اقتصاد ومال

لماذا لا يتّحد العالم أمام "عصا ترامب" الاقتصادية.. وما هي خيارات العرب؟

تلوّح إدارة دونالد ترامب بعصاها الاقتصادية الغليظة يمينًا ويسارًا مهدِّدةً بفرض عقوبات صارمة على حلفائها وخصومها على السّواء ضاربةً عرْض الحائط بالتوافقات والاتفاقيات الدولية ومن دون اكتراث بالعواقب. وعلى الرَّغم من أنّ النّاتج المحلي الأميركي يشكِّل نحو ربع النّاتج العالمي الإجمالي، مع ذلك تهدّد واشنطن أو تعاقب بالفعل معظم اقتصادات الثلاثة أرباع الباقية بما فيها الاتحاد الأوروبي الذي يُمثّل خُمْس النّاتج المحلي العالمي والصّين التي تحوز نحو سُدْسِه!

لماذا لا يتّحد العالم أمام

ما مصدر هذا الجبروت الأميركي، ولماذا تبدو كل القوى الرئيسية ضعيفة أمام واشنطن، ولا تحاول التنسيق فيما بينها لمواجهة هذا الاستقواء؟

هذا الاستقواء الأميركي وراءه مزيج من العوامل السياسية والاقتصادية؛ أوّلها أنّ واشنطن نجحت منذ عهد بايدن في تقسيم العالم لفسطاطَيْن، فالاتحاد الأوروبي قطع علاقاته مع روسيا بسبب حرب أوكرانيا، كما جرّته واشنطن لمعركتها مع الصّين، والتي تحوّلت من شريك لأوروبا ومنقذ لها خلال أزمة 2008 المالية إلى غريم تفرض عليه القيود.

واشنطن تمسك اقتصادات العالم الكبرى من نقاط ضعفها

وانضم لهذا الموقف العديد من الدول الآسيوية التي تخشى الصّعود الصيني مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وحتّى بعض دول جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا والفيليبين على الرَّغم من شراكتها الاقتصادية مع بكين.

وبالتّالي فلا يمكن تصوّر أنّ أيًّا من هذه الدول ستنسِّق فيما بينها ضدّ العقوبات الأميركية.

على الجانب الاقتصادي، فعلى الرَّغم من أنّ العالم يشهد تعدّدًا بالأقطاب الاقتصادية، لكنّ واشنطن تمسك اقتصادات العالم الكبرى من نقاط ضعفها، كما أنّ بعض نقاط ضعف أميركا تحوّلت لميزات.

فأولى عيوب الاقتصاد الأميركي هي العجز الهائل في الميزان التجاري الذي ارتفع بنسبة 17.0% العام الماضي ليصل إلى 918.4 مليار دولار، ولكن هذا يعني ببساطة أنّ كل القوى الاقتصاديّة الكبرى باستثناء روسيا (وبصورة أقلّ فرنسا) تعتمد بشكل كبير على التصدير لأميركا وتحقّق معها فوائض تجارية، وبالتالي ستكون خسائرها كبيرة إذا دخلت في حرب تجارية مع واشنطن وستضطر أغلبها للرّد بشكل محدود على الإجراءات الأميركية مثلما فعلت الصّين، كما أنّ بعض صادرات واشنطن يصعب الاستغناء عنها مثل التِّكنولوجيا وخدماتها وصادرات الطاقة لأوروبا.

خزائن واشنطن تكتنز جزءًا كبيرًا من ثروات الكتل الاقتصادية الرئيسية في العالم

وعلى الرَّغم من وصول عجز الحساب الجاري الأميركي الذي يضمّ العجز بالتجارة الدولية والتدفّقات الرأسمالية، لمستوى قياسي في الربع الثالث لعام 2024، بقيمة 310.9 مليارات دولار، فإنّ دور الدولار المركزي يعني أنّ العالم يواصل تمويل العجوزات الأميركية عبر شراء السندات الأميركية، مما يجعل خزائن واشنطن تكتنز جزءًا كبيرًا من ثروات الكتل الاقتصادية الرئيسية في العالم. وفي الوقت عينه، فإنّ أميركا تستطيع التلويح بسلاح الدولار والعزل عن النظام المصرفي العالمي في وجه أي دولة تتمرّد عليها، كل ذلك في ظلّ غياب إرادة جماعية عالمية لإيجاد بديل للدولار بسبب العوامل السّابق ذكرها.

بل إنّ المفارقة أنه كلما تسبّبت السياسة الأميركية بتوتّرات اقتصادية مع الشركاء تزداد قوة الدولار باعتباره أبرز الملاذات المالية الآمنة وباعتبار الاقتصاد الأميركي مركز العالم المالي وأحد أكثر اقتصادات العالم قدرةً على تحمّل الحروب التجارية بالنّظر لتنوّع موارد البلاد.

