صحافة

"المشهد اليوم".. مخاوفُ مِن تَجَدُّدِ حربِ لبنان واشتباكاتُ حَلَب إلى الواجِهة!وزير الخارجية الإسرائيلي يَعتبرُ فلسطين "دولةً افتراضية"... وترامب يبحثُ "شِراءَ" غرينْلانْد


من حركة النزوح الواسعة عقب تجدّد الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات "قسد" في حلب (رويترز)

يكادُ المرءُ يشعر بأنه في "فيلم طويل" من كثرة الأحداث المتسارعة والتي تؤكد أننا أمام وقائع جديدة وأن ما يجري سيكون له ارتدادات على المنطقة برمتها. فمن ايران التي تتوسع فيها التظاهرات وحركة الاحتجاجات وسط تهديدات أميركية واسرائيلية بالتدخل و"الاستثمار" في هذه التحركات إلى سوريا حيث الاشتباكات العنيفة المتجددة مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في حلب والتي أعادت "شبح" الهروب والتهجير فلبنان غداة تهديدات تل أبيب اليومية بتجدّد الحرب والحصول على ضوء أخضر أميركي في هذا الإطار بهدف ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة اللبنانية للانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية سحب السلاح.

وهذه التطورات تترافق مع المخططات الأميركية المرسومة، والتي بدأت خلال العملية العسكرية "الخاطفة" في فنزويلا بهدف السيطرة على خيرات البلاد، من نفط ومعادن نادرة، ولكنها لم تنتهِ هناك وسط التصريحات الأميركية اليومية حول غرينلاند بحجة الحفاظ على الأمن القومي. ولكن الأسباب الحقيقية تبدو أبعد من ذلك لأنها أيضًا تعتبر غنية بالموارد الطبيعة التي تضع واشنطن عينها عليها بهدف تقوية نفوذها وسيطرتها على حساب تقويض أي دور روسي وصيني. وكان "صادمًا" حديث المتحدثة باسم ⁠البيت الأبيض ​كارولين ‍ليفيت التي لفتت إلى أن الرئيس دونالد ترامب ⁠وفريقه المعني بالأمن القومي يبحثون بجد إمكانية شراء ​الولايات ‌المتحدة لغرينلاند، مما يطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل حلف "الناتو" ويُعيد رسم العلاقات بين الدول المنضوية في هذا الحلف والولايات المتحدة، التي تضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات والمعاهدات، بل وتجدّد التبرير المناسب لأفعالها التي تكرس فيها مبدأ موحد "الحكم بالقوة".

وما يقوم به ترامب من تجاوزات صريحة يصب في صالح اسرائيل التي تعمل على تغيير وجه الضفة الغربية من خلال مشاريع الاستيطان التي تتزايد يومًا بعد يوم كما عبر المماطلة في الالتزام ببنود المرحلة الاولى من اتفاق غزة والحيلولة دون الانتقال للمرحلة الثانية وربطها بالعديد من المسائل، فحينًا تضع حجة استعادة جثة أخر أسير اسرائيلي وحينًا أخرى تنذرع بسلاح حركة "حماس" وأولوية نزعه، فيما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السعي إلى ما أسماه "إعادة النقب إلى دولة إسرائيل". وتعزّز قوات الاحتلال من نفوذها وتُحكم سيطرتها في وقت ترفع سقف التهديدات وترفض الالتزام بإتفاق وقف النار في لبنان، الذي بات في "خبار كان"، لاسيما بعدما كشفت "هيئة البث الإسرائيلية"، مساء الأربعاء، أن نتنياهو أبلغ وزراء حكومته بأن الرئيس ترامب منح إسرائيل "الضوء الأخضر" لشنّ هجوم على لبنان بسبب رفض "حزب الله" تسليم سلاحه.

تزامنًا، شهد يوم أمس العديد من الخروقات والانتهاكات الاسرائيلية التي طالت مناطق جنوبية عدة، وتحليق مكثف للطيران المعادي فوق الجنوب وبيروت والضاحية الجنوبية، في وقت عقدت لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية "الميكانيزم" اجتماعها في رأس الناقورة. واقتصر الاجتماع هذه المرة على التشكيلة الأساسية للجنة العسكرية المؤلفة من ممثلين عن الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي وضباط أميركيين وفرنسيين، فضلا عن قائد "اليونيفيل". ولا تأبه تل أبيب لهذه المفاوضات أو محاولات التوصل لإتفاق خاصة أنها تبتكر الحجج من أجل الاستمرار في الضربات والغارات بذريعة القضاء على "حزب الله"، الذي تتهمه بإستعادة بنيته وتنظيم صفوفه. في غضون ذلك، تبرز الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت واللقاءات التي سيعقدها، دون أن نغفل أن هناك العديد من قنوات التواصل المفتوحة بين طهران وعواصم عربية، ومنها القاهرة، سعيًا وراء التوصل إلى تسوية ما حول لبنان.

ولا تزال معالم هذه التسوية غير واضحة خاصة أن اسرائيل ليست في وارد الموافقة أو تقديم أي تنازلات، خاصة بعد ما حققته خلال العامين الماضيين، بينما تواصل اعتماد سياسة مزدوجة في سوريا. ففي حين يعقد وفدها اجتماعًا وصف بـ"البنّاء" من أجل التوصل لاتفاق أمني مع سوريا برعاية أميركية، أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلت في محيط تل الأحمر الشرقي، الواقع في الريف الجنوبي لمحافظة القنيطرة، حيث قامت برفع علمها فوق التل. ويُعد هذا التوغل جزءًا من سلسلة انتهاكات يومية تقوم بها القوات الإسرائيلية ما يضع أكثر من علامة سؤال حول نوايا تل أبيب التي أعلنت مرارًا بأنها لن تتنازل عن المكاسب التي حققتها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وتدفع دمشق نحو ترتيبات مع اسرائيل بهدف ضبط الأوضاع خاصة أنها تقع تحت ضغط الداخل "المشتعل" في اكثر من مكان نتيجة غياب الثقة والرؤية المشتركة. وتتجه الأنظار نحو مدينة حلب، وتحديدًا حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والمواجهة التي اندلعت فيهما بين الجيش السوري من جهة وقوات "قسد" من جهة أخرى.

وأظهرت الصور المتداولة حجم النزوح الكبير من قبل العائلات والأهالي، لاسيما بعد إعلان الحكومة حيي الشيخ مقصود والأشرفية منطقة عسكرية مغلقة، ودعت المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع "قسد". ويتبادل الجانبان الاتهامات، في وقت فشلت الاجتماعات التي عُفدت بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي في التوصل لأي نتائج ملموسة بهدف تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس. بدورها، أعلنت تركيا أنها لن تسمح لـ"قوات سوريا الديمقراطية" بالتجذر في المنطقة. وقال وزير الدفاع التركي يشار غولر أن بلاده لن تسمح لأي تنظيم إرهابي، وخصوصًا حزب "العمال الكردستاني" وحزب "الاتحاد الديمقراطي" و"وحدات حماية الشعب" الكردية، التي تُشكل أكبر مكونات "قسد"، بالتجذر أو ترسيخ وجودها بالمنطقة. وتعتبر أنقرة لاعبًا أساسيًا في سوريا خاصة بعد الإطاحة بالنظام السابق وأيضًا دعوتها المستمرة من أجل تحقيق اندماج هذه القوات بالجيش السوري حفاظًا على مصالحها الأمنية والاستراتيجية.

والمخاطر المحدقة في سوريا كبيرة، خصوصًا أن هناك عدة جهات تريد للفوضى أن تعمّ أرجائها وأن تبقى في حالة من العجز، ولاسيما من قبل فلول النظام السابق الذين لم يستسيغوا بعد خسارة السلطة والنفوذ. وعلى الرغم من أن دمشق أغلقت صفحة الماضي وقررت السيّر في تحسين علاقتها الخارجية ولكن العلاقة مع ايران لم تشهد أي تطورات تُذكر، على نقيض ما جرى مع الصين وروسيا. وربما حتمية المصالح هي التي تحرك حكومة أحمد الشرع، بينما تعيش ايران أيامًا في غاية الخطورة مع الاستمرار في المظاهرات تنديدًا بغلاء الأسعار وإنهيار سعر العملة الوطنية. وفي أخر التفاصيل الواردة، أصدر الرئيس مسعود بزشكيان توجيهات تقضي بمنع اللجوء إلى التعامل الأمني مع المواطنين المحتجين حرصًا على عدم المساس بالأمن القومي، في وقت واصل فيه رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي تصعيد لهجته، محذرًا من عدم إبداء أي تساهل مع من وصفهم بـ"مثيري الشغب" و"مساعدة العدو"، ومتهمًا واشنطن وتل أبيب بالسعي إلى زعزعة الاستقرار. والاختلاف في طريقة التعاطي مع ما يجري يُعقد المشهد الداخلي في طهران ويزيد من غموض المرحلة القادمة.

على المقلب الأخر، شهدت الساحة السياسية اليمنية تحولًا دراماتيكيًا بعد هروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي من البلاد، وسيطرة القوات التابعة للحكومة والتحالف العربي على كافة محافظات الجنوب. ومن دون معرفة حقيقة مكانه حتى الساعة، اختفى الزبيدي من المشهد بشكل درامي حيث كان مقررًا أن يتوجه إلى المملكة العربية السعودية لحضور مفاوضات سياسية لكنه لم يظهر. في الأثناء، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، مساء أمس، حزمة قرارات، شملت إقالات وإحالات للتحقيق وتعيينات جديدة في مواقع عسكرية وأمنية ومحلية حساسة، في خطوة تؤكد وجود توجه واضح نحو ضبط مؤسسات الدولة. هذا وتتوالى التحركات العربية والإسلامية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي في الصومال، حيث قررت منظمة التعاون الإسلامي عقد اجتماع وزاري، السبت، لبحث سبل مواجهة ذلك. وتصدّرت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى "أرض الصومال"، وهي الأولى منذ إعلان تل أبيب الاعتراف بالإقليم، في خطوة تثير الكثير من المخاوف حول مخاطرها وتداعياتها. يُذكر أن ساعر سخِر من دولة فلسطين، واصفًا إياها بأنها "دولة افتراضية". وقال إنه "على عكس فلسطين، فإن أرض الصومال ليست دولة افتراضية. إنها دولة قائمة وفعالة"، على حدّ قوله.

دوليًا، الأمور تسير نحو المزيد من التدهور على أكثر من صعيد. ففي ما يتعلق بفنزويلا، أكد الرئيس الأميركي أن كراكاس ⁠وافقت ​على ‌استخدام عائدات بيع نفطها لشراء سلع أميركية ⁠الصنع ‌فقط. في حين كشف وزير الخارجية ماركو روبيو عن أن الولايات المتحدة لديها خطة مكونة من 3 خطوات لفنزويلا بعد العملية العسكرية الأخيرة، تبدأ بإعادة الاستقرار للبلاد، ثم الإشراف على انتعاش الاقتصاد والمجتمع، وأخيرًا مرحلة الانتقال السياسي. وفي سياق متصل، أكد روبيو أن المسؤولين الفنزويليين يتعاونون مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بناقلة النفط التي تم احتجازها في البحر الكاريبي، موضحًا "أنهم يدركون أن نقل النفط والحصول على الإيرادات وتفادي الانهيار الاقتصادي لا يمكن أن يتم إلا من خلال التعاون مع واشنطن". ويأتي ذلك بعد أن صرح مسؤولون أميركيون لوكالة "رويترز"، في وقت سابق، بأن الولايات المتحدة استولت على ناقلة نفط تدعى "مارينيرا" وترفع العلم الروسي في شمال المحيط الأطلسي قرب آيسلندا.

في سياق متصل، لفت الرئيس ترامب إلى أن هناك ​ترتيبات تجري ‍لعقد لقاء مع الرئيس الكولومبي غوستافو ⁠بيترو في البيت الأبيض بواشنطن، وذلك بعد أيام فقط من تهديده كولومبيا بإمكانية شنّ عملية عسكرية وردّ الأخير بالتعهد بحمل السلاح. ويحاول ترامب أن يكون له الكلمة الفصل خاصة أنه يتحدث في كل تصريحاته عن أنه كان له الفضل في إنهاء 8 حروب "بمفرده"، في وقت لا تزال الحرب الأوكرانية المتواصلة غير واضحة متى وكيف ستنتهي. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن أنه لم يحصل بعد على إجابة واضحة من حلفائه الأوروبيين حول كيفية الدفاع عن كييف في حال شنّت روسيا هجومًا جديدًا بعد التوصل إلى اتفاق محتمل لإنهاء القتال.

وفي جولة اليوم على الصحف العربية إليكم موجزٌ حول أبرز ما تناولته:

أشارت صحيفة "الخليج" الإماراتية إلى أنه "وعلى الرغم من أن إعادة فتح معبر رفح تقع ضمن استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق غزة، فإنها تحولت إلى معضلة حقيقية بسبب المماطلة الإسرائيلية في تلبية هذا الاستحقاق، ومحاولات توظيفه في خنق الفلسطينيين داخل القطاع، وعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق". واضافت "تندرج هذه المماطلة تحت أسباب متعددة، منها ما يتعلق بالمزيد من الضغط وخنق سكان القطاع لمفاقمة الكارثة الإنسانية التي يعيشونها، ومنها ما يتعلق بضغوط اليمين الإسرائيلي المتطرف لمنع فتح المعبر، والانتقال إلى المرحلة الثانية، والاستحقاقات المترتبة عليها".

وتحت عنوان "هل النظام في طهران على وشك السقوط؟"، كتبت صحيفة "الغد" الأردنية "الأطراف الإقليمية، والدول المجاورة لإيران، غير متحمسة إطلاقا لدعم خطط إسقاط النظام الإيراني. وترى في خطوة كهذه مغامرة ستأخذ أمن المنطقة والإقليم إلى المجهول، في غياب بديل قادر على حفظ وحدة طهران واستقرارها بعد "الجمهورية الإسلامية"، معتبرة أن " الضغط من أجل التغيير في إيران؛ خارجيا وداخليا، ربما يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف مؤسسات الحكم أكثر، وتأكل سلطتها، وفقدان شعبيتها لدى فئات اجتماعية. وذلك قد يؤدي في نهاية المطاف لحالة من الفوضى والهشاشة الداخلية".

أما صحيفة "اللواء" اللبنانية، فشددت على أن " الاتفاق الامني بين سوريا واسرائيل، ستكون له حكمًا تداعيات سياسية سلبية على لبنان، اذا بقيت حالة التباطؤ والارباك لدى الدولة، بخصوص تسريع خطى استكمال المراحل المتبقية من نزع سلاح "حزب الله" والفصائل الفلسطينية الدائرة بفلكه مستمرة"، موضحة أن "اسرائيل ستستغله حتمًا، وتعتبره بمثابة انجاز حققته، وتنطلق منه لتطويق لبنان من خلاله، باعتباره آخر دولة عربية على تماسٍ معها، ولم يوقع اي ترتيبات امنية او اتفاق تطبيع للعلاقات معها، وتنطلق منه لتنفيذ اقصى الضغوط، بمزيد من الاعتداءات وعمليات الاغتيال والقصف ضد الحزب في اي منطقة من لبنان"، بحسب تعبيرها.

من جهتها، تحدثت صحيفة "الوطن" القطرية عن موقف فرنسا من تطورات الملف الفنزويلي، وقالت "اختلفت التحليلات وتباينت الآراء، لكن الثابت الأكيد أن السياسة الفرنسية لا تستطيع الخروج عن الخط الأميركي خاصة مع الرئيس ترامب المعروف بقراراته التي قد تؤدي إلى الإضرار بالمصالح الفرنسية في الولايات المتحدة"، ولكنها رأت أن "موقف السلطة في باريس تميّز بالحرج الكبير بين ضرورة إدانة الخرق الواضح للقانون الدولي من جهة وبين الخوف من ردة الفعل الأميركية من جهة أخرى. وهكذا حاولت السلطة الفرنسية إمساك العصا من الوسط، أمام الانتقادات الكبيرة التي وجهتها إليها المعارضة اليسارية التي وصفت عملية ترامب "بالقرصنة وبالخرق الخطير للنظام العالمي".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن