لقد شغل الرّجل موقع وزير الثقافة في بلاده، ومن بعد ذلك كان سفيرًا لها في الولايات المتحدة الأميركية، ثم عاد من واشنطن وزيرًا على رأس وزارة الخارجية، ومن قبل ذلك ومن بعده كان منتخبًا في المجلس البلدي لأصيلة نفسِها مرّة، وفي برلمان المغرب في الرباط مرّات.
لكنّ شيئًا ما في داخله كان يقول له، إنه إذا كان قد تولّى وزارة الثقافة في مستهل حياته العامّة، فإنّه سيكون على موعد مع العمل الثقافي الذي يُغيّر في مجتمعه، بل والذي يطمح إلى أن يُغيّر في أرجاء المنطقة، وربّما في العالم من بعد أصيلة والمنطقة معًا. قد يبدو هذا الكلام حالمًا أو مثاليًّا أكثر ممّا هو لازم، ولكن الحقيقة أنّه ليس كذلك، لأنّ المثقّف الحقيقي لا يعيش بغير حلمٍ يشدّه الى أرحب الآفاق، ولأنّ ما شيّده بن عيسى على أرض أصيلة كان أقرب إلى الحُلم الذي تحقّق في واقع الناس منه إلى أي شيء آخر.
أثبت محمد بن عيسى أنّ التغيير بالثقافة ممكن
أيّ طاقة كان يملكها ذلك الرجل يرحمه الله، وأيّ قدرة على توظيف الثقافة في تحسين حياة الإنسان كان يستحوذ عليها في وجدانه؟
كان هذا هو إيمانه، وكان هذا هو يقينه، وكانت الفترات التي تولّى فيها مواقع العمل الرّسمي في الوزارة والسفارة قد رسّخت هذا الإيمان في أعماقه، وجعلت يقينه في قدرة العمل الثقافي العام على التغيير يقينًا لا يحدّه حدّ.
ولأنّ الضدّ يُظهره الضدّ، فإنّنا سنكون في حاجة إلى المقارنة بين أصيلة قبل أن يؤسّس فيها بن عيسى منتداها الثقافي الدولي الشهير، وبين أصيلة بعد أن صارت إلى ما صارت إليه يوم رحيله عن دُنيانا في أوّل أيّام شهر الصيام.
لقد تحوّلت على يديه من مدينة صغيرة لا يكاد يسمع بها غير أهلها، إلى فضاءٍ ثقافيّ مفتوحٍ طوال السنة على كلّ الأفكار والفنون. جرى ذلك على مدى 45 موسمًا ثقافيًّا بدأت في 1978 وطالت إلى موسم 2024 الذي وقف الرّجل يقدّمه لضيوفه، وهو لا يدري أنّه موسمه لا موسمها الأخير. وحتّى عندما عطّل وباء كورونا أعمال الموسم لعامٍ أو عامين، فإنّه ما كاد يعود حتى كان بن عيسى قد قرّر أن يكون الموسم موسمَين في السّنة الواحدة بعد أن كان موسمًا واحدًا قبل الوباء.
صارت أصيلة من بعد الوباء على موعدٍ مع موسمين، أحدهما في الصيف كما عاشت تعرفه ونعرفه معها، وثانيهما في الخريف من كل سنة.
لا بدّ أنّ المدينة كانت ممتنّةً له يوم وقفت تودّعه لينام في ثراها، وكيف لا تكون ممتنّةً وقد جعلها تتنفّس الثقافة مع الهواء؟ كيف لا تكون ممتنّةً له وقد رفع اسمها فصار علامةً على منتدى دولي ثقافي عاش يتواصل وتتواصل أعماله على مدى عقود وبلا انقطاع؟ كيف لا تكون ممتنّةً له وهو الذي جعل الذين يزورونها من السياح أكثر عددًا من سكانها أنفسهم؟ كيف لا تكون ممتنّةً له وهو الذي انقطع لمنتداها كما لم ينقطع رجل من قبله لمنتدى مماثلٍ أو مشابه؟ كيف لا تكون ممتنّةً له وهو الذي أثبت في واقع المدينة أنّ التغيير بالثقافة ممكن إذا توافر الصّدق والإخلاص؟.
حكومات العرب ليست سواءً في إيمانها بجدوى العمل الثقافي
لقد عرفنا أكثر من منتدى ثقافي في أكثر من موقعٍ في أرض العرب، ولكنّها كلها تقريبًا لم تُعمّر طويلًا، ربّما لأنها لم تكن بإخلاص أهل أصيلة ولا بصدق رجل أصيلة، وربّما لأن حكومات العرب ليست سواءً في إيمانها بجدوى العمل الثقافي في حياة الشعوب، وليس سرًّا أنّ حكومات عربية تخشى هذه الجدوى أصلًا وتتّقيها. تخشاها وتتّقيها إلى حدّ أنّ الغالبية منها تكاد تتحسّس سلاحها كلّما تناهت إليها كلمة ثقافة.
ولكنّ صاحب منتدى أصيلة نجح في إقناع حكومة بلاده بجدوى العمل الثقافي، وبأهمّيته، وضرورته. وهو قد نجح في ذلك لأنّه هو نفسه كان يؤمن بما ذهب يُقنع به الحكومة، وقد بلغ في نجاحه حدًّا أنه أغرى ملك البلاد بأن يشمل المنتدى في كلّ دورة برعايته السامية.
(خاص "عروبة 22")