من الناحية السياسية، فحتّى خصوم واشنطن ليس لديهم إرادة للتوحّد ضدّها، فروسيا معاقَبة بصرامة بالفعل بينما عيونها معلّقة بأمل تخفيف العقوبات بعد بدء ترامب التفاوض معها حول إنهاء حرب أوكرانيا، وإيران تتعرّض لموجة تشديد للعقوبات من دون أن ينقذها أحد، أمّا الصين فهي تستغلّ العقوبات لشراء النفط الرّخيص من موسكو وطهران، ولكن عندما تظهر واشنطن غضبها تُبدي بكين استعدادها للالتزام بالعقوبات الأميركية ضد البلدين، فهي ليست مستعدةً لخسارة شريكها الأكبر المتقلّب لصالح شريكَيْن أصغر ومضمونين (أو غير مضمونين وفق السياق) في الوقت ذاته.

إدارة ترامب تركّز على ابتزاز الشركاء والحلفاء في ظلّ ميْلها للنهج التقليدي بالتفاهم مع القوي واستهداف الضعيف

فمَواطن قوّة أميركا ليست نابعةً من عوامل داخلية فقط، بل من غياب ترتيب دولي منافس للمنظومة التي تقودها وعدم رغبة وقدرة شركاء واشنطن الكبار من المنافسين والحلفاء على السّواء على المخاطرة بالرّد عليها أو تغيير الترتيبات لأنهم منقسمون ولا يثقون ببعضهم، كما أنّهم مستفيدون من الترتيب الاقتصادي الحالي أو مضطرّون له.

وعلى الرَّغم من أنّ المعادلة الحالية القائمة على حرّية التجارة وحركة رأسمال قادتها واشنطن منذ عقود، لكنّ الأميركيين قرروا تعظيم مكاسبهم على حساب شركائهم، بتغيير المعادلة، وهم يعرفون صعوبة خلق ترتيب جديد، بل إنّ دونالد ترامب استهلّ رئاسته بتوجيه تهديد صارم لدول "بريكس" إذا قدّمت بديلًا للدولار.

والغريب أنّ إدارة ترامب تركّز حتى الآن على ابتزاز الشركاء والحلفاء أكثر من الخصوم في ظلّ نظرتها لهم بأنّهم أضعف وأكثر اعتمادًا عليها، وفي ظلّ ميْلها للنهج الأميركي التقليدي بالتفاهم مع القوي واستهداف الضعيف.

وعلى الرَّغم من طرح ترامب لمشروعه الصادم للاستيلاء على غزّة، فإنّ العرب لم يتأثروا حتى الآن بنيران حروبه الاقتصادية، كما أنّه عادةً يقول إنّ دول الخليج ومصر من حلفائه المفضّلين.

يجب تخفيض نسب استثمارات الصناديق السيادية العربية في الغرب ولا سيما في أميركا وتوجيه جزء منها للأسواق الناشئة

ولكن لا يمكن ضمان الشطط الأميركي، ولذا فالعالم العربي بحاجة لتأمين نفسه من هذا الشطط المحتمل، والنّزعات الأميركية المتطرّفة التي لا تستثني أحيانًا أحدًا من العرب عندما تنفجر، وكذلك من تداعيات الحروب التجارية المنتظرة.

يتطلّب ذلك تخفيضًا تدريجيًّا لنسب استثمارات الصناديق السيادية العربية في الغرب ولا سيما في أميركا، بخاصّة أنّ تجربة تجميد الأرصدة الروسية وبعض التهديدات التي سبق توجيهها لدول الخليج يجب أن تظلّ ماثلة بالأذهان، ولذا يجب توجيه جزء من هذه الاستثمارات للأسواق الناشئة، وهو اتجاه ساهم في تحقيق الصندوق السيادي النروجي لأرباح قياسية مؤخّرًا.

كما يمكن جلب بعض هذه الاستثمارات إلى العالم العربي ضمن خطة تكامليّة لتعزيز الأرباح والاستفادة لكلّ الدول العربية، على سبيل المثال يمكن ضخّ استثمارات في عدّة دول عربية لبناء صناعة للسيارات وسلسلة توريد عربية في هذا المجال بالتزامن مع خلق سوق مواتية للسيارات المصنّعة عربيًا.

إنّ عودة الاستثمارات العربية يمكن أن يصاحبها تحويل حواضر دول الخليج لمراكز مالية قوية مثل نيويورك ولندن وسنغافورة اعتمادًا على ملاءتها المالية القوية، مع تحويلها لمنصات لتوجيه الأموال للدول العربية ذات الميزة في الاستثمار الصناعي مثل مصر والمغرب.

ويتطلّب هذا الترتيب تعزيز دور صندوق النقد العربي في توفير الدعم النقدي للدول العربية غير النفطية في ظلّ احتمال تحوّل صندوق النقد الدولي بأي لحظة لأداة للابتزاز الأميركي في قضايا مثل تهجير الفلسطينيين من الضفة وغزّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن