بصعوبة بالغة، يمكن اعتماد "الثأرية" منظارا صالحاً وكافياً لتفسير تمادي العنف وصيرورته أعمال تطهير إثني نسقيّة. ينطبق على نكبة منطقة الساحل السورية ما انطبق على سابقاتها: عدم كفاية تفسير الأمور بالثأرية.
في أحيان كثيرة يأتي تسجيل التطهير الإثني في حيز "الثأري" تهوينياً أو اختزالياً للحاصل، بشكل غالباً ما يركّز على العشوائية لنفي الطابع الممنهج لهذا العنف، في حين لا يحضر التطهير الإثني إلا بسمتيه هاتين: العشوائية، لكن الممنهجة. هو النهج المستظل بعشوائيته. العشوائية المُصمّمة، المستبطنة لغاية، بصرف النظر عن درجة الوضوح من عدمه في مآل هذه الغاية. ليس هناك من عنف "أعمى". العنف الإثني عنف "قصديّ" أكثر من سواه.
الثأري موجود، إنما للثأري حدوده، يصعب الركون اليه كنموذج تفسيري شامل. هو عنصر من اللوحة، عنصر يمارس أيضاً دوراً تضليلياً، "إغماضياً" للوحة ككل. أن تقول إن العنف يتخذ طابعاً ثأرياً فهذا غالباً ما يعني أنك تتطوع لقطع الطريق على فهم ما هو "غير ثأري" في هذا العنف. وما هو غير ثأري في العنف التطهيري – الإثني هو الأخطر. وأخطر ما فيه أنه لا يتحلل من تلقائه.
الثأري لا يفسّر نفسه بنفسه، كما لو كانت المجموعات البشرية طناجر ضغط يغلي في داخل كل واحد منها الحقد مطولاً، إلى أن يفيض على الأخرى. تفسير العنف الإثني الواسع النطاق بالدافع الثأري فيه ردّ لكل المسائل إلى متلازمة "التعالي" على الثأر أو "الغوص فيه" وفي الحالتين لا يعود التطهير الإثني قابلاً للنظر إليه، والتحرك في مواجهته.
التطهير يحتاج لما يُجاوز الثأر: يحتاج إلى ما قد يستظل بالثأر كي يستدعي تبديلاً في العمق، في الأحجام مثلاً، في إعادة تشكيل خارطة انتشار الجماعات والأقوام. التطهير الإثني هو عمل سياسي من ألفه إلى يائه. سياسي قدر ما هو إثني. رده إلى الثأرية تبرئة له من السياسة، وتبرئة للسياسة منه. ليس صحيحاً أن العنف بعامة فيه تعليق للسياسة، وأن السياسة متابعة له مغايرة له في الأسلوب. للعنف سياساته. العنف الإثني هو سياسة تستهدف إعادة تكوين مجتمع ما على صورتها.
المجتمعات المتعددة إثنياً هي بالمطلق عالية المخاطر لجهة قابلية الأمور فيها للتدهور إلى نكبات من التطهير الإثني؛ ليس بسبب "الثأرية" وإنما بسبب أن الخرائط المتخيلة للجماعات ونطاق وسعة انتشارها هو مجال صراعي، وهذا الصراع قلما يكون متوازناً. هناك المتغلب، وهناك المغلوب، ثم تنقلب حال الغلبة.
في المجتمع المتعدد إثنيا، لا يندفع المتغلب نحو المغلوب بالتطهير الإثني فقط لطلب الثأرية، وإنما لطلب ما هو أخطر منها: جعله يتحلّل كمغلوب، أو يضمر، أو يتبنى "المنبوذية" كوعي لذاته من الآن فصاعداً. والإسهام من وراء ذلك في تشكيل هوية المتغلب الجمعية، بتصليب عودها في ضوء هذا المنعطف الدموي، وربط هذه الهوية الجمعية المعمّدة بالدم، بأيديولوجيا تعبوية ترى من وراء الجماعات والملل الدينية أصنافاً مختلفة من البشر، بل أصنافاً مشكك بأنها من نفس المنزلة من "البشرية".
بشر أقل من سواهم، وبشر أكثر من سواهم. عليك أن تشعر بأنك أكثر بشرية من سواك، وأن تطعن الآخر في "بشريته" كي تفتك به في موجة تطهير إثني. لا يسعك ذلك بالنازع إلى الثأر فقط لا غير. بالقدرة نفسها الذي لا يعود فيه ممكناً رد التطهير الإثني إلى الثأرية ودوامة الحقد المراكم يصير من الواجب التفتيش عن آليات التمهيد لهذا التطهير وتزخيمه وحمايته رمزياً واعتراض أي استنطاق محرج لصناعه ولقابلية تجدده.
التسويغ للتطهير الإثني له في الزمن الحديث عنوان واحد: الأدلجة. ما من تطهير إثني من دون أدلجة. تطهير إثني معقم أيديولوجياً؟ غير موجود. هناك تصور شائع كما لو أن الإبادة الراوندية كانت بلا أدلجة. وهذا قد يعود للجهل بالباع الطويل لأيديولوجية "قوة الهوتو" في رواندا وبوروندي، على حساب قوميتي التوتسي والتوا. تغذت هذه الأيديولوجيا من عناصر تصنيفية عرقية كولونيالية أوروبية ترد الهوتو إلى أصول "حامية" في مقابل التوتسي "الأشد زنوجة". تعامل المروجون لـ"قوة الهوتو" بهذه المباطنة للتصور الأوروبي: أي أنهم في واقعهم المحلي، هم "البيض" هم العرق النبيل، وأن الآخر، التوتسي، يحسدهم على ذلك، ولا يحلم إلا بإبادتهم. بالتالي ينبغي إبادته كي لا يبيد.
عندما لا يكون التطهير الإثني صادرا عن الرجل الأبيض في المستعمرات وأشباه المستعمرات فهو كثيراً ما يجيء من ضمن آليات استبطان هذه القسمة بين "العرق النبيل" المزعوم وبين "العرق النجس" هنا قوم يعتبر نفسه أنه يجسد "البياض" في نطاقه، وهنا قوم يناسبه اعتماد الموقع الآخر في هذه السردية، أي أنه المظلومية المطلقة، التي حين تظلم تعدل، لكنها لا تفعل ذلك فقط للثأر، وإنما.. للاقتلاع، لتدمير الوجود الإثني لقوم ما، على أرض ما، بحجة أنه ليس هناك من خيار ثالث: إما أن تبيد وإما أن تباد. دور الأدلجة والأسطرة، يكمن تحديداً هنا. في جعل من يرتكب فعل التطهير الإثني أو المتوسع في اتجاه الفعل الإبادي يقنع نفسه بأن التطهير الإثني "ضرورة حيوية" له، لا خيار لديه بأن لا يقدم عليها.
للمضي إلى التطهير الإثني تحتاج إذا، بالمحصلة لثلاثة أمور: العمل على إعادة تشكيل خارطة انتشار الجماعات. تأجيج الشعور بأنك إن كنت رحوماً، فلن يرحمك الآخر، وبالتالي ما أن يبادرك عنف المغلوب حتى تزيد عليه معدل الغلبة بدافع استئصالي. واقتناعك في الأول والآخر، أن مفهوم "البشر" ليس بالمشترك بينك وبين من تريد التخلص منهم. فإما أنك بشر من رتبة أعلى، وإما أنك تعتبرهم بشرا قد داخلتهم أرواح شريرة، أو سرت في عروقهم دماء مريبة.
(القدس العربي)