على وقع المخاوف من الانهيار التام لاتفاق وقف النار في غزة ومع اعتماد اسرائيل التجويع كسلاح من خلال وقف ادخال كل المساعدات واغلاق المعابر، اجتمع العرب في قمة غير عادية حملت الهموم المشتركة وأبرزها الاوضاع الفلسطينية المتفجرة في غزة والضفة الغربية، التي تشهد حملة تهجير ممنهجة منذ بدء العملية العسكرية الموسعة، ناهيك عن الاعتداءات والخروقات الاسرائيلية المتواصلة في لبنان وسوريا.
تحديات ومعضلات كبرى تواجهها المنطقة العربية في وجودها وهويتها أمام مخططات التوسع والتمدد الإسرائيلية، والتي دفعت قادتها الى تكثيف اجتماعاتهم ولقاءاتهم للوصول الى حل عادل للقضية الفلسطينية والتوحد خلف مطلب حق الشعب الفلسطيني بالبقاء في أرضه ومواجهة خطة الرئيس الاميركي دونالد ترامب بتحويل غزة الى "ريفييرا الشرق الأوسط". ومن هنا كانت نتائج قمة القاهرة، التي في اطارها العام، جمعت هذه الدول في موقف موحد لتبني الخطة المصرية، التي لم تلق استحساناً ولا قبولاً من الجانب الاسرائيلي المُعرقل لكل التسويات والحلول، حيث سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى إعلان رفض المقررات العربية بشأن "اليوم التالي" في غزة وخطة إعادة إعمار القطاع، فيما لا يزال الموقف الأميركي غامضاً وملتبساً بشأنها.
وفي التفاصيل، اعتمد العرب الذين اجتمعوا في القمة العربية الطارئة، التي انعقدت في القاهرة، خطة التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة التي تضمن بقاء سكان القطاع المنكوب في أرضهم ورفض كل محاولات تهجيرهم أو ضم أي جزء من الأراضي الفلسطينية. وأدانوا، بقرار جامع، وقف إدخال المساعدات الإنسانية وغلق المعابر، منددين بـ"سياسات التجويع والأرض المحروقة لإجبار الشعب الفلسطيني على الرحيل من أرضه". وبحسب ملامح الخطة المصرية المُعتمدة، سيتم استبعاد "حماس" عن ادارة القطاع أو حكمه عبر تشكيل لجنة انتقالية لمدة 6 أشهر، على أن تكون مستقلة ومكونة من شخصيات غير فصائلية "تكنوقراط" تعمل تحت مظلة الحكومة الفلسطينية. وتشمل الخطة في شقها الميداني العملي أيضاً، توفير سكن مؤقت للنازحين في 7 مواقع داخل القطاع وتستوعب أكثر من 1.5 مليون شخص بميزانية قُدرت بـ 53 مليار دولار، وستستغرق 5 سنوات وهي مقسمة على مرحلتين.
وبظل محاولات عربية دؤوبة للوقوف بوجه الخطط الاميركية والاسرائيلية، أشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الى أنه "وبالتوازي مع خطة إعادة الإعمار، لا بد من إطلاق مسار خطة للسلام من الناحيتين الأمنية والسياسية"، داعياً إلى "اعتبار معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل نموذجاً لتحويل حالة العداء والحرب والرغبة في الانتقام إلى سلام". وإذ أبدى ثقته في قدرة نظيره الأميركي دونالد ترامب على تحقيق السلام في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لفت إلى أن "القاهرة سوف تستضيف مؤتمراً لإعادة إعمار غزة الشهر المقبل".
أما العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، فأوضح أن الاجتماع يستهدف العمل على أربعة محاور، وهي الرفض التام للتهجير والتأكيد على دعم خطة واضحة لإعادة الإعمار، وثانياً دعم جهود السلطة الفلسطينية في الإصلاح وإدارة قطاع غزة. ويتعلق المحور الثالث بوقف التصعيد الخطير في الضفة لمنع تفجير الأوضاع، ورابعاً التأكيد على حل الدولتين لتحقيق السلام العادل والشامل. من جهته، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أهمية "اعتماد الخطة المصرية - العربية لإعادة إعمار غزة، وتشكيل صندوق ائتمان دولي لإعادة الإعمار وإنجاح المؤتمر الدولي في مصر"، معلناً عن خطوات إصلاحية داخلية تتضمن إصدار عفو عام عن جميع المفصولين من حركة "فتح" كما إجراء انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، خلال العام المقبل في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.
وضمن السيّاق نفسه، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أنّه سيطلب من منظمة التعاون الإسلامي خلال اجتماع وزاري طارئ ستعقده في جدة بعد غد، الجمعة، اعتماد خطة إعادة إعمار غزة التي أقرّها القادة العرب. تزامناً، أشادت "حماس" بنتائج القمة التي رأت انها "تدشن مرحلة متقدمة من الاصطفاف العربي والإسلامي مع القضية الفلسطينية العادلة"، داعية "إلى اتخاذ خطوات عربية موحدة وعملية تجبرها (إسرائيل) على تنفيذ بنود الاتفاق، والضغط لإدخال المساعدات والإغاثة والإيواء، والشروع في مفاوضات المرحلة الثانية".
هذا وشكلت "قمة القاهرة" مناسبة لعقد الاجتماعات التشاورية على هامشها وأبرزها اللقاء الذي جمع السيسي بالرئيس السوري أحمد الشرع، وهو الأول من نوعه منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حيث اتفق الجانبان على فتح صفحة جديدة مع التأكيد المصري على وحدة الأراضي السورية وسلامتها ورفض أي تعدٍ عليها، في اشارة الى الانتهاكات الاسرائيلية المستمرة. كذلك برز لقاء الشرع بالرئيس اللبناني جوزاف عون حيث، وفق البيان الصادر، تم الاتفاق على التنسيق عبر لجان مشتركة تُشكل بعد تأليف الحكومة السورية الجديدة، من أجل ايجاد حلول للقضايا الشائكة وعلى رأسها ضبط الحدود بين البلدين وقضية النازحين السوريين.
الى ذلك، تواصل اسرائيل خروقاتها واعتداءاتها في لبنان وآخرها استهداف سيارة في قضاء صور أدت الى سقوط شخص، ادعى الجيش الإسرائيلي إنه خضر هاشم، الذي يشغل منصب قيادة القوة البحرية بقوة "الرضوان". في غضون ذلك، دعت منظمة العفو الدولية (أمنستي)، في تقريرها، الى "فتح تحقيق بالهجمات غير القانونية المتكررة التي شنّها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في لبنان على المرافق الصحية وسيارات الإسعاف والعاملين في المجال الصحي باعتبارها "جرائم حرب".
وفي اليمن، أعلنت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) مساء أمس إسقاط مسيرة أميركية من طراز "إم كيو – 9" أثناء قيامها بمهام وصفتها بـ"العدائية" في أجواء محافظة الحديدة غربي البلاد، مشيرة إلى أن هذه الطائرة هي الـ15 التي يتم إسقاطها منذ بداية ما أسمتها "معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس". في حين نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤول بالبنتاغون أن الجيش الأميركي "فقد الاتصال بطائرة إم كيو-9 فوق البحر الأحمر ويتابع الحادث بشكل نشط لتحديد السبب والإجراءات اللاحقة". يُذكر أن وزارة الخارجية الأميركية أعلنت رسمياً إدراج الحوثيين في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
من جهة ثانية، أعلنت روسيا موافقتها على التوسط بين إيران والولايات المتحدة في محادثات تتعلق بالأسلحة النووية. وكانت مصادر لوكالة "بلومبرغ" أشارت الى أن هذا الطلب، طرح من قبل ترامب خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في 12 شباط/ فبراير، وإن هذه القضية نوقشت من قِبل الوفدين الروسي والأميركي في الرياض في 18 من الشهر عينه. يُذكر أن طهران تعاني من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات الاميركية واعتماد ترامب ممارسة سياسة "الضغوط القصوى" عليها.
دولياً، يستمر الرئيس الاميركي دونالد ترامب بمهاجمه سلفه جو بايدن الذي وصفه بأنه "أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة"، معلناً، في خطاب أمام الكونغرس أن "اميركا عادت". وأضاف "الحلم الأميركي لا يمكن إيقافه، وبلادنا على وشك تحقيق عودة لم يشهد العالم مثيلا لها من قبل، وربّما لن يشهد مثيلا لها مجددا". تزامناً، تُخيّم الحرب الاوكرانية وتداعياتها، خاصة بعد اجتماع البيت الأبيض الذي شهد على خلاف حاد بين ترامب ونظيره الاوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يجهد للوصول الى اتفاق يضع حداً للحرب التي تستنزف بلاده ولكن مع السعي لتوفير ضمانات أميركية قوية، وهو ما يبدو بعيد المنال مع اصرار ادارة ترامب على تحميل الاوروبيين مسؤولية ذلك.
وفي تصريح اعتبر وكأنه رضوخ للإملاءات والشروط الأميركية، قال زيلينسكي: "اجتماعنا في واشنطن، في البيت الأبيض، يوم الجمعة، لم يسر بالطريقة التي كان من المفترض أن يكون عليها. أوكرانيا مستعدة للجلوس إلى طاولة المفاوضات في أقرب وقت ممكن لإحلال السلام الدائم والعمل تحت القيادة القوية للرئيس ترامب". ولم يُعرف بعد مصير اتفاقية المعادن النادرة التي كان منوي التوقيع عليها، مع تكاثر الأحاديث عن وجود رغبة عارمة بتوقيعها من قبل الطرفين ولكن بظل شروط أميركية "مغايرة".
وقد انشغلت الصحف العربية الصادرة بتداعيات قمة القاهرة وأهميتها في ظل الظروف المعقدة التي تمرّ بها المنطقة. ونوجز في جولة اليوم أبرز العناوين والمقالات:
كتبت صحيفة "الخليج" الاماراتية: "نحن على مفترق طرق بين أن نكون أو لا نكون، لأننا أمام مشروع يتماهى بالمطلق مع اليمين الإسرائيلي المتطرف في استهداف العرب وحسم الصراع لمصلحة إسرائيل من خلال استخدام كل الوسائل الناعمة والخشنة لفرض حلول لن تكون في مصلحة العرب والفلسطينيين بأي حال"، مشيرة الى أن القمة العربية الطارئة في القاهرة "هي قمة للدفاع عن الوجود والنفس والهوية العربية، وهي تأكيد على أن العرب بمقدورهم أن يأخذوا أمورهم بأيديهم ويحددوا الطريق التي يمكنهم سلوكها، وأن لديهم إمكانات وقدرات يمكن استثمارها لتحقيق أهدافهم".
وشددت صحيفة "العرب" القطرية على أن "القمة تأتي في ضوء التحديات الإقليمية والدولية الهامة، بما فيها مواجهة مخططات تهجير سكان غزة وتصفية القضية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لتعزيز التنسيق والتعاون بين الدول العربية"، لافتة الى أن "مخطط تهجير سكان غزة يتعارض ليس فقط مع قرارات الشرعية الدولية بل مع جوهر عملية السلام، وتبني حل الدولتين ويشكل ضرراً بالغاً بالأمن القومي العربي، كما يصب مباشرة في إنجاح المخطط الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية".
ومن وجهة نظر صحيفة "الأهرام" المصرية، فإن "أفضل ما في الخطة المصرية، التي يمكن وصفها بأنها خطة واقعية وعملية، ولا يحتاج تنفيذها إلا لحشد جهود دولية وإقليمية، أنها متوافقة تماما مع القانون الدولي"، مؤكدة أهمية "العمل خلال الأيام، بل الساعات القليلة المقبلة، وبصورة جماعية، وبتكاتف من المجتمع الدولي لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وإحباط المحاولات الإسرائيلية للتنصل من التزاماتها".
في السياق نفسه، رأت صحيفة "الدستور" الأردنية أن "انعقاد القمة العربية يأتي في سياق مهم ولحظات حاسمة لتجديد الإجماع العربي وتحقيق وحدة الموقف العربي ورفض مخططات تهجير أبناء الشعب الفلسطيني والتمسك بالحقوق الفلسطينية الشرعية وقيام الدولة الفلسطينية". وقالت: "واهم كل من يفكر بان أي حلول سياسية يتم فرضها من الاحتلال على الشعب الفلسطيني ممكن أن تنجح او تنال من إرادة وصمود شعب فلسطين، وان مؤامرات الوطن البديل والتهجير أو دولة دون القدس لن ولم تمر أبدا".
ودعت صحيفة "اللواء" اللبنانية الى التنبه للردود المرتقبة من الجانبين الاميركي والاسرائيلي والتي لن تكون متجاوبة مع الخطة المصرية، التي تنسف كليا خطة الرئيس ترامب التي ترتكز اساسا على تهجير الفلسطينيين من القطاع الى الدول المجاورة، مرجحة "ان يكون تبنِّي القمة العربية للخطة المصرية، مدخلاً لاجراء مشاورات بخصوصها مع الجانب الاميركي، لاجراء تعديلات قبل أن يتولى تسويقها مع الجانب الاسرائيلي"، على حدّ قولها.
بدورها، تطرقت صحيفة "الرياض" السعودية الى زيارة الرئيس جوزاف عون الى المملكة قائلة "لبنان الذي يريد طي صفحة الماضي، ينظر إلى المستقبل عبر مرحلة عنوانها "الشراكة العربية" وفي مقدمة ذلك تعزيز العلاقات مع المملكة"، معتبرة أن "استشراف هذا المستقبل يمكن أن نقرأه من خلال البيان السعودي - اللبناني المشترك، حيث تم التأكيد على أهمية تعزيز العمل العربي وتنسيق المواقف تجاه القضايا المهمة على الساحتين الإقليمية والدولية". وخلصت الى أن "لبنان يسير في الطريق الصحيح بمباركة المملكة الساعية دومًا لخير الأمة وصونها".
(رصد "عروبة 22")