تبرز أهمية استخدام الميكنة الزراعية بشكل خاص في دورها الفعّال في استصلاح الأراضي الزراعية، خصوصًا الصّحراوية، والذي لا يمكن تحقيقه من دون استخدام الجرّارات والآلات الزراعية ذات القدرات العالية والتي لا يمكن أن تقوم بها العمالة اليدوية أو الطرق التقليدية في الزراعة.
وفي الوقت ذاته، فإنّ الأراضي الزراعية القديمة في أَمَسِّ الحاجة إلى الميكنة الزراعية لتحقيق الزيادة في الإنتاجيّة والعائد، على الرَّغم من الاختلاف في حجم وقدرة الآلات المناسبة لها، نتيجة لتفتّت الحيازات الزراعية في معظم بلدان الوطن العربي.
أصبحت الميكنة الزراعية الخيار الأهمّ للتغلّب على التحدّيات
وتختلف معدّلات استخدام الميكنة الزراعية في الوطن العربي بشكلٍ كبير بين دولٍ، مثل مصر والسودان، تعتمد الزراعة على الجمْع بين الأساليب التقليدية والميكنة الزراعية، بينما في دول الخليج يتمّ استخدام تقنيات زراعية متطوّرة تعتمد على ميكنة العمليّات الزراعية وذلك نتيجة لمحدوديّة الأراضي وندرة العمالة المحلية وارتفاع أجور العمالة الأجنبية بتلك الدول ممّا يجعل الميكنة ضرورة اقتصاديّة للقطاع الزراعي.
ونتيجةً لما يعانيه الوطن العربي من نُدرة المياه والتغيّرات المناخية وزيادة التصحّر والملوحة وتدهور التربة مع الحاجة إلى زيادة مساحة الرّقعة المُستصلحة، فقد أصبحت الميكنة الزراعية الخيار الأهمّ للتغلب على تلك التحدّيات.
من هنا قامت العديد من الدول العربية بتجارب ناجحة لتطبيق الميكنة الزراعية في مجالات الاستصلاح وتحديث الزراعة، ومن أهمّ هذه التجارب: مشروع استصلاح المليون ونصف مليون فدّان في مصر، ومشروع الزراعة الذّكية في المملكة العربية السعودية والذي يعتمد على الميكنة الزراعية الحديثة ونُظُم الاستشعار عن بُعد، وهناك أيضًا مشروع الميكنة المُستدامة في المغرب، ومشاريع استصلاح لمساحات شاسعة في السودان مثل مشروع الجزيرة، وكذلك مشروع المَزارع الذّكية في الإمارات، ومشروعات ترشيد مياه الرّي في مصر والأردن والتي أدت إلى توفير ما يقارب 50% من مياه الرّي المستخدمة في الطرق التقليدية.
على الرَّغم من تلك المشاريع، ما زالت نسبة تطبيق الميكنة الزراعية في معظم الدول العربية لا تتجاوز 30% مِن المستهدَف، ويرجع ذلك إلى العديد من التحدّيات، أهمّها ارتفاع أسعار الآلات الزراعية والتي يتمّ استيرادها بالعملات الصعبة بالإضافة إلى نقص الخبرات والتأهيل للعمالة الفنية اللّازمة لتشغيل وصيانة تلك المعدات.
لا بد من التعاون مع المراكز البحثيّة لنقل التِّكنولوجيات الجديدة للجانب العربي وبناء خطوط إنتاج محلية
من هنا تبرز أهمية دور الحكومات العربيّة في وضع خطة استراتيجية لدعم تطبيق نُظُمِ الميكنة الزراعية، وتشجيع الاستثمارات والبرامج التمويلية والعروض المُيَسَّرة للتوسّع بها.
وعلى الرَّغم من أنّ الاستثمار في المعدّات والآلات الزراعية قد يكون مُكلفًا في البداية، إلّا أنّه على المدى البعيد يُوفّر الكثير من التكاليف ويؤدّي إلى زيادة الإنتاجيّة ما يؤكد جدوى الاستثمار في هذا المجال.
كما يجب على الدول العربية وضع خطّة لتوطين الميكنة الزراعية من خلال التصنيع المحلي للاحتياجات الأساسية من الجرّارات والآلات الزراعية على الرَّغم من التحدّيات التي تواجه مثل هذه الخطوة في ظلّ ضعف البنية التحتيّة للصناعات الثقيلة في الدول العربية بالإضافة إلى النّقص الشديد في الأبحاث والدراسات الضرورية لتطوير تقنيات وتصميمات مناسِبة للبيئة الزراعية العربية لكي تُنتج آلات ومعدّات تُنافس مثيلاتها المستوردة مع ملاءمتها للظروف المحلية مما يمنحها ميزة تنافسيّة من حيث الكفاءة والإنتاجية.
ولتحقيق ذلك لا بد من التعاون مع الشركات العالميّة والمراكز البحثيّة لنقل التِّكنولوجيات الجديدة للجانب العربي وبناء خطوط إنتاج محلية بالتعاون مع الشركات المتخصّصة.
الجدير بالذكر أنّ العديد من الدول العربية قد بدأت بالفعل في خطط لتوطين الميكنة الزراعية بالتعاون والشراكة مع بعض الشركات العالمية بهدف التصنيع المشترك للآلات والجرّارات الزراعية، فعلى سبيل المثال هناك تعاون مشترك لإنتاج الجرّارات الزراعية بن مصر وبيلاروسيا، كما أنّ هناك شراكة بين الجزائر وبعض الشركات الأجنبية لتجميع الآلات والجرّارات الزراعية.
توطين صناعة الميكنة الزراعية يمكن أن يكتسب زخمًا كبيرًا إذا تمّ عبر العمل العربي المشترك
وهناك استثمارات في تصنيع معدات الرّي الحديثة ونُظُم الذّكاء الإصطناعي في كلٍّ من الإمارات والسعودية مما يؤكّد على وعي الحكومات العربية بأهمية الميكنة الزراعية في تحديث القطاع الزراعي وتعزيز الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل جديدة.
ولكن توطين صناعة الميكنة الزراعية يمكن أن يكتسب زخمًا كبيرًا إذا تمّ عبر العمل العربي المشترك، إذ يتيح ذلك سوقًا واسعةً للشركات الوطنية والأجنبية، وهو أمر يساعد على زيادة العائد وهذا يُمثّل إغراءً كبيرًا للاستثمارات المحلية والأجنبية، ويُتيح أيضًا فرصةً لزيادة نسبة المكوّن الوطني وإنتاج معدات ملائمة للبيئات الزراعية العربية المتشابهة.
كما يمكن أن يكون هناك تعاون بين شركات من دول عربية مختلفة في تصنيع معدّات بعينها، الأمر الذي يخلق سلسلة توريد عربية في مجال الميكنة الزراعية وهو ما سيقلّل من تأثير مشكلات الاستيراد ويوفِّر العملات الأجنبية ويتيح المجال لفرص عمل محلية.
(خاص "عروبة 22")