صحافة

الشرع يكرس العلاقة الاستراتيجية مع تركيا ويؤسس لتوازنات إقليمية جديدة

سميح صعب

المشاركة
الشرع يكرس العلاقة الاستراتيجية مع تركيا ويؤسس لتوازنات إقليمية جديدة

على رغم أن الرئيس السوري أحمد الشرع اختار السعودية محطة أولى في إطلالته على الخارج، فإن زيارته أنقرة هي عنوان الترجمة العملية للدعم التركي الذي يحظى به منذ 2017، ومكنه تالياً من قطع المسافة بين إدلب ودمشق.

تعتبر تركيا نفسها الرافعة التي منحت الشرع القدرة على الانتقال من الإمارة إلى الدولة. وعليه، لن تقبل إلا بلعب الدور الأول في سوريا ما بعد بشار الأسد وحزب "البعث". وهي طامحة بلا أدنى شك إلى ملء الفراغ الإيراني في سوريا والإقليم، أكثر من أي دولة عربية أخرى راغبة في تقديم الدعم للنظام الجديد.

قطر متممة للدور التركي، لأنها كانت أيضاً من الدول الداعمة للشرع في إدلب. وكون أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أول زعيم أجنبي يزور دمشق بعد إعلان الشرع تولي مقاليد الرئاسة في الفترة الانتقالية، يثبت دوراً أساسياً للدوحة أيضاً في رعاية النظام الجديد. أما تركيا فوحدها من تعود من الباب الواسع، عبر السعي إلى اتفاق دفاعي مشترك يضمن إنشاء قواعد جوية تركية في وسط سوريا، وتدريب الجيش السوري الجديد.

ومن شأن هذا التطور أن يضيق الخناق على "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) التي تشكل "وحدات حماية الشعب" الكردية عمودها الفقري. وتعتبر أنقرة أن الوحدات هي النسخة السورية من "حزب العمال الكردستاني" الذي يخوض صراعاً مسلحاً مع الدولة التركية منذ 1984.

وبعد سقوط الأسد، شرعت الفصائل السورية المسلحة الموالية لأنقرة في الهجوم على معاقل "قسد" في منبج وكوباني، بدعم من الجيش التركي. لكن توسط واشنطن حمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على التريث في مواصلة الهجوم.

ودخل الشرع على الخط، بإجرائه مفاوضات مع "قسد" كي تحذو حذو فصائل سوريا معارضة أخرى، أعلنت حل نفسها والاندماج في الجيش السوري الجديد المنوي إنشاؤه. بيد أن "قسد" التي وافقت مبدئياً على الانخراط في الجيش السوري، طالبت بأن تحتفظ بوضعية خاصة، الأمر الذي لقي معارضة من دمشق وأنقرة. وفي حال وصل الحوار بين الشرع والأكراد إلى طريق مسدود، فإن من شأن ذلك تعقيد مهمة النظام الجديد في تثبيت الاستقرار، والتهديد ببؤرة توتر جديدة.

وعلى الأرجح، لن يحسم الملف الكردي إلا في ضوء ما سيقرره الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على صعيد الانسحاب الكامل من سوريا أو البقاء هناك لحماية الأكراد، شركاء أميركا في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش".

وإسرائيل، بدورها، ليست بعيدة عن المسألة، وتطمح إلى توسيع دورها في سوريا عبر تقديم نفسها أيضاً حليفاً للأكراد، ما سيضفي مزيداً من التعقيد على المشهد السوري. كما أن إسرائيل لن تنظر بعين الرضا إلى الاتفاق الدفاعي بين دمشق وأنقرة. وها هو وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يعلن الأسبوع الماضي، أن الجيش الإسرائيلي باق في جبل الشيخ والأراضي السورية التي توغل فيها بعد سقوط الأسد، إلى أجل غير مسمى.

وهذا من العوامل التي تجعل الشرع يسير على حبل مشدود في علاقاته الداخلية والخارجية. وفي حين أن المطلوب ترسيخ السلام في الداخل ومحاذرة المجازفة في صدام عسكري مع الأكراد أو مع أي من الأقليات السورية الأخرى، فإن وضع الأوراق كلها في يد تركيا، سيثير انزعاجاً عربياً لا يزال مكتوماً حتى الآن. ما تجدر الإشارة إليه، هو أن زيارة الشرع لأنقرة، تزامنت أيضاً مع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لتركيا. وبين القاهرة وأنقرة ملفات إقليمية مشتركة تمتد من غزة إلى سوريا وليبيا.

وفي نهاية المطاف، لن تكون سوريا خارج العواصف الجيوسياسية التي تجتاح الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول /أكتوبر 2023، والحروب الإسرائيلية التي أسفرت عن توازنات جديدة، وصولاً إلى وقفين هشين للنار في غزة ولبنان، مترافقاً مع اقتراح ترامب بنقل سكان غزة إلى مصر والأردن، بينما توسع إسرائيل حربها على الضفة الغربية.

(النهار اللبنانية)

يتم التصفح الآن