الفساد وسبل الإصلاح

في تغوّل القضاء

لا نذكر من ارتجاجات "الربيع العربي" إلّا مآسيه وخلفيّات المؤامرة التي ربما تكون قد حكَمته. لكنّنا نادرًا ما نعترف له بالفضل في كونه فتح نقاشات سلّمنا بأنّها لن تُفتح بالمرّة. إعادة فتح الإشكالية الدستورية من لدن "الحكّام الجدد"، كانت لربما من أقوى لحظات ترتيبات ما بعد هدوء العاصفة.

في تغوّل القضاء

لقد استأثر إعداد الوثيقة الدستورية "الجديدة"، وثيقة ما بعد سقوط النّظم القائمة، بالاهتمام البالغ، فأوكل أمر صياغتها للجان برلمانية مختصة أو لخبراء في القانون متمرّسين وأهل مصداقية. لكنّ الفلسفة كانت واحدة في الحالتيْن معًا: صياغة ورقة تأسيسية تتضمّن توازنًا دقيقًا بين السلطات التقليدية الثلاث، من خلال تقسيم الصلاحيات فيما بينها، وترسيم الحدود التي تضمن استقلالية بعضها عن بعض، مع التركيز على علوّ مقام السلطة القضائية، وطموح النّأي بها عن المزايدات السياسية وعن تدافعات الفاعلين بالمجال العام.

لكنّ ترسيم هذا المقام اصطدم بسؤال المقاصد: هل الغرض هو صياغة وثيقة تكون مدخلًا لبناء دولة الحقّ والقانون، أم وضع توجهات عامّة تكون مؤقتة وصالحة لتدبير مرحلة الانتقالات المضطربة وحسب؟

هو تساؤلٌ كان مجال استقطاب واسع، لكنه أفرز في مجمله توجهيْن اثنين:

- الأول، ينادي بضرورة ضمان الاستقلالية التامة للمؤسّسة القضائية، بنيةً وبنيانًا، عن باقي المؤسّسات، مع السموّ بها إلى مرتبة سلطة قائمة الذات، محايدة، مترفّعة عن المزايدات، وبعيدة عن التشنّجات التي لا تسلم منها مؤسَّستا الحكومة والبرلمان، باعتبارهما المؤتمنتيْن على السلطتيْن التنفيذية والتشريعية.

لم يقف أصحاب هذا الموقف عند هذا المطلب، بل ذهبوا لحدّ التشديد على أن يكون الجهاز القضائي سيّد نفسه، في تطبيق القوانين واللوائح والتشريعات نصًّا وتأويلًا، كما في تدبير مجاله الخاص، تعيينًا وترقيةً وتأديبًا.

لو تسنّى للسلطة القضائية أن تحرز الاستقلالية الكاملة فإنّها قد تتحوّل إلى "لوبي" حقيقي

أما الموقف الثاني فيرى أنّ الاستقلالية التامّة للمؤسّسة القضائية، وإن كان طموحًا مشروعًا في المدى البعيد، فإنّ من شأنه، إن تمّ الدفع به إلى أقصى مدى، إفراز "دولة داخل الدولة" (دولة القضاء أقصُد)، قد ينتفخ جهازها ويتغوّل، فيتعذّر بالتّالي لجمه أو ضبط سلوكه، بوجه السلطتيْن التنفيذية والتشريعية، كما بوجه الأفراد والجماعات على حدٍّ سواء. بمعنى أنّه لو فُصِلَت السلطات الثلاث فصلًا كاملًا وقاطعًا فسنكون بالمحصّلة، إزاء سلط منتظمة على شكل جزر معزولة، مستقلة ومحصّنة، قد تتصادم وتحترب وتعلن القطيعة المُفضية حتمًا صوب الفوضى.

موقف الفريق الأول موقفٌ مثاليٌ بامتياز، لا سيما أنّه لا يراعي كثيرًا عنصرَيْ السياق والمحيط الذي ستعتمل في إطارهما القاعدة القانونية، فيما يبدو الموقف الثاني أكثر واقعيةً وأكثر احترازية. إنّه يرى أنّ الفصل التّام بين السّلط والسموّ بمقام القضاء من بينها، سيفرز حتما ما يُسَمّى بـ"دولة القضاء"، والتي قد يكون من شأن تجرّدها المطلق الإضرار ولو مؤقّتًا بالمصلحة العامة، أو الدّفع بالبلاد إلى أتون "مطاردة الساحرات". إنّ من شأن ذلك إفساد ترتيبات المصالحة مثلًا، أو إحراج باقي المؤسّسات التي قد تدفع بهذا الاتجاه.

ثمّ إنّه لو تسنّى للسلطة القضائية أن تحرز الاستقلالية الكاملة ("تحرير" الادعاء العام مثلًا) فإنّها قد تتحوّل إلى "لوبي" حقيقي، قد لا يتوانى فقط عن إعمال المتابعة ضد هذا أو ذاك، من خلال تأويل مطّاط للقاعدة القانونية، بل قد يذهب حدّ التواطؤ مع هذه الجهة أو تلك، لتصفية حسابات ما، أو خدمة ترتيبات قد لا تكون دائمًا سليمة في العُرْف القضائي المعتاد. إذا لم يكن الأمر كذلك، يقول هؤلاء، فكيف تفسير، فما بالك تبرير، حفظ ملف هذا السياسي أو تحريك المتابعة ضد ذاك؟

ربط الاستقلالية بالمسؤولية من شأنه تكريس حكامة قطاع العدل 

الخشية هنا مبرّرة، لا سيما مع احتمال عودة ممارسات الدولة العميقة، التي غالبًا ما تتدثّر بثوب الخصْم والحكَم بغرض ترجيح هذه الكفة أو تغليب تلك. وقد رأينا، في أعقاب تموّجات "الربيع العربي"، كيف برّأ القضاء هذا المذنب، وكيف زَجّ بهذا البريء بغياهب السجون.

ولذلك، فإنّ ربط الاستقلالية بالمسؤولية، مع جعل هذه الأخيرة تحت رقابة وتقييم المؤسّسة التشريعية، سيكون من شأنه لا محالة تكريس حكامة قطاع العدل بوجه عام، وتجنّب تحكّم القضاة وتغوّلهم على حساب باقي السلطات الموازية.

تأمّلوا هنا جيدًا، ما تفوّه به قاضٍ عربي بخصوص نظرته لمشروع إعادة هيكلة البنية القضائية لبلاده: "لا تنسوا زملائي أنّنا الأقوى وأصحاب الكلمة الفصْل في كلّ ما سيحصل. فالمحاكم ملعبنا، والقانون عملنا، وخباياه لا تخفى علينا، وتفسيره جزء كبير من مواهبنا، وأسراره الهواية التي نتسلّى بها. فلا خوف علينا لأنّ مكّة أدرى بشعابها، لأنّنا في كلّ مرحلة سنجد دائما أسلوبًا مبتكرًا يردّ كيدهم في نحورهم، ويجعلهم يندمون على اليوم الذي خطّت أيديهم هذا القانون أو ذاك، فلن نعدم الوسيلة".

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن