مع دخول اتفاق وقف النار في غزّة حيّز التنفيذ بعد حرب دامية استمرت 15 شهراً، بدأ الغزاويون رحلة البحث عن أحبتهم وتفقد منازلهم وممتلكاتهم وسط دمار وخراب كبير خلفته الحرب الاسرائيليّة. ورغم أن تداعيات هذه الحرب ستستمر لفترة طويلة وتطرح معضلات بارزة وتحديات رئيسيّة أمام الشعب الفلسطيني، إلا أن تثبيت وقف النار وعدم الانزلاق نحو الحرب مجدداً، وفق ما يتوعد به رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد انتهاء المرحلة الأولى والتي تستمر لمدة 42 يوماً، سيكون أبرز التحديات التي تواجه حركة "حماس" والدول الراعية للاتفاق في المرحلة المقبلة.
وإذ لا يزال من المبكر الحديث عن "اليوم التالي" في القطاع المنكوب الذي يحتاج لسنوات طويلة من إعادة الإعمار وبلسمة الجراح والعذابات التي خلفها العدوان الاسرائيلي، الذي مارس كل أنواع الاجرام والوحشية. فيما فشل العالم ومنظماته الإنسانية، بالتحديد، في وقف واحدة من أكبر الحروب التي غصت بالمجازر والابادة والتطهير وعجزت أن تضع حداً لها وهو ما سيطرح أسئلة كبيرة عن سطوة الدول ومصالحها وإعلاء لغة القتل والدم على حساب الشعوب وتقهقرها وقتلها "المجاني".
وعليه باتت واحدة من الأمنيات خصوصاً بعد عام 2024، والذي شهد على تحولات جذرية وتبدلات عميقة في غزّة وسوريا ولبنان، أن يعم العالم السلام والاستقرار "الحقيقي" في الشرق الاوسط، وهو ما يعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي سيتم تنصيبه الثاني، اليوم، ليكون الرئيس الـ47 للولايات المتحدة وسط إجراءات أمنية مشددة تم إتخاذها في العاصمة، واشنطن.
إلا أنه من الجلي القول أن "السلام" الذي يتعهد به ترامب قد لا يصب في صالح الشعوب وأحلامها في الرفاه والراحة، لانه يمتزج بالمصالح والمكاسب السياسية وهو الذي استبق دخوله البيت الابيض بالحديث عن تحولات اقليمية جذرية خاصة بما يتعلق في ضم قناة بنما، وجزيرة غرينلاند، وجعل كندا الولاية الـ51 من الولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى حديثه عن المكسيك. أما على صعيد الشرق الاوسط فلطالما تحدث عن انهاء الحروب وإحلال السلام وهو ما عبّر عنه علنية أمس، في حفل جماهيري، حين قال "حققت السلام في الشرق الأوسط خلال 3 أشهر من دون أن أكون رئيسا"، معتبراً أن "اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة هو بداية السلام في الشرق الأوسط".
فحوى الكلام عينه جاء على لسان الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جو بايدن الذي اعتبر أن "المنطقة تغيّرت جذرياً بدعم من الولايات المتّحدة، حيث أضعف كثيراً داعمي "حماس" في الشرق الأوسط ومن بينهم "حزب الله"، لافتاً الى أن إيران، العدو اللدود لكلّ من إسرائيل والولايات المتّحدة، هي اليوم "في أضعف وضع منذ عقود". وتنتظر طهران، بدورها، عودة ترامب والقرارات التي سيتخذها بحذر وريبة، خاصة بظل التوقعات بممارسة "الضغوط القصوى" عليها في ما يتعلق بملفها النووي وسياساتها الخارجية.
وبالعودة الى تفاصيل المشهد الفلسطيني، أفرجت إسرائيل عن 90 معتقلاً فلسطينياً (أسيرات وأطفال) من سجونها، ليل الأحد الاثنين، بعد ساعات على إفراج حركة "حماس" عن ثلاث رهينات إسرائيليات كن محتجزات في قطاع غزّة. وفيما أفاد قيادي في "حماس" لوكالة "فرانس برس" بأن الإفراج عن الدفعة الثانية من الرهائن المحتجزين في قطاع غزّة سيتم مساء السبت المقبل. أعلن المتحدث باسم "كتائب القسام" أبو عبيدة "الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار والجاهزية بتنفيذ بنوده والالتزام بشروطه في كل مراحل الصفقة، مع تأكيدنا أن كل ذلك مرهون بالالتزام من قبل العدو".
