يتقاطر القادة العرب إلى القاهرة اليوم للمشاركة في إنعقاد القمة العربية الطارئة، والتي تهدف لمناقشة تطورات الواقع الفلسطيني بعد التصريحات الاميركية الداعية لتهجير الفلسطينيين وتبني اسرائيل العلني لها. ويتزامن ذلك مع انهيار المفاوضات بشأن المرحلة الثانية بسبب تعمد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التنصل من الاتفاق المبرم مسبقاً وفرض شروط جديدة والتلويح بإستئناف الحرب.
وتسعى القمة، المنعقدة بظروف استثنائية، الى تبني "خطة مصرية" لاعادة اعمار القطاع المنكوب ولكن دون المس بحق الفلسطينيين بالبقاء في ارضهم وممتلكاتهم، خاصة أن القاهرة عملت منذ اللحظة الاولى للاعلان عن مخطط "ريفييرا غزّة" الى التسويق لمقترح سيتم الاعلان عنه اليوم وعرض بنوده الرئيسية على قادة الدول المجتمعة بهدف توفير مظلة دعم عربية واسعة له. وبحسب المسودة، التي اطّلعت عليها "رويترز"، فإن خطة مصر "تتضمن تهميشاً لحركة "حماس" في إدارة قطاع غزّة، على أن تحل محلها هيئات مؤقتة تسيطر عليها دول عربية وإسلامية وغربية". علماً أن الحركة سبق وأبدت موافقتها العلنية على عدم المشاركة في ادارة القطاع ولكنها تشددت بالنسبة لرفض القاء سلاحها وتسليمه كما لنفي قادتها خارج غزّة.
وتتعلق الأمال بما سيتوافق عليه القادة العرب خصوصاً أن المطلوب اكثر من انعقاد قمم والخروج ببيانات وصياغة مقترحات، بل خطة واضحة بأدوات ضغط للوقوف بوجه المخططات الاسرائيليّة التوسعية في المنطقة، خاصة أن ما حصل في غزّة يتكرر في الضفة الغربية مع تهجير ممنهج للفلسطينيين في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والتي أصبحت شبه خالية من سكانها.
عليه، ورغم كل الانتهاكات التي رافقت المرحلة الاولى واضطرار الوسطاء، اي مصر وقطر، للتدخل أكثر من مرة لانقاذ الهدنة الهشّة والحفاظ عليها، ولو بالحد الأدنى، إلا أن نتنياهو رفض الحديث عن اي انتهاكات بل دعا الى "منح الفلسطينيين حرية المغادرة". وتوعّد حركة "حماس" بـ"عواقب لا يمكن أن تتصورها" في حال لم تقم بالإفراج عن الأسرى المحتجزين لديها، واصفاً خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتهجير سكان القطاع بـ"الشجاعة والمبتكرة". ويستمد نتنياهو اليوم مواقفه من الدعم الاميركي اللامتناهي، والذي تجسد منذ لحظة وصول ترامب الى البيت الابيض، سواء عبر صفقات الاسلحة أو رفع العقوبات عن اسرائيليين متورطين بالاعتداءات على سكان الضفة الغربية ناهيك عن الاستقبال الحار له في البيت الابيض كأول مسؤول يلتقيه ترامب بعد عودته الثانية للحكم.
هذا ووسط توقعات بالعودة الى الحرب بغضون 10 أيام في حال استمرار رفض "حماس" لتمديد المرحلة الأولى، ربطت تقارير اسرائيليّة بين تاريخ العودة للقتال وتولي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد إيال زمير مهامه في الأيام المقبلة، وبين الزيارة المتوقعة الأسبوع المقبل للمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف للمنطقة. في حين تتوالى الإدانات العربية والاجنبية لقرار تل أبيب وقف كل اشكال المساعدات الى القطاع واغلاق المعابر التي تحت سيطرتها وسط تحذيرات من مجاعة في القطاع الذي لم ينتهِ بعد من معالجة تداعيات حرب الـ15 شهراً. من جهة أخرى، نفذّ درزي يحمل الجنسية الإسرائيلية، أمس، هجوماً بالطعن في محطة للحافلات بحيفا؛ ما أسفر عن مقتل شخص، وإصابة أربعة آخرين.
ومع تصدّر الأولويات الفلسطينية الاهتمامات العربية، يبرز الدور المحوري الذي تلعبه المملكة العربية السعودية، بعد انكفاء، وقد تجلى ذلك من خلال الانفتاح التام على "سوريا الجديدة" بعد سقوط نظام بشار الأسد والحفاوة التي استقبلت بها الرئيس أحمد الشرع ومن ثم الدفع نحو انهاء الشغور الرئاسي في لبنان، وهو ما أعلنه صراحة الرئيس جوزاف عون، الذي بدأ أمس زيارة الى الرياض كأولى زياراته الخارجية منذ انتخابه رئيساً.
زيارة أرادها الرئيس عون أن تكون من البوابة السعودية لاستعادة العلاقات التي شهدت فترة من القطيعة والتوتر نتيجة الممارسات السابقة الى جانب التأكيد على انتماء لبنان لمحيطه وعمقه العربي، وهو ما أكده عبر الاشادة بالدور الذي تلعبه السعودية في "دعم استقرار لبنان، وسلامته وانتظام عمل المؤسسات الدستورية فيه"، واصفاً الزيارة بأنها "فرصة للتأكيد على عمق العلاقات اللبنانية - السعودية". وكان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان استقبل رئيس الجمهورية اللبناني حيث استعرضا أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين، وسُبل دعمها وتعزيزها.
على المقلب السوري، تبرز المخاوف من تمدد أعمال العنف الداخلية التي يستغلها فلول النظام السابق من أجل اثارة الفوضى وتعكير صفو الامن في البلاد رغم الاجراءات الحاسمة التي تتخذها الادارة السورية الجديدة ومحاولتها ضبط الاوضاع، حيث أفادت وكالة الأنباء السورية في ساعة مبكرة من صباح اليوم بمقتل اثنين من عناصر وزارة الدفاع في مدينة اللاذقية غرب البلاد.
وتأتي هذه الاحداث على وقع التهديدات الاسرائيليّة المستمرة، اذ استهدف الاحتلال موقعاً عسكرياً كان مخزناً لأسلحة النظام السوري السابق في منطقة القرداحة غرب سوريا. ووفق "المرصد السوري"، الأسبوع الماضي، فإن المقاتلات الإسرائيليّة شنت أكثر من 500 غارة على مواقع عسكرية سورية منذ سقوط الأسد. في غضون ذلك، يواصل السوريون العودة الى بلادهم خصوصاً من دول الجوار بعد سنوات طويلة من اللجوء، وقد عاد بحسب وزارة الداخلية الأردنية أكثر من 44 ألف سوري إلى بلادهم طوعا، وذلك بعد سقوط الأسد أواخر العام الماضي.
أما ايرانياً، فاختلاف الرؤى بين المحافظين والرئيس مسعود بزشكيان باتت تطفو الى السطح بعد اقالة البرلمان وزير الاقتصاد الايراني عبد الناصر همتي وتحميله مسؤولية تراجع العملة الايرانية رغم أن الاسباب الكامنة وراء التدهور تعود لسنوات طويلة من العقوبات الاميركية وتشددها منذ وصول ترامب للسلطة. فبعد سحب المرشد الاعلى علي خامنئي لورقة المفاوضات مع الادارة الاميركية الجديدة، عقب الضربات التي تكبدتها طهران في لبنان وسوريا، بدأت الضغوط على حكومة بزشكيان التي كانت تفضل الحوار كحل للوصول الى تسوية. وجاءت استقالة ظريف من منصبه كنائب للرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، للتأكيد على انسداد أفق المفاوضات. وذكرت وكالة "إرنا" الرسمية أن "خطاب استقالة ظريف أرسل إلى بزشكيان، إلا أنه لم يرد على ذلك حتى الآن"، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
ومنذ المشادة الكلامية الحادة في البيت الابيض بين ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتعاظم الحديث من قبل الادارة الاميركية عن ضرورة استبداله بشخصية أخرى قادرة على احلال السلام والقبول بالـ"إملاءات" المفروضة، والتي تمثل انكساراً لكييف مقابل تحقيق "نصر" لموسكو، وهو ما يشكل نقطة خلاف حقيقية مع انفتاح واشنطن العلني على الرئيس فلاديمير بوتين، والذي كان حتى الامس القريب "وحيداً" يواجه العزلتين الاميركية والاوروبية.
في السيّاق عينه، أعلن مسؤول في البيت الأبيض أنّ الرئيس ترامب أمر بتجميد المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا. فيما ذكرت "بلومبرغ" و"فوكس نيوز" أن التوقف سيستمر لحين أن يقرر ترامب أن زعماء أوكرانيا يظهرون التزاماً بالسلام. وأثار تعليق لزيلينسكي قال فيه إن "نهاية الحرب بعيدة للغاية" انتقادات حادة من ترامب، الذي اعتبر أن "هذا أسوأ تصريح يمكن أن يصدر عن زيلينسكي، ولن تتحمله أميركا طويلاً".
وقد عكست الصحف العربية الصادرة اليوم اهتماماً جلياً بقمة القاهرة الطارئة وأهمية ما سيخرج عنها من مقرارات، حيث:
دعت صحيفة "الأهرام" المصرية قادة الدول العربية الذين سيجتمعون اليوم في القاهرة "إلى الاستقواء بمواقف أعضائها، واستغلال نقاط القوة وإمكانات التأثير وأوجه القدرة التي يمتلكها النظام الرسمي العربي من قدرات بشرية واقتصادية وجيوسياسية"، مشددة على أن "الدفاع عن القضية الفلسطينية الآن هو دفاع عن كل العواصم العربية والثروات العربية أيضاً، ولهذا كان الدفاع عن فلسطين والفلسطينيين جزءاً لا يتجزأ من الأمن العربي الشامل".
بدورها، أشارت صحيفة "الدستور" الأردنية الى أن "أوروبا مهتمة بموقف عربي لمواجهة واحدة من أخطر أزمات المنطقة، لأنها في موقف صعب هي الأخرى في مواجهة الحرب الروسية الأوكرانية، وموقف واشنطن من القضيتين"، موضحة أن هذه القمة العربية تنعقد في "مواجهة أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية، وأخطر تحولات في السياسة الدولية، وأخطر تدخلات إقليمية تعاني منها أمتنا".
ووفق صحيفة "عُمان" العمانية، فإن "مشروع ترامب لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن وتحويلها إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" لا يمكن أن يواجه حتى بوعي الدولة حتى لو كانت دولة بحجم مصر وإنما يواجه بوعي "الأمة" التي تستطيع أن تظهر قوة وحدتها في مواجهة المشروع (الترامبي/ الصهيوني)". وأردفت "لا يكفي أن تعرض القمة العربية اليوم خطة لإعمار غزة، فالأمر أكبر بكثير من هذا، الأمر متعلق بكرامة الأمة العربية وقدرتها على منع تكرار ما حدث في غزة في مكان آخر مثل بيروت أو رام الله أو دمشق أو حلب أو حتى بغداد".
وأدانت صحيفة "الوطن" القطرية منع إدخال المساعدات والإمدادات الإنسانية الى غزة "ما يعني فعليا حرب تجويع على سكان القطاع في ظل اعتمادهم بشكل كلي على المساعدات في توفير غذائهم، وسياسة التجويع هذه تمهد لمخطط تهجير أهالي قطاع غزة، بما يحمله ذلك من تهديد لمنظومة الأمن القومي العربي"، معولة على "قمة القاهرة للخروج بمواقف قوية وواضحة من شأنها لجم هذا العدوان الإسرائيلي وإحباط ما يتم التخطيط له، ووضع العالم أمام مسؤولياته المتمثلة في الدفع باتجاه حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية".
ومن وجهة نظر صحيفة "الوطن" البحرينية فإن "الطرفين المتحالفين الأمريكي والإسرائيلي يلتقيان في نقطة واحدة بشأن غزة، وهي تهجير أهلها القسري منها، ولكنهما في ذات الوقت يختلفان على نقطة هامة وهي ما بعد هذا التهجير". وأضافت "إسرائيل ترغب في إفراغ غزة من ساكنيها لبناء مستوطنات وضمها لأرض ميعادها، وبدء حلمها الأكبر في إنشاء دولتها من الفرات إلى النيل، ولكن الولايات المتحدة ونظرة رئيسها لغزة قد تختلف، حيث تعتبرها فرصة نادرة للاستثمار، أي أن الأصل في هذه الفرصة هي البقاء والاستثمار وجني الأموال للخزانة الأمريكية".
الى ذلك، اعتبرت صحيفة "الخليج" الاماراتية أن دعوة نتنياهو لحماية الأقليات في سوريا "فيها الكثير من الخبث ومحاولة للاصطياد في المياه العكرة لتحقيق هدف قديم يسعى إليه وهو تقسيم سوريا بين طوائفها، بما يعنيه ذلك من القضاء على سوريا كدولة ودور وكدرع في حماية الأمن القومي العربي"، وقالت "إن استخدام ورقة حماية الموحدين الدروز في السويداء أو جرمانا أو الجولان أو لبنان تبدو ذريعة فاشلة للتدخل، لأن الدروز مثلهم مثل بقية مكونات الأمة العربية ليسوا أقلية يمكن التلاعب بها، بل هم جزء أصيل من هذه الأمة يشاركونها آمالها وآلامها وأحلامها".
(رصد "عروبة 22")