يمرّ لبنان كما المنطقة في ظروف سياسيّة وتبدلات ترخي بظلالها على المشهد العام وذلك على وقع التمدّد الاسرائيلي والضوء الاخضر الاميركي ومشاريع التهجير التي شكلت منعطفاً جديداً يعايشه أهل الضفة الغربية المحتلة اليوم بعد حرب غزّة الاخيرة وإمكانية استئناف القتال وانهيار الهدنة الهشّة رغم كل المحاولات الى "إنعاشها" وصولاً الى "استنفار" العرب وتأكيدهم على جوهرية القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين دون الموافقة على كل مشاريع إقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وهو ما ستؤكده قمة القاهرة الموسعة الأسبوع المقبل.
وإزاء هذه التطورات، أتى تشييع "حزب الله" لأمينه العام السابق حسن نصرالله وخليفته هاشم صفي الدين في مأتم شعبي واسع، حيث غصت مدينة كميل شمعون الرياضية بمناصري الحزب ومؤيديه كما بالوفود التي أتت من الخارج، ومعظمها من دول تنضوي تحت "محور المقاومة"، كالعراق واليمن كما ايران التي تقدمت المشيعين بمشاركة وفد رسمي ضم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير خارجية طهران عباس عراقجي و40 نائباً. وقد رفعت الاجهزة الامنية مستوى التدابير واتخذت الاجراءات اللوجيستية اللازمة التي أسهمت بضمان الامن وعدم حصول أي اشكالات او توترات.
حشود وحضور موسع أتى على وقع الدعوات للمشاركة بكثافة بعد الخسائر التي مُني الحزب بها ولاسيما على المستوى القيادي جراء الحرب الاسرائيليّة الاخيرة. تشييع أراده الحزب "استفتاءً شعبياً" للتأكيد على وجوده وحيثيته وإصراره على استكمال المسيرة بعدما رفع شعار "إنا على العهد"، وهو ما تعهد به الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، في كلمة مسجلة، مشدداً على استكمال الطريق الذي خطه نصرالله "ولو قُتلنا جميعاً، ولو دُمِّرت بيوتنا على رؤوسنا"، كما أكد العزم على إتخاذ كل الإجراءات للإفراج عن الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل. وتابع: "ثوابتنا في المرحلة الجديدة أن المقاومة أساس وهي خيارنا، ما دام الاحتلال موجوداً، وملتزمون بالمشاركة في بناء الدولة اللبنانية القوية والعادلة وتحت سقف "اتفاق الطائف".
وإذ تحدث عن صبر "حزب الله" على وقف إطلاق النار وعدم خرقه، قال: "اليوم بعد انتهاء مهلة انسحاب القوات الإسرائيليّة، فنحن أمام احتلال وعدوان". وأضاف: "نقول لأميركا: لن تأخذوا بالسياسة ما لم تأخذوه بالحرب، إذا كنتم تضغطون على المسؤولين في لبنان فلن تحققوا أهدافكم لأن المسؤولين في لبنان يعرفون موازين القوى". وتعليقاً على تشييع نصرالله، قال الجيش الإسرائيلي: "اليوم أصبح العالم مكاناً أفضل"، بينما حلّق الطيران المعادي، على علوّ منخفض في أجواء بيروت وضواحيها مع بدء مراسم التشييع. وكانت اسرائيل شنّت سلسلة من الغارات على جنوب لبنان، حيث قالت إنها استهدفت "موقعاً عسكرياً يحتوي منصات صواريخ وأسلحة ورُصد نشاط لـ"حزب الله" فيه"، إضافة إلى "منصات صواريخ كانت تشكل تهديداً وشيكاً للمدنيين الإسرائيليين".