تزامناً، شهدت مناطق واسعة صباح أمس، احتفالات مع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، حيث سارع الفلسطينيون بالعودة الجزئية، في انتظار عودتهم الكاملة في اليوم السابع لاتفاق التهدئة. وانطلق الآلاف نحو مناطق مدينة رفح وخان يونس والمناطق الوسطى وشمالي القطاع وشرق مدينة غزّة. وقد رصدت المشاهد هذه العودة مع مشاعر الغصة والوجع التي عبّر عنها الأهالي الذين انتظروا أشهراً طويلة من المفاوضات المتعثرة والاخفاقات وعايشوا مرارة النزوح المتكرر والجوع المدقع وغياب الامدادات الطبية نتيجة تعمد الاحتلال استهداف المستشفيات والقطاع الصحي.
ومع بدء تدفق المساعدات الانسانية ووصول الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والاغاثية، أشارت "منظمة الصحة العالمية" الى أن هناك حاجة لاستثمارات بالمليارات لدعم تعافي النظام الصحي في غزّة، محذرة من زيادة "هائلة" في انتقال الأمراض المعدية ومن أن خطر المجاعة لا يزال قائماً وأعلنت أن 25٪ من المصابين في غزة، أي حوالي 30 ألفا، يحتاجون لإعادة تأهيل.
أما على الصعيد اللبناني، فقد تواصلت المشاورات السياسية من أجل وضع تصور نهائي للتشكيلة الحكومية التي يُراد لها أن تعكس صورة العهد بما يتلاءم مع مقتضيات المرحلة الراهنة خاصة بظل وجود رغبة دولية وعربية عارمة بإنتظام المؤسسات اللبنانية وإعادة تفعيل المسار الدستوري بعد فترة طويلة من الفراغ والمراوحة الهشة. وفي حين تعلو اصوات مطالبة بحكومة تكنوقراط أو كفوئيين بعيداً عن الحسابات السياسية والطائفية الضيقة التي لطالما عانى منها لبنان، يستكمل الرئيس المكلف نواف سلام تذليل العقبات بمساعدة رئيس الجمهورية جوزاف عون سعياً وراء صحة تمثيل الجميع وبما يتلاءم مع الشعارات التي رفعها الطرفان خلال عملية الانتخاب.
وضمن السيّاق، أشارت صحيفة "الجريدة" الكويتية إلى أن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان يزور بيروت الخميس المقبل، حيث يعلن فتح مسار جديد من العلاقات السعودية - اللبنانية، واستعداد المملكة لتقديم المساعدات اللازمة، على أن يوجه دعوة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون لزيارة المملكة، سيتم خلالها الإعلان عن حزمة مساعدات للبنان وتوقيع 22 اتفاقية بمجالات مختلفة من الاقتصاد الى الأمن، وسط معلومات بأنه سيتم تأسيس صندوق خليجي لدعم لبنان في المرحلة المقبلة.
في مقابل هذه المستجدات السياسية، تبرز عقبات المشهد الميداني مع استمرار العدو الاسرائيلي في خروقاته جنوب لبنان منتهجاً سياسية التخريب وجرف الاراضي وتدمير المنازل ونسفها كما حصل في بلدة حولا ومحيط منطقة "باب الثنية" شرق سهل مرجعيون. وكان الجيش اللبناني، في وقت سابق أمس، أرسل تعزيزات مؤللة إلى بنت جبيل في إطار خطة إعادة الانتشار في المنطقة الحدودية. وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أن الجيش الإسرائيلي دمّر مئات المباني وألحق أضراراً جنوبي لبنان. وبحسب الصحيفة فقد "انتقل الجيش الإسرائيلي إلى عشرات المواقع الجديدة خلال الأيام الأربعين الأولى من تنفيذ وقف إطلاق النار".
وعلى صعيد متصل، قال مستشار وزير الصحة الإيراني علي جعفريان، إن بلاده أجرت 1500 عملية جراحية لعلاج 500 مصاب في هجمات البيجر، خلال الشهر الأول من وقوع الهجمات التي اعترفت اسرائيل بمسؤوليتها عنها واستهدفت عناصر "حزب الله" كما السفير الايراني في بيروت، خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي. يُشار إلى أن هذه المرة الأولى التي يعلن فيها مسؤول إيراني إحصائية الجرحى الذين تلقّوا العلاج في إيران.
وإسترعى الحدث الاميركي مع تنصيب ترامب اليوم اهتمامات الصحف العربية إلى جانب وقف النار في غزّة حيث توزعت العناوين على الشكل التالي:
تناولت صحيفة "الخليج" الاماراتية عودة ترامب الى البيت الابيض قائلة "يترقب العالم كل خطواته ومواقفه بعد دخوله البيت الأبيض لأن كل شيء سيكون مختلفاً عما سبق وعرفه العالم من سياسات أمريكية". وأضافت: "بمعنى آخر، هناك عاصفة جيوسياسية سوف تهب على العالم بدءاً من اليوم، حيث ستقوم عقيدة ترامب على ركيزتين أساسيتين هما النظرة العالمية القومية التي تعلي المصلحة الأمريكية على غيرها، ثم نهج السياسة القائمة على القوة في التعامل مع الآخرين الذي يصر على الزعامة العالمية المطلقة".
وتحت عنوان "سياسة أميركية جديدة"، كتبت صحيفة "الرياض" السعودية أن "الإدارة الأميركية الجديدة ستختلف عما كانت عليه في السابق من حيث الاتجاهات السياسية سواء في تشعبها واتساعها لتصل لمنطقة القرن الأفريقي أو في اتجاه القضايا الإقليمية التي ستلقي بظلالها، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية"، موضحة أن "ملامح السياسة الجديدة لا شك أنها لن تكون مواكبة تماماً لما سيحدث من تطورات متوالية على خارطة العالم السياسي ومستجداته، لكن هذا لا يعني أن الموقف الأميركي لن يكون حاضراً من خلال علاقات واشنطن الجديدة مع عواصم العالم".
من جهتها، رأت صحيفة "الوطن" البحرينية أنه "مع حرائق كاليفورنيا واتفاق غزة والأزمة الأوكرانية وغيرها من الملفات، فإن لدى ترامب مجموعة من الإشكاليات عليه أن يتعامل معها وفق المصالح الأمريكية العليا بعيداً عن انتماءاته الحزبية"، مشددة على أن "ترامب سيواجه أكبر معضلة وهو الملف الإيراني والمتعلق بالبرنامج النووي، بعدما قامت طهران مؤخراً بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع موسكو والتي تتضمن مجموعة كبيرة في مجالات التعاون ومنها العسكرية والاقتصادية والعلمية (….)".
وفي السياق الفلسطيني، لفتت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "بعد غزّة ليس كما قبلها، فقد تدحرجت أحجار الدومينو، ويُعاد تشكيل المنطقة من جديد، فسورية اليوم دون حكم عائلة الأسد،، وفي لبنان يُنتخب رئيس للجمهورية ويختار رئيس للوزراء خارج الوجوه التي تتعاقب على حكم لبنان..والأسئلة معلقة برسم الإجابة؛ ماذا سيحدث في العراق، وإيران، واليمن في إطار سياسة تقليم الأظافر؟. وخلصت إلى أن "الرئيس ترامب يأتي بجموح ليحقق أجندته التي عجز عن تحقيقها في ولايته الأولى، وفي ذهنه أن عملية "تنظيف" قامت بها إدارة بايدن، ونفذها نتنياهو سهلت عليه المهمة".
وتطرقت صحيفة "الشروق" الجزائرية أيضاً الى التطورات الفلسطينية حيث اعتبرت، في مقال، أن "الخسائر البشرية والمادية (التي نتجت عن عملية "طوفان الاقصى") فهي ضريبة إجبارية في كل ثورات الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية". وتابعت: "تشكل القضية الفلسطينية اليوم حالة استثنائية في تاريخ الاحتلال، بالنظر إلى خلفياتها وتشعُّباتها وفارق ميزان القوى العسكرية، لكن الفلسطينيين يظلون متمسكين بالحقّ الخالد في الأرض والمقدسات".
وفي الإطار نفسه، نبهت صحيفة "الشروق" المصرية إلى أن نتنياهو قد "يستأنف عدوانه الذى أسماه "حرب القيامة" بدعوى أن حماس خرقت الاتفاق أو أنها تمسكت بالسيطرة على القطاع وأعادت تسليح أعضائها، لكن حتى لو حدث ذلك فالمقاومة لن تموت والشعب الفلسطيني لن يستكين"، مؤكدة أن "إسرائيل قد تكون حققت مكاسب استراتيجية على مستوى الإقليم، بعدما انكسر محور الممانعة، لكنها لم تنجح فى هزيمة غزة أو كسر إرادة أهلها".
(رصد "عروبة 22")