وجهات نظر

في أصول الظاهرة "الترامبية"!

لأيام وأسابيع طويلة، كنتُ، وما زلتُ، في حال تأمّل للظاهرة "الترامبية" التي تجتاح العالم حاليًّا، وقد زاد انشغالي بهذه الظاهرة بعد الوعد الجنوني الذي أعطاه السمسار الفاشي دونالد ترامب لمثيله الصهيوني المجرم بنيامين نتنياهو بشأن التعامل مع قطاع غزّة واعتبار أرضه مجرّد "أرض فضاء" يمكنه الاستيلاء عليها، وأنّ كل المشكلة، حسبما تصوِّرُه له عقليّتُه المنحرفة، أنّ هذا القطاع يجب تطهيرُه من ساكنيه (مليونيْن ونصف مليون إنسان) وذلك بنزحهم جميعًا إلى أي منفى بعيدًا عن أرض وطنهم، ما يسمح له بعد التطهير أن يبدأ "المقاولَة" والعمل على هذه "الأرض الرّائعة" حسب وصفه، وتحويلها إلى منتجع ضخم يسبح تحت الأضواء الباهرة ويغصّ بالبارات والحانات ونوادي القمار، وعُلَبِ الليل كافة!.

في أصول الظاهرة

بينما أنا مأخوذ تمامًا بتلك الظاهرة القبيحة، التي فاض قبحها وجنونها حتى ضرب العالم بأسره وليس فقط الولايات المتحدة الأميركية منذ عودة هذا الفاشي ليتربّع من جديد على عرش حكمها بعدما أتت به كتل شعبية دهماء وبائسة تراكَم غضبها واستياؤها من نخبة مؤسَّسة الحكم في واشنطن حتى غُيِّبَ تمامًا عقلها الضيّق، ما فتح الباب لترّهات ترامب أن تعشِّش في تلك الرؤوس الفارغة ففاز فوزًا تاريخيًّا ساحقًا.. وبينما أنا في تلك الحال التأمّلية، تذكرتُ نصًّا أدبيًّا رائعًا، كتبه الألماني هاينريش مان (1950ـ1871) وهو الشقيق الأكبر لأديب ألمانيا صاحب جائزة "نوبل" وذائع الصيت توماس مان (1875 ـ 1955).

كثيرون لا يعرفون (بمن فيهم بعض المثقفين) أنّ مان الصغير هذا له شقيق أكبر لا يقلّ عن شقيقه في الموهبة والقيمة الأدبية، ومع ذلك ظلّ هاينريش طوال حياته وبعد مماته قابعًا في الظلّ خلف أضواء الشهرة الباهرة التي ذهب أغلبها لأخيه الصغير "توماس" حتّى أنّ العمل السينمائي الوحيد الذي نُقِلَ عن إحدى رواياته "الملاك الأزرق" عندما حقق نجاحًا هائلًا واستقرّ في مكانة خالدة في تاريخ الفن السّابع بقي الناس يتذكرونه ولا يكاد أغلبهم يعرف أنّ هاينريش مان هو صاحب قصة هذا الفيلم!.

الجماعات الفاشية تستقطب مناصريها من دائرة الضعفاء الذين تدفعهم نشأتهم البائسة إلى الرّكوع أمام سيّد جبار

ما فات مقدّمة لكي أقول إنّ هاينريش ترك للإنسانية نصًّا روائيًّا بديعًا كتبه في العام 1914 وتتبّع فيه المسار الذي يَصنع في النهاية إنسانًا فاشيًّا قاسيًا وجلفًا معًا، هذا النّص يحمل اسم "رعيّة الإمبراطور"، وينطلق فيه من فكرة أساسيّة يستطيع المرء أن يلمح تجلّيها الواقعي في الكثير من الحكّام الفاشيين العتاة أمثال ترامب. ملخّص هذه الفكرة أنّ الجماعات الفاشية المظلمة عادةً ما تستقطب أغلب مناصريها من دائرة الضعفاء التّافهين الذين تدفعهم نشأتهم البائسة وهشاشتهم النفسية والروحية إلى الإيمان بضرورة الرّكوع المطلق أمام سيّدٍ صارمٍ جبارٍ يُعطي بعض أتباعه قسطًا من السلطة يكفيهم لكي يسحَقوا مَن هُم أصغر وأضعف منهم.

أما النّموذج البشري الذي اتخذه هاينريش دليلًا ومشى خلف تطوّراته فهو ذلك المدعو، ديترلك هلسينغ، وقد بدأت معه أحداث الرواية منذ كان طفلًا يعيش مع أسرته في مدينة صغيرة، وكان إذا صادف شرطيًّا في الطريق يرتجف خوفًا ويشعر برهبة تهزّ كيانه ولا يستطيع أن يتخلّص من هاجس مرَضي مفاده بأنّ الشرطي هذا يملك من السلطة ما يجعله قادرًا على اعتقاله وجرجرته إلى السجن لأي سبب...

يشبّ الطفل ويصير صبيًّا وهو على هذه الحال ويدخل المدرسة الثانوية فينتابه شعور غريب بالفخر لا لشيء إلّا لشعوره بأنه ينتمي إلى كِيان منتظم قوي (المدرسة) تتحكّم فيه وتفرض تراتبيةً سلطويةً صارمةً تجعله يحسّ بنوع من القوة يستمدّها من فداحة القهر الواقع عليه هو وأقرانه.

مع تضخّم ثروته ومكانته الإجتماعية تتضخّم فاشيّته وتتفاقم جلافته وكراهيته لكلّ من يعتبرهم ضعفاء أو أقل منه قوة

وهكذا بدأت معالم شخصية هلسينغ تتكرّس وتتّضح بمرور الأيام والسنين فيصبح وهو في معيّة الشباب عضوًا في جماعة متطرّفة عنيفة وفاشيّة تطلق على نفسها اسم "التوتونيّون الجدد" نسبةً إلى قبائل جيرمانية قديمة اعتبرها مؤسِّسو الجماعة مثالًا لنقاء الجنس الجيرماني ونظافتِه من الاختلاط والتلوّث بدماء أجناس بشرية أخرى "وضيعة"، حسب الأمراض الفكرية المكدّسة في عقول هؤلاء الفاشيين.

المهم، يكبر أخونا بطل الرواية، ومع تقدّمه في السن وتضخّم ثروته ومكانته الإجتماعية، تكبر وتتضخّم فاشيّته وتتفاقم قسوته وجلافاته وكراهيته لكلّ من يعتبرهم ضعفاء أو أقل منه قوة، ولا يعود يداري رغبته المجنونة في إبادة من يسمّيهم "أعداء الأمّة" و"السموم التي ترعى في بدنها"... هؤلاء الأعداء ليسوا فقط الأجانب غير الجيرمانيين سواء كانوا يهودًا أو من الغجر أو من السّود الأفارقة والعرب وغيرهم، وإنّما كذلك العمّال والفلاحون الفقراء والعاطلون عن العمل، فضلًا عن المفكرين الاشتراكيين وأصحاب النزعات والنظريات "الشريرة" التي تنادي بالتحرّر الإنساني والعدالة الاجتماعية وخلافه، بل لقد ضمّ هذا الفاشي إلى قائمته السوداء علماء كبارًا أبرزهم تشارلز روبرت داروين، لأنّ هذا الأخير أبدع نظرية "التطور" وأقامها على فرضية أنّ كل الكائنات الحيّة نشأت وارتقت من أصول وأجناس مشتركة!... أليس في كل هذه السِّمات ما يُشبه الحال الترامبية فعلًا؟!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن