لقد وصل عرب اليوم إلى قعرٍ سمح لزعيم الابتزاز العالمي دونالد ترمب ووكيله على المنطقة بنيامين نتنياهو مدفوعًا باليمين الصهيوني المتطرّف، بتسليع مقدَّسات العرب وقضاياهم الكبيرة وطرحها كأسْهمٍ لحاملها في بورصة العقارات العالمية.
من دون شكّ تنعقد القمّة العربية الطارئة في القاهرة فوق فالِق استراتيجي كبير، انفتحت عبره بورصة التسويات الدولية الكبرى لمئة سنة قادمة انطلاقًا من "قمّة الرّياض" المرتقبة بين فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي.
إزاحة "بشّار السوري" روسيًّا و"بشّار الأوكراني" أميركيًّا شكَّلا معمودية الثقة بين طرفي "قمّة يالطا الجديدة"
إنّها قمّة "ترامبوتين" التي بدأت مفاعيلها قبل أن تنعقد، ويبدو أنّ التواصل بين بوتين وترامب سابق لجلوس الأخير على كرسي البيت الأبيض، وقد تُرْجِمَ أوّلًا، في تسهيل بوتين إزاحة بشّار الأسد. ويُترجم ثانيًا اليوم، في إزاحة أو تدجين ترامب لفولوديمير زيلينسكي الذي أثخنه ترامب تنكيلًا مرفقًا بنية واشنطن مقاسمة أوكرانيا ثرواتها المعدنية الثمينة، وذلك بحجة ترامبية مفادها "إيقاف الحرب ومنع تحوّلها إلى حرب عالمية ثالثة".
ويبدو أنّ إزاحة "بشّار السوري" روسيًّا، و"بشّار الأوكراني" أميركيًّا، شكَّلا معمودية الثقة بين طرفي "قمّة يالطا الجديدة" في الرياض. وعبر التضاريس الجيوستراتيجية المتصاعدة قبل "قمّة ترامبوتين"، انطلق اهتزاز خرائط المنطقة التي عصفت بها حروب غير مسبوقة من غزّة إلى لبنان وسوريا.
توازيًا مع تمسّكه بمشروع "ريفييرا غزّة"، يُطلق ترامب العنان لكيان الاحتلال للتصرّف كما يحلو له بخصوص المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة في غزّة، ما دفع نتنياهو للتراجع عن المرحلة الثانية وتمسّكه بتمديد المرحلة الأولى وسط مطالبات صقور اليمين المتطرّف بتنفيذ إطلاق الرهائن دفعة واحدة، ومن ثمّ تنفيذ توصية ترامب بفتح أبواب "الجحيم" على ما تبقى من غزّة، تزامنًا مع إعلان جمهوريّي الكونغرس عن اعتماد المصطلح العبري للضفة الغربية "يهودا والسامرة"، ما يعني أنّ إسرائيل مدفوعة من الإدارة الترامبية بصدد ضمّ الضفة الغربية وإخضاعها الكامل للسيطرة الإسرائيلية.
إنّه التّوازي، الذي سبقه نكوص جيش الاحتلال عن الانسحاب الكامل من جنوب لبنان، وإعلانه الاحتفاظ والتموضع بعدّة تلال حاكمة ومُطلّة على شمال الكيان، ما يطرح السؤال المفصلي عن حقيقة وقف إطلاق النّار في لبنان وعدم تطبيق "إسرائيل" للقرار 1701. إنّها التلال والمواقع التي أضحت بمثابة منطقة عازلة تُذَكّر بالحزام الأمني الذي أنشأته إسرائيل بعد اجتياح بيروت عام 1982، وانسحبت منه نتيجة المقاومة عام 2000.
