ما طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟! هذا السؤال يتكرر طرحه كثيرًا، ويعتقد كثيرون أن إسرائيل تظل مجرد تابع للولايات المتحدة، في حين أن آخرين يقولون إن إسرائيل نجحت ولأسباب متعددة في جعل مصالحها متشابكة مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية للدرجة التي تضغط فيها أحيانًا على صناع القرار الأمريكيين؟ وبين هذين الرأيين هناك عشرات الآراء والأفكار لكن جميعها يؤكد أن العلاقات بينهما متينة وقوية، ويسهل كسرها إلا بوجود عوامل زلزالية، هي نفسها تحتاج إلى تراكم ووقت طويل وتغير في المزاج الشعبي الأمريكي يقود بدوره إلى تغير صناع القرار واللوبيات المختلفة.
إلكسندر هيج الجنرال الأمريكي المعروف، والذي كان كبيرًا لموظفي البيت الأبيض خلال رئاسة ريتشارد نيكسون (1973- 1974) وقائدًا لحلف شمال الأطلسي "الناتو" وتولى وزارة الخارجية الأمريكية عام 1981، ينسب إليه القول: "إسرائيل هي حاملة الطائرات الأمريكية في الشرق الأوسط، التي تخوض حروبنا من دون مشاركة أي جندي أمريكي". والمعروف أن المستشار الألماني فريدريش ميرتز وفي نوبة صراحة استثنائية قال في 17 يونيو الماضي عبارة صادمة عقب الهجوم الإسرائيلي على إيران: "إن إسرائيل تقوم بالعمل القذر.. من أجل الغرب جميعًا".
ووافقه في ذلك سفير إسرائيل لدى برلين، رون بروسور، قائلًا: "إن ميرتس وصف واقع الشرق الأوسط بشكل صحيح". وربما لهذا السبب ولأسباب أخرى دينية واقتصادية وإعلامية وسياسية فإن الولايات المتحدة، ومعها الغرب تمدّ إسرائيل بكل أنواع الأسلحة وتضمن تفوقها النوعي على كل بلدان المنطقة، وتدخلت في لحظات فاصلة لإنقاذها من خطر الزوال كما حدث في حرب أكتوبر 1973، ولولاها ما تمكنت إسرائيل من تدمير قطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا ومهاجمة إيران وفي النموذج الأخير شاركت واشنطن فعليًا في الحرب ضد إيران.
حتى عام 1998 كانت إسرائيل تحصل على مساعدات عسكرية أمريكية مقدارها 1.8 مليار دولار سنويًا ستقفز إلى 3.8 مليار دولار بعد عامين، هذه المبالغ السنوية لا تشمل ما تقدمه الولايات المتحدة في أوقات الطوارئ، وطبقًا لصحيفة هآرتس فإن الولايات المتحدة قدمت 32 مليار دولار كمساعدات لإسرائيل طوال العدوان على غزة من 7 أكتوبر 2023 حتى 10 أكتوبر 2025. وهذا المبلغ لا يشمل تكاليف العمليات العسكرية الأمريكية في اليمن وإيران، كما حولت واشنطن 21.7 مليار دولار للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، ووافق مجلس الشيوخ على مساعدات أمريكية خاصة بقيمة 26 مليار دولار.
وهناك تقديرات تقول إن الولايات المتحدة قدمت مساعدات لإسرائيل منذ زرع الأخيرة فى المنطقة عام 1948 حتى الآن تبلغ 174.9 مليار دولار كمساعدات مباشرة سنوية، ويرتفع المبلغ إلى نحو 310 مليارات دولار إذا تمت إضافة نسبة التضخم. لا توجد دولة في العالم أجمع تقدم لها أمريكا هذه المساعدات السخية، كما تفعل مع إسرائيل.
ثم إن كبار أثرياء يهود أمريكا يقدمون مساعدات وتبرعات سخية ليس فقط لإسرائيل، لكن لغالبية المرشحين سواء للرائاسة الأمريكية أو كبار مرشحي الكونغرس، سواء للرئيس ترامب أو للحزب الجمهوري، الأمر الذي سدده ترامب لاحقًا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس أو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، والدعم المفتوح لإسرائيل في عدوانها على كامل المنطقة.
مرة أخرى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية شديدة التداخل والتعقيد، ويصعب اختزالها في عامل أو عنصر واحد، وتمكنت إسرائيل خلال العقود الأخيرة من ضمان التأثير على مجمل السياسات الأمريكية سواء كانت الإدارة ديمقراطية أو جمهورية. وقد رأينا أن نفوذ رئيس الوزراء الإسرائيلي في الكونغرس أقوى أحيانًا من نفوذ الرئيس الأمريكي نفسه، ونموذج ذلك ما فعله نتنياهو في ولايتي باراك أوباما وجو بايدن.
السؤال: هل هذه العلاقة المتينة أبدية؟
الإجابة هي لا. لكن هذا التغير صعب أن يتم بين يوم وليلة، والرهان يكون بأن يستغل العرب مصالحهم مع أمريكا أولًا، وأن يستمر تنامي الأصوات الأمريكية خصوصًا من الشباب المناهض للسياسات العدوانية الأمريكية، وأن ينعكس ذلك على التمثيل في الكونغرس والإعلام ومركز البحث. وإلى أن يحدث ذلك فسوف تظل إسرائيل اللاعب الأكثر تأثيرًا في السياسة الأمريكية بشأن منطقتنا. وبالتالي على العرب إدراك الحقيقة المرة، وهي أنهم يواجهون أمريكا وليس إسرائيل فقط!
(الشروق المصرية)

