الصراع العسكري على الأراضي الأوكرانية، يعدّ أحد أبرز الأزمات الدولية بين روسيا من جهة والعالم الغربي وأمريكا من جهة أخرى، منذ انتهاء الحرب الباردة. وقد أدت الأزمة الأوكرانية إلى تحولات مهمة على مستوى القارة الأوروبية، أبرزها إحياء مفهوم الأمن الأوروبي، ناهيك من أزمات الطاقة والغذاء على المستوى العالمي.
العديد من النقاشات الأوروبية عادت لتحتدم اليوم حول كيفية إدارة التحديات الأمنية، التي تفرضها الصراعات على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومدى تأثيرها على أمن الاتحاد الأوروبي بشكل عام. يأتي ذلك بعد بوادر تخلي أمريكا عن تحالفاتها التقليدية، المتمثلة أساسا في حلف الأطلسي، واحتمال انسحابها من اتفاقيات ومعاهدات دولية. السقف العالي الذي رفعه جو بايدن وقادة الاتحاد الأوروبي بشأن كسر روسيا، ومنع هزيمة أوكرانيا بأي ثمن، يبدو أن وتيرته تنخفض مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي يقودها دونالد ترامب.. رجل المال والصفقات صاحب شعار "أمريكا أولا"، يقول إنه من الممكن حل الأزمة بين روسيا وأوكرانيا كما يمكن أن لا تُحل.
هذا يعكس صعوبة النقاش مع الروس، رغم ما ردّده ترامب من أنه قادر على إنهاء الحرب في ظرف وجيز، لو كان رئيسا للولايات المتحدة، وهذا يثبت مرة أخرى أنّ روسيا لا تمزح في علاقة بأمنها القومي. فمثلما لم يقف الاتحاد السوفييتي صامتا حيال إنشاء حلف الناتو، وقام بتشكيل تحالف عسكري دولي مع سبع دول شيوعية من أوروبا الشرقية في عام 1955 أطلق عليه اسم "حلف وارسو". لم تقف وريثة هذه المعسكر روسيا الاتحادية هي الأخرى مكتوفة الأيدي، عندما وجدت أنها تحاصَر من قبل الأطلسي بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي تسبب في الأزمة الجورجية، ومن ثم الحرب على أوكرانيا. السؤال الأهم كما جاء في "فورين أفيرز" هو كيف سيتم التعامل مع روسيا؟
فحتى الآن لم تأت أي إشارة ذات مغزى من موسكو بشأن التنازلات المحتملة، كما كان متوقعا، قدّم الكرملين مطالب متطرفة، وسيكون من الصعب للغاية أن يتزحزح عن موقفه. ومن الوهم الاعتقاد بأن السلام الدائم مع روسيا سيتم بمجرد ترسيخ خط التماس في شرق أوكرانيا.. وستطرح روسيا مطالب جديدة ومعقدة وبعيدة المدى، مع قضايا تتعلق بالاستقرار الاستراتيجي، فيما يتصل بالمنشآت العسكرية الأمريكية في شرق أوروبا. وسيتبين أنها شريك باهظ الثمن. ويتعين على أوروبا والولايات المتحدة أن تستعدا لعملية طويلة ومؤلمة، رغم بوادر المكالمات الهادئة بين بوتين وترامب.
الرئيس الأمريكي يخلط الأوراق شرقا وغربا، ويعود من جديد لتصعيد الوضع مع طهران، ويعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لتستمر في قصف غزة، وتقتل المدنيين وتخرق اتفاق الهدنة. هل تغيرت سياسة واشنطن ازاء المنطقة؟ أم أنها تريد أن تعيدها إلى ما كانت عليه في فترة السبعينيات، من خلال محاولاتها الإطاحة بالنظام الإيراني مثلا، وتنصيب نظام موالٍ لأمريكا، يخدم مصالحها كما كان الحال زمن الشاه؟ يبدو أنّ تهديدات دونالد ترامب الأخيرة تنذر بإمكانية تصعيد العمليات العسكرية، على نحو لا يجعلها تقف عند حدود الحوثيين في اليمن. ويمكن لهذا الرجل أن يشعل حربا إقليمية دون تردد، مع دولة يبدو أنها الوحيدة التي بقيت تزعج إسرائيل وأمريكا في المنطقة. إضعاف إيران وإنهاكها ماليّا واقتصاديا على مدى سنوات، يأتي ضمن مخطّط أمريكا لتعجيزها وتحجيم مكانتها كقوّة إقليمية لها نفوذ، بما يضمن تعزيز مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط بوصفها الحليف الأكثر ولاء لأمريكا والأقوى في المنطقة.
أمريكا تريد الاستمرار في العقوبات والخنق الاقتصادي، وطهران ترفض منطق الإكراه، وسياسة الأمر الواقع التي تريدها واشنطن وتل أبيب، وهذا ما عبر عنه الاجتماع الثلاثي الأخير بين موسكو وبكين وطهران، حيث تلقت إيران دعما واضحا من القوى الكبرى المناهضة للسياسة الأمريكية. مع ذلك، ما يتهدّد المنطقة من مخاطر ما زال قائما، والتصعيد يؤجّجه وكلاء واشنطن وطهران كلّما خفّت وتيرته، وعلى دعاة الحرب أن يدركوا أنّ أي تصادم عسكري بين أمريكا وإيران بعد أن تشعله إسرائيل سيجرّ المنطقة إلى جحيم إقليمي بتداعيات لا يمكن السيطرة عليها، وسيتضرر الجميع ويحترق المبنى بالكامل.
دونالد ترامب، بتهديداته المتزايدة لغزة وموضوع الرهائن. كذلك ما يفعله ضد اليمن وتهديده المتكرر لإيران، لا يفعل سوى تأكيد أن السياسة الأمريكية لا تزال، كما كانت دائما، أداة لتكريس التفوق الإسرائيلي في المنطقة. فالإدارة الأمريكية التي تريد أن تجعل من غزة منتجعا سياحيا بعد أن تهجّر أهلها، تُعيد إنتاج الخطاب ذاته، الذي يتمحور حول دعم إسرائيل تحت أي ظرف، وتمييع أي اتفاق يمكن أن يمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة. وبغض النظر عن الحزب الحاكم، الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل هو ذاته لا يتغير. في الأثناء، استراتيجية مجرم الحرب نتنياهو في العودة إلى الحرب، ليست تكتيكا تفاوضيا للضغط على حماس، بل تعتمد على استغلال التردد الأمريكي وتحويله إلى غطاء دبلوماسي لمزيد من التصعيد.
هذا جوهر ما يفعله نتنياهو بعد عودته إلى أعمال الحرب والإرهاب على غزة المحاصرة والمنكوبة. حسابات تل أبيب غير مرتبطة بالالتزامات التفاوضية، ولم تكن يوما كذلك، وعندما يجد رئيس حكومة الاحتلال أن دعم الرئيس الأمريكي ترامب ليس مجانيا، بل قائما على صفقات ومصالح، تجعل مواقفه مترددة، فهو يعلم بالتالي أن مثل هذا الرئيس وإدارته لن يضغطوا على إسرائيل لتطبيق مشروع إعمار غزة أو إنهاء الحرب بشكل نهائي.
في المحصلة، الصراعات الإقليمية والاختلافات الأيديولوجية والمصالح المتنافسة شرقا وغربا، تشكل تحديات لنظام متعدد الأقطاب تبحث القوى الجديدة مثل روسيا والصين والهند والبرازيل وغيرها أن يكون فاعلا، على نحو التحول نحو نظام دولي تعاوني، يطوي صفحة الهيمنة الأحادية من قبل دولة واحدة. بناء نظام عالمي قادر على إدارة التحديات المشتركة، بدءا من معضلة تغير المناخ إلى الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وصولا إلى تخفيف خطر المواجهات العسكرية المدمرة وتحقيق تنمية بشرية عادلة، هي الرهانات والتحدي الحقيقي أمام الدول.
صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال تلعب دورا مهما لكن عليها التخلي عن فكرة الزعامة العالمية، عليها أن تفسح المجال لنظام مترابط، حيث تتقاسم القوى الإقليمية والمؤسسات الدولية والكتل الاقتصادية المسؤولية عن الاستقرار العالمي. بدلا من البحث عن هيمنة عالمية جديدة، يجب على المجتمع الدولي أن يتبنى نظاما أكثر لامركزية وأشد تعاونا. هل يمكن أن يتحقق ذلك مع واقعية التنافس الاستراتيجي، ومظاهر شخصنة السياسة ونرجسية الحكام التي نراها. يبدو أن المسألة تحتاج إلى ضغط الرأي العام العالمي، من أجل رفض الحروب، والجنوح إلى السلام والاهتمام بتطلعات الشعوب وحقوقهم الإنسانية.
(القدس العربي)