بدوره، شدّد الرئيس اللبناني جوزاف عون، خلال لقائه وفداً إيرانياً في قصر بعبدا، أن لبنان "تعب من حروب الآخرين وإن وحدة اللبنانيين هي أفضل مواجهة لأي خسارة أو عدوان". كما أكد أن لبنان دفع ثمناً كبيراً من أجل القضية الفلسطينية، معلناً عن دعمه لما صدر عن قمة الرياض الأخيرة بالنسبة إلى حل الدولتين. يُشار إلى أن معلومات صحافية أشارت الى أن عون سيتوجه الى المملكة العربية السعودية الأحد المقبل، في أول زيارة خارجية له منذ تسلمه الرئاسة. من جهة أخرى، أفادت وكالة "فارس" الإيرانية بأن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كان قد أبدى رغبة في المشاركة في مراسم تشييع نصرالله، لكنه امتنَع عن الزيارة بسبب عدم تلقيه دعوة رسمية من السلطات اللبنانية.
وفي الشأن الفلسطيني، أعلن الجيش الإسرائيلي رفع مستوى "الاستعداد العملياتي" حول غزة، فيما لوح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالعودة الى القتال "المكثف" في القطاع "في أي لحظة"، متعهداً تحقيق أهداف الحرب "سواء عبر المفاوضات أو بوسائل أخرى". ومن المقرر أن تنتهي المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار في الأول من شهر آذار/ مارس المقبل دون الدخول في المرحلة الثانية بعد تعمد نتنياهو عرقلتها بوضعه شروطاً جديدة لاستئناف المفاوضات.
من جهته، أعلن مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف أنه سيتوجه إلى المنطقة، خلال الأسبوع المقبل، لبحث تمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار. وقال: "نأمل أن يكون لدينا الوقت المناسب لبدء المرحلة الثانية وإنهائها، وضمان الإفراج عن مزيد من الرهائن". فيما رفضت حركة "حماس" على لسان القيادي باسم نعيم إجراء "أي حديث مع العدو عبر الوسطاء في أي خطوة قبل الإفراج عن الأسرى المتفق على إطلاق سراحهم مقابل الأسرى الإسرائيليين الستة"، الذين تم الافراج عنهم يوم السبت الماضي. وكان البيت الأبيض أيد في بيان للمتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي بريان هيوز قرار اسرائيل بعدم اطلاق سراح أكثر من 600 أسير فلسطيني، معتبراً أنه "الرد المناسب" على معاملة "حماس" للرهائن. وأضاف أن الرئيس ترامب مستعد لدعم إسرائيل في "أي مسار تختاره في ما يتعلق بـ"حماس".
تزامناً، أصدر نتنياهو، أوامر للجيش بتنفيذ عملية "مُكثفة" في الضفة الغربية بعد انفجارات وقعت في حافلات بالقرب من تل أبيب، يوم الخميس الماضي. في وقت أشار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الى أنه "حتى الآن، تم إجلاء 40 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونور شمس التي أصبحت الآن خالية من السكان"، لافتاً إلى أنه أمر القوات "بالاستعداد للبقاء في المخيمات التي تم إخلاؤها طوال العام، وعدم السماح للسكان بالعودة وعودة الإرهاب من جديد". يُذكر أن الجيش الاسرائيلي قرر نشر دبابات في جنين في إطار العملية العسكرية، وهي أول مرة تنشر فيها تل أبيب دبابات في الجزء الشمالي من الضفة منذ أكثر من 20 عاماً.
وفي إطار متصل، تحدَّث مسؤولون أميركيون عن قيام الحوثيين في اليمن بمهاجمة طائرتين أميركيتين، الأسبوع الماضي، باستخدام صواريخ أرض - جو، دون إصابتهما، وهذه هي المرة الاولى منذ عودة ترامب الى البيت الابيض. في حين ذكرت مصادر غربية أن هناك نقاشات رفيعة في الجيش الأميركي لكيفية التعامل مع التهديد الحوثي، بعدما دخل تصنيف الجماعة من قبل إدارة ترامب كـ"منظمة إرهابية أجنبية" هذا الأسبوع حيّز التنفيذ.
وعشية الذكرى الثالثة لبدء حرب أوكرانيا، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي استعداده للتنحي "فوراً" مقابل انضمام بلاده إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، موضحاً أنه يريد أن يكون الرئيس الأميركي "شريكاً لأوكرانيا وأكثر من مجرد وسيط بين كييف وموسكو". كما كشف أن بلاده وواشنطن تقتربان من التوصل إلى اتفاق بشأن الوصول إلى الموارد الطبيعية في أوكرانيا مقابل المساعدة الأمنية، مضيفاً أن مسؤولين أوكرانيين وأميركيين بحثوا ذلك في وقت سابق.
