلحون من جماعة الجولاني. وبقي النظام السوري مسيطراً في المدن الكبرى والمساحات المجاورة، وهي دمشق وحلب وحماة وحمص ودير الزور. وبعض تلك المدن وبلداتها المجاورة كان قد جرى انتزاعها بمساعدة الإيرانيين والروس (2015-2017).
في السنتين الأخيرتين (2022-2024) حاولت دولٌ عديدة بالجامعة العربية، ومن موقع الاهتمام بالاستقرار ووحدة أراضي سوريا وسلامها وسيادتها، استعادة العلائق مع السلطات في دمشق، ومع الدوليين، والإسهام في المساعدات الإغاثية، وبخاصةٍ أنّ هناك مناطق في شمال سوريا وشرقها تعرضت للزلازل التي نالت من محافظات تركية عديدة عام 2021- 2022. بيد أنّ ذلك لم يفد كثيراً بسبب سيطرة فريق أستانا وعدم إرادة أو قدرة النظام على الكف عن تمرير السلاح إلى الحزب المسلح في لبنان وتهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود مع الأردن. كما أنّ النظام رفض التواصل مع تركيا للتفاوض رغم الوساطة الروسية.
ولا حاجة للكثير من التفاصيل التي صارت معروفة، فقد بدأ حراكٌ عسكريٌّ مفاجئ في 27/11/2024 من جهة إدلب بقيادة "هيئة تحرير الشام" تدعمها فصائل آتية من المناطق التي تسيطر عليها تركيا، فاستولت دون مقاومةٍ تُذكر من الجيش على حلب وحماة وحمص ووصولاً لدمشق (حتى 7 ديسمبر). والواقع أنّ الصبغة الملحمية والرمزية تكشفت بعد الحدث العسكري. فقد سقط الغطاء الإيراني واسع الانتشار في سائر أنحاء سوريا: الحرس الثوري، والميليشيات العراقية واللبنانية والأفغانية والباكستانية، وبدأ المهجَّرون (ويزيد عددهم على 10 ملايين) بالعودة من داخل سوريا، ومن لبنان والأردن وتركيا.. وانفتحت السجون بموتاها وأهوالها.
إنّ هذه البدايات جيدة بل مدهشة، ولا شكّ في أنّ هناك أسراراً كثيرةً بشأن هذا "الانتصار" الذي تعذر حصوله طوال أربعة عشر عاماً، ثم تحقق خلال أسبوع! ولكن للأسف على أيدي جماعات إسلاموية، وليس على أيدي المدنيين الذين قادوا الحراك عام 2011-2013.
ماذا سيحصل الآن؟ خرج الجمهور السوري في سائر المدن والبلدات، كما كان يخرج في سنوات الحراك الأولى، يوم الجمعة (13 ديسمبر 2024). وهناك ظواهر مختلطة الآن بين الإسلاموي والمدني. كما أن هناك ثقة بالمدن السورية العريقة التي لا تُصغي للمتطرفين والميليشياويين وقد رفضتهم كما رفضت الأجهزة الأمنية للنظام السابق، بدليل الملايين الذين دخلوا السجون وماتوا فيها أو تشردوا أو تهجروا في بقاع العالم.
والعامل الثاني للثقة هو الجانب العربي، إذ يجتمع العرب بعمّان في الأردن لصوغ إجماعٍ على مساعدة سوريا الجديدة وطرائق صنع ذلك. سوريا قاعدة منطقة بلاد الشام. وكانت الجهات المعروفة قد ضمت دمشق إلى العواصم التي سيطرت عليها، وقد خرجت منها الآن. وبين الثقة والأمل والمتابعة، ينتظر العرب دولة سوريا الوطنية التي لن يتأخر حضورها.
(الاتحاد الإماراتية)