بإيعاز من كتلة "الصهيونية الدينية" الشريكة في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، تقدم أحد أعضائها بالكنيست "شلومو سلمون"، بمشروع قانون يسهل تملك المستوطنين للأراضي والعقارات في الضفة الغربية، بغض النظر عن المنطقة الموجودة فيها. هذه الكتلة اليمينية شديدة التطرف تنقسم إلى 3 مكونات داخل الكنيست بحسب الانتخابات الأخيرة، "الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلئيل سموتريش وله 7 مقاعد و"عوتسماه يهوديت" برئاسة بن غفير وله 6 مقاعد، ومعهما حزب "نوعام" برئاسة آفي ماعوز الذي يشغل مقعدا واحدا، والثلاثة يتحركون معا في القضايا السياسية والأمنية بدرجة عالية من التنسيق.
مشروع القانون، يلغي عمليا ما كان سائدا قبلا من حظر بيع أراض في الضفة الغربية، التي تقع تحت مسمى "أراضى دولة" وتدير شؤونها الحكومة الإسرائيلية، ليصبح في حال إقرار القانون متاحا بيعها، وليس فقط تأجيرها كما ظل معمولا به لعقود تحت بند "الاحترازات الأمنية"، والقصد من القانون بالطبع بيع الأراضي للمستوطنين الجدد الذين لهم رغبة في توسيع وتمدد الاستيطان.
هذا النشاط المدمر الذي بات معيقا لكافة فرص الوصول إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، انصب في أغلبه على المنطقة المصنفة "ج" بحسب اتفاقية أوسلو، التي تشكل نحو 61% من أراضي الضفة الغربية وخاضعة لسيطرة دولة إسرائيل كاملة. لكن النشاط الاستيطاني في جوهره ليس تمددا طبيعيا أو امتدادا عفويا لكتل سكانية، إنما يستهدف في المقام الأول العبث بخرائط التواجد الفلسطيني وتمزيقها وعزلها بأكبر قدر ممكن، لذلك توزع النشاط الاستيطاني بما يخدم هذا الهدف المركزي بحيث يخلق البؤر التي يمكنها أن تتكامل مستقبلا، وتخلق واقعا "استحواذيا" متعرجا ومتناثرا يحرم عمليا التواجد الفلسطيني من أي فرصة لـ"التكامل" أو الارتباط.
لذلك وبضغط مكثف لم ينقطع طوال عمر الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعلى خلفية التطرف الاستيطاني العقائدي لمكون "الصهيونية الدينية" في الائتلاف الحاكم، اطلقت يد المستوطنين لتنفيذ خططهم بالتمدد إلى المنطقة "ب" الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية، وصولا إلى المنطقة "أ" التي وضعتها اتفاقية أوسلو افتراضا تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة.
لهذا تغول في الفترة الأخيرة كثير من الأحكام الإسرائيلية الصادرة عن القضاء، التي أوردت عبارة مراوغة بشكل متكرر في عديد من الحالات التي نظرت بشأنها، كون السماح بالاستيطان الإسرائيلي غير الشرعي يأتي لـ"حاجة أمنية". الجديد أن الهيئة العامة للكنيست أقرت في 29 يناير 2025، بأغلبية الأصوات وبدعم الحكومة؛ مشروع القانون الذي تقدم به عضو الكنيست "شلومو سلمون".
وقد أيد القانون (57 نائبا) من كتلة الائتلاف الحاكم، وكتلة "إسرائيل بيتنا"، ونائب منشق عن كتلة "يوجد مستقبل" المعارضة. فيما عارض القانون (33 نائبا) من كتل "الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير"، و"القائمة العربية الموحدة"، و"يوجد مستقبل"، "والعمل". وكان لافتا تغيب كامل أعضاء كتلة "المعسكر الرسمي" المعارضة، التي يرأسها بني جانتس عن جلسة التصويت.
بحسب القانون والقواعد المعمول بها في الكنيست الإسرائيلي، يحتاج مشروع القانون المقدم إلى ثلاث قراءات ليصير نافذا، وقد حظي وفق تلك الجلسة للتصويت بما يسمى "إقرار بالتمهيدية". أورد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية تعليقا على هذا المشروع، يفيد بأنه في حال إقراره من قبل الكنيست بعد مراحل قراءاته القادمة، سيكون ذلك إلغاء للقانون الأردني (قانون رقم 40 لسنة 1953) وهو "قانون إيجار وبيع الأموال غير المنقولة من الأجانب" المعمول به حاليا، وأيضا القرارات العسكرية الإسرائيلية التي صدرت وأعطت "الإدارة المدنية" الحق في التشريع وتفسيرات القانون الأردني بشكل يتلاءم مع مشروع الاستيطان.
هذه الإدارة المدنية الإسرائيلية عبارة عن جهازي إدارة منفصلين واحد لقطاع غزة والآخر للضفة الغربية، أنشئا في نوفمبر عام 1981 بموجب أمر صادر عن وزير الدفاع آنذاك ارئيل شارون، بهدف الاهتمام بالشؤون اليومية للسكان المحليين في هاتين المنطقتين المحتلتين. هذه هي المهمة الإسرائيلية المعلنة لعمل هذه الإدارة، لكنها في الواقع المغاير للتسمية هي تهدف بالأساس لتجميل صورة إسرائيل أمام العالم وإعطاء انطباع وكأن هناك "حالة سياسية" مدنية في الأراضي الفلسطينية، كما تزيف الواقع عن حقيقة وجود احتلال عسكري/ استيطاني مرفوض من قبل السكان الأصليين، وفق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية، التي تسمى كل الأراضي والمناطق التي جرى الاستيلاء عليها قسرا في عام 1967 "الأراضي المحتلة".
لم تقتصر المهددات البالغة لمستقبل الضفة الغربية على هذا المسعى التشريعي الفاسد، الذي ينقلب حتى على المستقر من قوانين إدارة "الاحتلال" السابقة، فهناك خطط عسكرية تنفذ على الأرض بحق مناطق عديدة بالضفة، ربما سبقت الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر 2023، لكنها وفق تكتيكات الأداء العملياتي لهذه الخطط ظلت تجري بوتيرة يمكن معها تمرير تسميتها بـ"عمليات" متفرقة تجري هنا وهناك، وبإيقاع زمني يعلو لأيام وأسابيع ثم ينقطع بشكل مفاجئ، ليعاود التصاعد بشكل متدرج ليصل إلى ذروته في حين يبدو غير ذي صلة بما قبله.
لكن الحقيقة والثابت على الأرض أنها حرب واحدة متكاملة من الناحية الخططية، يكشف ذلك النطاق الجغرافي لهذا الجهد العسكري الإسرائيلي الذي انتقل أخيرا بمجرد الوصول إلى اتفاقية الهدنة في غزة، إلى مستوى متقدم من الاعتداءات على بلدات الضفة الغربية.
الجيش الإسرائيلي منذ أسابيع يواصل حصاره واقتحاماته المتكررة لمخيم جنين، ويقوم بتوسيع استهدافاته في المناطق المحيطة به ليرسخ تواجده واعتداءاته، في نطاق جغرافي أكبر سيحرص على التواجد به لأطول فترة زمنية ممكنة، بزعم أنه يقوم بعملية مطاردة لعناصر وخلايا بعينها، وهذا يجافي حقيقة أهداف تلك العملية العسكرية المنظمة التي امتدت سريعا تجاه الشمال، لتصل إلى مخيم طولكرم ومنه إلى تخوم المدينة الجنوبية. الأرقام التي تؤكد ملامح هذه الخطة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية تكشف عن أن 894 فلسطينيا سقطوا جراء تلك العمليات، فيما أصيب 6700 واعتقل على مدار الأشهر الماضية 14300 من أهالي بلدات الضفة وحدها.
(الأهرام المصرية)