ومن المقرر أن يلتقي ترامب نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض، اليوم، ثم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الخميس، لمناقشة التطورات الأوكرانية. وتحاول الدول الاوروبية تقريب وجهات النظر بينها وبين واشنطن بعد التباعد الحاصل في مقاربة الملف الأوكراني. الى ذلك، أعلنت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ عن فرض عقوبات جديدة "هي الأكبر من حيث الحجم" منذ شباط/ فبراير 2022، وتشمل 150 شخصية وكيانا على صلة بروسيا، مجددة دعوة موسكو لإنهاء الحرب على الفور والالتزام بالكامل بواجباتها وفقا للقانون الدولي.
وتنوعت اهتمامات الصحف العربية الصادرة اليوم. وفي الجولة الصباحية على أهم المقالات والعناوين نرصد:
تناولت صحيفة "القدس العربي" مراسم تشييع نصرالله، إذ رأت أن الحزب حاول "التشبّث بماضيه الذي يجمع بين مقاومة إسرائيل، ونفوذه الكبير في لبنان، وتدخّلاته الشائكة في سوريا والمنطقة العربية"، أما الرسائل الأخرى، سواء القادمة من لبنان الرسمي، أو التي يعبّر عنها التمثيل الأقل من المطلوب من إيران وفصائلها في المنطقة العربية، فتقول إن الزمن تغيّر، وإن ما يجري هو تشييع لذلك الزمن الماضي الذي كان السيد حسن نصر الله النموذج الأكبر عليه"، على حدّ قولها.
بدورها، رأت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "حزب الله" وحليفته "حركة أمل" التي شارك مناصروها بكثافة أيضا في التشييع، أثبت ان حضورهما في الحياة العامة السياسية والشعبية ما زال قوياً، وانه لا يمكن للضغوط الأميركية والإسرائيلية أن تشطبهما من المعادلة الرسمية والسياسية والشعبية الداخلية". وقالت: "الأنظار تتجه بعد التشييع الى ما سيفعله الحزب على مستويين: الأول دوره في اللعبة السياسية الداخلية، ودوره الى جانب الدولة في تحرير الأرض المحتلة".
وشددت صحيفة "الأهرام" المصرية على أن القاهرة تدرك "من منطلق رؤيتها الإستراتيجية العميقة، أن أي محاولة لإعادة رسم الحدود الجيوسياسية عبر التهجير القسري لن تحقق الاستقرار، بل ستؤدي إلى مزيد من الفوضى الإقليمية، وهو ما يتناقض مع المصلحة المصرية التي تقوم على تثبيت حل الدولتين كمسار وحيد لتحقيق السلام العادل والدائم"، موضحة أن "رفض مصر القاطع لمخططات التهجير القسري يعكس التزامها الراسخ بمسؤولياتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وحرصها على الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع أي محاولات لطمس الهوية الفلسطينية".
وفي السيّاق، اعتبرت صحيفة "الدستور" الأردنية أن "القضية الفلسطينية تواجه أكبر تهديدا لها منذ نكبة عام 1948 في ظل وجود مخططات خبيثة تهدف إلى تصفيتها عبر مقترحات تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه التاريخية"، داعية الى "توحيد الجهود العربية واعتماد خطة تحرك عربية موحدة تتضمن دعم وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه".
هذا ولفتت صحيفة "الوطن" البحرينية الى أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب "يحضر لتصعيد مهم أو مرحلة قادمة لتاريخ أمريكا المعاصر، بمعنى عودة التحالف الأمريكي الروسي بالواجهة"، مؤكدة أن خطة ترامب "تستهدف أكثر من حجر، فالأول عزل الصين عن روسيا، والثاني إخضاع إيران المتمردة للاتفاق النووي وتقليص نفوذها بالشرق الأوسط، والثالث خلق تفاهمات أكثر في أفريقيا والرابع تحجيم القوى الأوروبية".
(رصد "عروبة 22")