صحافة

هذه لحظة العرب بالنسبة إلى غزة

عبدالوهاب بدرخان

المشاركة
هذه لحظة العرب بالنسبة إلى غزة

إعلان دونالد ترمب أن الولايات المتحدة تريد السيطرة على قطاع غزة في "ملكية طويلة الأمد"، بهدف تهجير سكانه لإعادة إعماره، ليس مقدمة لإنشاء منتجع دولي، سياحي واستثماري، بل هو خدعة مكشوفة لـ"توسيع مساحة إسرائيل" وجعلها أكبر من "حجم رأس قلم" على خريطة الشرق الأوسط.

عدا الرفض الدولي والعربي للخطة المقترحة، هناك رأي عام مرشح للازدياد في الولايات المتحدة، حتى بين الجمهوريين، يشكك في المشروع ويلفت إلى إشكالياته القانونية والأخلاقية، كما أن هناك أصواتاً متزايدة في إسرائيل تنبه إلى أن اقتلاع السكان على هذا النحو، تحقيقاً لأهداف اليمين المتطرف، من شأنه أن يرتد سلباً على إسرائيل وأمنها، وكذلك على الاستقرار الإقليمي. غير أن ما يمكن أن يحبط استبداد هذا التوجه الأمريكي - الإسرائيلي هو إرادة عربية مصممة على إبقاء غزة أرضاً عربية لأهلها الفلسطينيين.

قال ترمب، إن أمريكا "ستتسلم قطاع غزة من إسرائيل" بعد "تنظيفه" من السكان، ومن "حماس". لكن بموجب ماذا ستتسلمه؟ بموجب أن إسرائيل احتلته بالقوة، ولأنها لا تملكه ولا تستطيع تمرير هذا الاحتلال وإدامته فإنها ترضى بنقله "مؤقتاً" إلى نفوذ الولايات المتحدة الذي يصعب نقضه بالقانون أو حتى بالقوة، على أن تكون مسؤولية الأمن فيه إسرائيلية، لأن واشنطن لا تريد نشر قوات أمريكية على الأرض، أو هذا ما تقوله الآن، كما أنها ستعهد بتمويل المشروع إلى شركات.

لكن الاحتلال لا يمنح "حق الملكية" لأحد، أما الاستعمار فينتزع هذه الملكية بالقوة الغاشمة. ما أراد ترمب قوله إن إسرائيل كانت دائماً وكيلة/ ذراعاً لأمريكا (والغرب) لكن الظروف تحتم على الجهة الأصيلة أن تكون في الواجهة وفي القيادة المباشرة. تواضع بنيامين نتنياهو حين صرح بأنه كان "على دراية عامة بخطة ترمب قبل إعلانها"، لكن يتبين أكثر فأكثر أنها فكرة إسرائيلية في الأساس وتولى جاريد كوشنر، صهر ترمب، بلورتها عام 2020 وفقاً لقواعد التطوير العقاري ثم طُويت لتعود فتظهر غداة هجمات "السابع من أكتوبر" 2023 ودخلت عليها خطط اليمين المتطرف لإعادة استيطان غزة.

وبعدما بدا كوشنير كأنه "مبتعد" أو "مُبعد" عن إدارة ترمب الثانية يتضح الآن أن ذلك كان خدعة للمجيء بمطور عقاري آخر هو ستيف ويتكوف وتعيينه مبعوثاً رئاسياً خاصاً، وهذا الأخير يتصرف حالياً كمدير تنفيذي للمشروع وهو يجري حالياً اتصالات بعيدة عن الأضواء مع دول وشركات لترغيبها في الاستثمار فيه. وإذ نُسب إلى ويتكوف دور حيوي في تسهيل اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في غزة، فإنه أيضاً أول من طالب بتعديل الاتفاق وإلغاء مرحلته الثالثة التي تنص على البحث (مع "حماس") في إعادة الإعمار، أما المرحلة الثانية فستلغيها إسرائيل بوقف المساعدات الإنسانية تدريجاً واستئناف الحرب، لأن "القضاء على حماس" أصبح الشرط اللازم والضروري للتوصل إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".

رفضت القاهرة وعمان والعواصم العربية والإسلامية كافة، كذلك الأوروبية، اقتراح تهجير سكان غزة، وبعدما طرحه ترمب في حضور نتنياهو صار الرفض أكثر حدة وجذرية، ومقترناً بالإصرار على "حل الدولتين" وإنهاء الاحتلال لإقامة دولة فلسطينية، كما أن شبهة استقبال لاجئين من غزة باتت إثماً دولياً ومشاركة في جريمة "تطهير عرقي"، منظمة وعلنية. لكن إذا استطاع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بما لديه من نفوذ وتأييد أعمى لمتطرفي إسرائيل، أن يجعل من تهجير الفلسطينيين سياسة أمريكية معتمدة، فإن الرفض الدولي لن يتمكن من إفشالها إذا ما أرفقت بضغوط وابتزازات تدفع كل دولة على حدة إلى الانكفاء صوناً لأمنها ومصالحها.

لكن الدول العربية لا خيار لها سوى السعي إلى إفشال هذا التهجير، ليس تداركاً لزعزعة الاستقرار الإقليمي فحسب، بل خصوصاً لمنع انتهاك سيادة دول المنطقة وإخضاعها لخيارات مصيرية صعبة. هذه لحظة العرب بالنسبة إلى غزة وهويتها، لأنهم أصحاب حق حقيقيون، وليس مطلوباً منهم خيار عسكري بل مشروع سياسي إعماري يتبنونه ويصرون عليه لوضع حد للأفكار الجهنمية سواء جاءت من ترمب وصهره أو من مجرمي الحرب الإسرائيليين أو من إيران وأذرعها التي استدرجت هذا الأذى التاريخي للقضية الفلسطينية.

هناك على الورق كثير من الخطط لـ"اليوم التالي" بعد الحرب، والآن يطمح ترمب ونتنياهو إلى إلغاء غزة على الخريطة لتصبح "ريفييرا الإسرائيلية"، بل يريدان تمويلاً عربياً لمشروع يقام فوق أشلاء الغزيين وجثثهم، ويكون كرمز للتطبيع النهائي في المنطقة. غير أن القول هنا هو ما قالت السعودية، فالمملكة لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون قيام الدولة الفلسطينية، وأعلنت رفضها الاستيطان وضم الأراضي ونقل السكان. هذا الرفض الذي يشاركه العرب جميعاً ينبغي أن يُرفق بخطة إعمارية ليكون خياراً آخر لا يمكن دحضه.

(الوطن السعودية)

يتم التصفح الآن