نَسْأَلُ بَدايَةً: ما الانْتِماء؟ نَقول: إِنَّهُ هذا الإِجْراءُ الَّذي يَدْمُجُ الشُّعورَ بِالتَّفَكُّرِ في لَحْظَةِ تَوَتُّرٍ خَلّاق. فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ هُوِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ ناجِمَةٍ عَنْ وَلاءٍ عاطِفي لِلماضي وَلا لَحْظَةَ تَكْرارٍ دائِمَةٍ لِما وَرِثْناه، بَلْ هُوَ لا يَتَظَهَّرُ في الوَعْيِ إِلّا في إِجْراءٍ تَأْويلِيٍّ لِإِحْداثِ الفَهْمِ لِعَناصِرِه، وَذلِكَ بِتَفْسيرِ العَلاقَةِ الرّاهِنَةِ بَيْنَ عَناصِرِ الانْتِماءِ وَإِعادَةِ تَشْكيلِ هذِهِ العَلاقَةِ بِانْفِتاحٍ عَلى المَرْجِعِيَّةِ المُكَوِّنَةِ لَها عَلَى أَنَّها هِيَ نَفْسُها الإِشْكال. وَالإِشْكالُ لا يَحْيا بِالبَداهَةِ أَوِ التَّقْديس، بَلْ يُسْتَوْعَبُ بِالعَرْكِ التَّفَكُّرِيِّ لَه، أَيْ بِإِعادَةِ الفَهْمِ لِما نَمْلِكُ مِنْ دونِ الارْتِهانِ لَه.
حين يصبح الفكر تقليدًا للآخر يفقد شرعيّته التاريخية والثقافية
هُنا نُرْدِفُ السُّؤالَ عَنِ الانْتِماءِ بِالسُّؤالِ عَنِ التَّجْديد؟ فَالتَّجْديدُ وَعْيٌ بِالتَّغَيُّرِ لا يَحْدُثُ تِلقائِيًّا بِقَطيعَةٍ جَذْرِيَّةٍ مَعَ الماضي وَلا بِاسْتيرادٍ آلِيٍّ لِلآخَر، وَلا بِرَفْعِ شِعاراتِ التَّحْديثِ الدارِجَةِ بِسَذاجَةٍ لا تَرْبِطُ المُقْتَضى بِالمَأْمول، بَلْ إِنَّهُ القُدْرَةُ عَلَى بَعْثِ المَعْنَى وَإِعادَةِ بِنائِهِ الحُرِّ ضِمْنَ عَمَلِيَّةٍ تُتيحُ فُرْصَةَ الوَعْيِ الإِبْداعيِّ انْطِلاقًا مِنْ مُعْطَياتٍ سابِقَة، لٰكِنْ في أُفُقِ أَسْئِلَةٍ راهِنَة. التَّجْديدُ فِعْلُ تَأْويلٍ لا يُمْكِنُ إِلّا أَنْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ المُسْتَقْبَل.
يُمْكِنُنا القَوْلُ إِنَّ التَّجْديدَ بِلا انْتِماءٍ هُوَ فِعْلُ اغْتِراب، ذلِكَ أَنَّ مُشْكِلَةَ الانْتِماءِ تُحيلُ نَفْسَها إِلَى وَضْعِيَّةٍ لا تَتَزَمَّنُ، أَيْ لا تُوَثِّقُ جُهْدَها الفَريدَ في فَهْمِ العالَم، بَل تَعيشُ تَجْرِبَةَ الآخَرينَ بِلا فَهْم. فَحِينَ يُصْبِحُ الفِكْرُ تَقْليدًا لِلآخَر، يَفْقِدُ شَرْعِيَّتَهُ التَّاريخِيَّةَ وَالثَّقافِيَّة، إِذْ لا عَلاقَةَ لَهُ بِالنَّفْسِ الَّتي تَعيشُهُ مِنْ جِهَةِ الفِعْلِ الأَصيلِ في الوُجود. إِنَّهُ الفِكْرُ الصَّدى لا الفِكْرُ الصَّوْت، والفِكْرُ الصَّدى هُوَ حَداثَةٌ مُسْتَعارَةٌ لا تَتَجَذَّرُ في لُغَةٍ وَلا سِياق!.
إِنَّ الانْتِماءَ بِلا تَجْديدٍ هُوَ تَكْريسٌ لِلجُمود، إِذْ يَتَحَوَّلُ التُّراثُ إِلى مَتْحَف، وَيَصيرُ الانْتِماءُ هُوِيَّةً دِفاعِيَّةً تَغْتالُ السُّؤالَ بِاسْمِ الأَصْل. إِذًا العَلاقَةُ الصِّحِّيَّةُ بَيْنَ التَّجْديدِ وَالِانْتِماءِ هِيَ عَلاقَةٌ لا تُنْجِزُها شِعاراتُ الانْدِماجِ بِالآخَر، سَواءٌ أَكانَ تُراثًا أَوْ شَريكًا إِنْسانِيًّا في الوُجود، وَلا تُنْجِزُها القَطيعَةُ مَعَ الاثْنَيْن، بَلْ هِيَ الوَعْيُ القَصْدِيُّ بِالمَسافَةِ النَّقْدِيَّة، في كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْل.
العيش في الواقع يختلف عن وعي الواقع
وَإِذا ما تَأَمَّلنا في مَساراتِ الفِكْرِ العَرَبيِّ الحَديثِ وَالمُعاصِرِ نَلْمسُ تَعَثُّرَ مَشْروعاتِ التَّجْديدِ غالِبًا لِأَسْبابٍ عِدَّة، مِنْها أَنَّها قَرَنَتْ فَلسَفَةَ الوَعْيِ بِالعَمَلِ السِّياسيِّ الجَماهيرِيّ، كَأَنَّ هُناكَ فُرْصَةً يُمْكِنُ انْتِهازُها في إِنْفاذِ الأَفْكارِ التَّجْديدِيَّةِ الكُبْرى إِلى وِجْدانِ الجَماهير، ما يُسَرِّعُ إِحْداثَ التَّغْييرِ وَالتَّطْويرِ وَالتَّقَدُّم، وَبِالنَّتيجَةِ تَحْقيقَ الانْتِماءِ الصَّحيحِ لِلوَطَنِ وَالأُمَّةِ وَالمُجْتَمَع. وَقَدْ تَناسَتْ هٰذِهِ الحَرَكاتُ الانْفِعالِيَّةُ أَنَّ الفِكْرَ بِحَدِّ ذاتِهِ وَعْيٌ تَخَصُّصِيٌّ حُرّ، لا يُمْكِنُ مِراسُ الفِكْرِ إِلّا بِقَصْد، أَيْ بِتَشْديدِ الاهْتِمامِ وَالِانْشِغالِ بِالفِكْرَةِ وَهِيَ تَتَخَلَّق، ذلِكَ أَنَّ العَيْشَ في الواقِعِ يَخْتَلِفُ عَنْ وَعْيِ الواقِع، لِذَلِكَ إِنَّ الفِكْرَ لَيْسَ مِنِ اخْتِصاصِ النّاسِ العادِيِّين، بَلْ هُوَ عَمَلُ صَفْوَةٍ حُرَّةٍ تَقْصِدُ فَهْمَ الفِكْرِ نَفْسِه.
وَمِنَ الأَمْثِلَةِ عَلى هَذِهِ المَشْروعاتِ التَّجْديدِيَّةِ المُتَعَثِّرَةِ حَرَكاتُ الأَحْزابِ الَّتي أَتَتْ بَعْدَ الحَرَكَةِ الإِصْلاحِيَّةِ في بَداياتِ القَرْنِ العِشْرين، إِذْ سَرَّعَتِ التَّفاعُلَ بَيْنَ النّاسِ وَالأَفْكارِ الرّاهِنَةِ يَوْمَها، لٰكِنَّها لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ التَّفْريقِ الضَّرورِيِّ بَيْنَ حَرَكَةِ الفِكْرِ وَحَرَكَةِ السِّياسَةِ وَحَرَكَةِ النّاسِ العادِيّين، فَاخْتَلَّ ميزانُ تَقْويمِ مِعْيارِ فاعِلِيَّةِ الأَفْكارِ في مواكَبَةِ الفَهْمِ الحَقيقيِّ لِلواقِع، أَيْ ضَعُفَتْ فَلْسَفَةُ الفَهْمِ التَّجْديديِّ نَفْسُها، وَانْزَلَقَ مَسارُ الفَهْمِ إِمّا إِلى المُبالَغَةِ في الانْتِماءِ إِلى التُّراثِ وَمَنْظوماتِهِ الجاهِزَة، وَإِمّا إِلى مَشاهِدِ التَّجْديدِ وَسُرْعَةِ نُفاذِها إِلَى الواقِع.
ليس بالإمكان بناء الفهم الجديد للانتماء إلا بتجويد العلاقة بين الإنسان والفكر
لا بُدَّ مِنْ إِنْقاذِ التَّجْديدِ في التَّفْكيرِ الدّائِمِ بِالِانْتِماءِ إِلى الواقِعِ الحَدَثيِّ لَيْسَ كَقَدَرٍ حَلَّ بِنا، بَل كَلَحْظَةٍ يُمْكِنُ تَجاوُزُها. هَذا الفَهْمُ الهادِئُ يُنْجِزُ إِنْضاجَ الفِعْلِ التَّجْديدِيِّ انْبِثاقًا في حَرَكَةِ الانْتِماءِ الحَيِّ الواعي. فَالعَلاقَةُ بَيْنَ التَّجْديدِ وَالانْتِماءِ لَيْسَتْ عَلاقَةَ تَعارُض، بَل عَلاقَةَ شَرْطٍ مُتَبادَل، حَيْثُ يُشَكِّلُ الانْتِماءُ مِحْوَرَ التَّفْكير، وَيَمْنَحُ التَّجْديدُ هَذِهِ المِحْوَرِيَّةَ أُفُقًا عَمَلِيًا، يَجْعَلُ العَمَلَ فُرْصَةَ انْطِلاقٍ جَديدٍ قِوامُها الإِنْسانُ الَّذي يَعْمَلُ نَفْسُه.
لَيْسَ بِالإِمْكانِ بِناءُ الفَهْمِ الجَديدِ لِلِانْتِماء، بِما هُوَ مَنْظومَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ في العَيْشِ الهَنيء، إِلّا بِتَجْويدِ العَلاقَةِ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالفِكْر، وَبِإِقامَةِ المُؤَسَّساتِ الَّتي تَرْعى تَظْهيرَ الفِكْرِ في الواقِع. لا بُدَّ مِنْ تَشْييدِ بُيوتٍ تُتيحُ صِناعَةَ الفِكْر، فَالعَيْشُ الجَديدُ لا يَعْني لُبْسَ الثِّيابِ الدارِجَةِ وَاقْتِناءَ الهَواتِفِ الحَديثَةِ وَالمُخاطَبَةَ الرَّطينَةَ بِلُغَةِ الآخَر، بَل هُوَ القُدْرَةُ عَلَى الاشْتِراكِ في تَنْظيمِ العَلاقَةِ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالأَشْياءِ، وَالفَصْلِ الواعي بَيْنَ السِّلعَةِ وَالوَسيلَةِ وَالأَداةِ الضَّرورِيَّةِ لِسَدِّ الحاجاتِ وَتِلكَ الفائِضَةِ الَّتِي تَرْهَنُ المَرْءَ بِالمُكوثِ تَحْتَ سَطْوَةِ الكَمالِيّات.
(خاص "عروبة 22")