وإلى جنوب لبنان، مدّت "إسرائيل" عدوانها إلى جنوب سوريا حيث توغّلت دباباتها باتجاه التقاطعات الاستراتيجية التي تجعل من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء تحت السيطرة النارية الإسرائيلية. ولم تكتفِ "إسرائيل" بهذا، بل عمدت وبلسان بنيامين نتنياهو إلى التحذير من المساس بالدروز، وأرفقت إعلانها بفتح باب العمل داخل الجولان السوري المحتلّ لأبناء السويداء خاصّة. لكن الاختراق الخطير الذي أحدثته "إسرائيل" فكان بإعلانها منع "الجيش السوري الجديد"، أو قوات "هيئة تحرير الشام" من التموضع في المناطق الجنوبية.
البلاد العربية أضحت مشاعًا بلا حدود لمشاريع الاستعمار الجديد والاحتلال والتوسّع
وإذا كان احتفاظ إسرائيل ببضعة مواقع في جنوب لبنان تمّ على خلفية جبهة الإسناد اللبنانية لغزّة، فبناءً على أي ذريعة يتوغّل جيش الاحتلال في سوريا، ويستبيح أجواءها، ويتابع قصف وتدمير مقرّات الجيش السوري السابق في دمشق وأريافها وما بعد بعدها؟!.
إنّها الأطماع الصهيونية القائمة على التوسّع، والمرتكزة إلى الفراغ الاستراتيجي الذي يحوّل البلاد العربية إلى دول منزوعة الإرادة والسلاح والمقدّرات، تستنجد حمايتها وديمومة استمرارها من وراء البحار، بعدما أضحت مشاعًا بلا حدود لمشاريع الاستعمار الجديد والاحتلال والتوسّع بهدف الهيمنة والسطو على المقدّرات والثروات العربية. ربّما تتوقف نخبة العرب الحاكمة اليوم باندهاش أمام الخوّة التي يريد ترامب تدفيعها لأوكرانيا ثمن تزويدها بالسلاح، لكنّ الثمن الأقسى كان بإعلان ترامب أنّ على زيلنسكي أن ينسى انضمام أوكرانيا لحلف الناتو!
إنّها الأطماع الصهيونية التي يسوّق لها مبعوثو الإدارة الترامبية، بدفع لبنان وسوريا إلى الانخراط في التطبيع مع الاحتلال، والانضمام لاتفاقات "السلام الابراهيمي" كما عبّر ستيف ويتكوف بوضوح. ومن هذه النقطة تبدو الاستراتيجية الأميركية شديدة الوضوح في هندستها للمنطقة التي لا يبدو أنها تأخذ أو ستأخذ بعين الاعتبار أطروحات العرب السلمية منذ قمّة بيروت عام 2000، أو مشروع "حلّ الدولتين" الذي تجهد القيادة السعودية لوضعه "مهرًا" لتطبيعها مع الكيان الصهيوني، كما ستجهد قمّة القاهرة إلى ابتداعها حلًا للوضع في غزّة ترفضه إسرائيل، حتى لو نصّ في بنده الأول على اختفاء "حماس" من مشهد غزّة.
النظرة العميقة لدى قادة الكيان أخذت تستظهر الشرّ لمصر وملفّ تفكيك سوريا بات "على المشرحة"
تحدّيات خطيرة داهمة تفرض نفسها على البلاد العربية وهي ترى اهتزاز الخرائط جنوبيّ لبنان وسوريا. وثمّة من يستشعر بأنّ تداعيات الزلزال ستصيب الأردن ومصر، وقد أخذ الكلام الإسرائيلي يتصاعد حول قوّة الجيش المصري البشرية والتكنولوجية والتسليحية، ما يعني أنّ النظرة العميقة لدى قادة الكيان أخذت تستظهر الشرّ لمصر جيشًا ودولةً وَشَعبًا.
ربّما لم يَدُر بخلد "عرب الاعتدال" بوصفهم الجناح الباقي بعد تداعي "جبهة الصمود والتصدي"، لم يَدُرْ بخلدهم أنّهم لم يكونوا جاهزين لملء الفراغ الاستراتيجي الذي أحدثه انهزام "محور المقاومة" من أطرافه إلى رأسه في إيران عبر إخراجها بالضربة القاضية من سوريا التي بات ملفّ تفكيكها إلى كيانات وهويّات مذهبية وقومية وإثنية ومناطقية "على المشرحة"!.