الأمن القومي العربي

المشرق العربي في مهبّ مشاريع التقسيم!

تضمّّن كتاب "بين عصريْن" للمستشار الأسبق للأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي، فيما تضمّن، مجموعةً من الأفكار حول سيطرة الغرب على الشرق الأوسط كضرورةٍ لأمن الغرب، وكمدخلٍ لتحقيق ذلك اقترح إثارة "الانقسامات الطائفية والعِرقية في المنطقة". وعلى خلفية ذلك، كلّفت وزارة الدفاع الأميركية عام 1980 المستشرق والمؤرّخ برنارد لويس بوضع مخطّّط لتقسيم المنطقة فقدّم مشروعًا يتضمّن تقسيم 18 دولة عربية إلى مجموعة دويْلات صغيرة تعيش إلى جانب دولة إسرائيل الكبرى.

المشرق العربي في مهبّ مشاريع التقسيم!

ظهرت مصر في خريطة الشرق الأوسط الكبير هذه مقسّمة إلى أربع دويلات، والعراق إلى ثلاث دويلات، دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة، وأخرى سنّية، وثالثة كردية تقتطع أراضي عراقية وسورية وإيرانية. أمّا سوريا، فقد قُسّمت إلى أربع دويلات على أساسٍ ديني ومذهبي وهي دولة علوية على امتداد الشاطئ، وثانية سنية في منطقة حلب، وثالثة سنّية أيضًا في منطقة دمشق، ورابعة درزية في الجولان ولبنان.

بعد أكثر من 45 عامًا من مخطط برنارد لويس يبدو أنّ ما رُسِم أخذ يلوح في الأفق على نار هادئة أحيانًا وأخرى مُلتهبة

يلتقي مشروع لويس موضوعيًّا مع المشروع الصهيوني "التوراتي" الذي يُنادي بـ"دولة إسرائيل من الفُرات إلى النيل" في موازاة دول دينية ـ طائفية ذات حجم صغير يسمح لإسرائيل بالتحكّم فيها وبأن تعلن هي نفسها يهوديّتها. ولا تبدو فكرة تقسيم المنطقة بغريبة عن الإيديولوجية الصهيونية. فمنذ عام 1953، أنشأ رئيس الحكومة ديفيد بن غوريون فريق عمل ضمّ خبراء من الجيش والأمن وأجهزة الاستخبارات والمهمّات الخاصة، لكي يتولى الاتّصال بالأقلّيات في الوطن العربي، وتوثيق العلاقات معها. والآن، بعد أكثر من 45 عامًا من ظهور خرائط الشرق الأوسط الكبير ومخطط برنارد لويس سالِف الذكر، يبدو أنّ ما رُسِمَ أخذ يلوح في الأفق وإن على نارٍ هادئةٍ أحيانًا وأخرى مُلتهبة.

في عام 2011، وعلى خلفيّة الأزمة الليبية، وتواتُر الحديث بقوّة عن تقسيم ليبيا إلى ثلاث مناطق مستقلّة أو فيدرالية (منطقة غربيّة تسيطر عليها طرابلس، وشرقيّة عاصمتها بنغازي، وجنوبيّة تسيطر عليها الجماعات المسلّحة)، وعلى الرَّغم من عدم تنفيذ المخطّط رسميًا، إلّا أنّ البلاد ظلّت تعيش الفوضى وتفكّكًا جيوسياسيًا وصراعات عنيفة أحيانًا بين مختلف الفصائل المسلّحة والجهات الرسميّة أو شبه الرسميّة.

في 2012، وبعد توسّع الحرب بين النظام السوري الحاكِم والمجموعات المسلّحة، لوّحت أطراف دولية بخيار تقسيم سوريا إلى مناطق ذات أغلبية عرقية وطائفية، ومن ذلك دولة كردية في الشمال وأخرى علوية في الساحل وكيانات سنّية في بقية المناطق.

ومع التطوّرات التي عرفتها المنطقة بعد "طوفان الأقصى" والقضاء على جزء هام من القيادة السياسية والعسكرية لـ"حزب الله" اللبناني وتدمير كلّ أسلحة الجيش السوري واحتلال المنطقة العازلة ومرتفعات جبل الشيخ، وإعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية عن "شرق أوسط جديد"، تناولت عدّة مراكز بحث إسرائيلية مسألة تقسيم سوريا، من قبيل ما أكّده رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، مايكل ميلشتاين، قائلًا إنّه "ليس من المبالغة الافتراض أنّ سوريا كدولة ستتفكّك إلى كيانات منفصلة، ​​أو بشكلٍ أكثر دقة، سيترسّخ الوضع المتفكّك الذي ميّزها منذ أكثر من عقد من الزمن".

مشروع التقسيم بدأت ملامحه تظهر على الساحة ويبدو أنّ سوريا من أكثر الدول المرشّحة لهذا التقسيم

كما أكّدت صحيفة "إسرائيل هيوم" ما دار من مناقشاتٍ داخل إسرائيل تقترح تقسيم سوريا إلى "كانتونات" بهدف حماية الأقلّيات، وتناولت مداولات مجلس الوزراء كذلك تطوّرات الأوضاع في سوريا، وبخاصّة معالجة المخاوف بشأن قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشّرع، والحرص على سلامة الأقليتيّن الدرزية والكردية في المنطقة، وقد شملت المناقشات النّظر في مبادرة، كان كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين يدرسونها منذ انهيار نظام بشار الأسد، مع اقتراح تقسيم سوريا إلى كانتونات لحماية أمن وحقوق جميع الجماعات العرقية السورية.

على خلفية كلّ ما سبق، لم يعد مشروع التقسيم الجديد مستحيلًا، إذ بدأت ملامحه تظهر شيئًا فشيئًا على الساحة، وعلى الأخصّ في سوريا وغزّة والضفّة الغربية بدعم ضمني أحيانًا، وسافِر من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي طرح مشروع ترحيل الفلسطينيين من غزّة إلى مصر، وأيضًا من الضفّة إلى الأردن، وتصريحه بأنّ "دولة إسرائيل صغيرة جدًا وهي في المنطقة أشبه برأس قلمه على مكتبه، وهذا الواقع، يجب أن يتغيّر".

يبدو أنّ سوريا هي من أكثر الدول المرشّحة لهذا التقسيم ومن مظاهر ذلك الأحداث التي عرفها الساحل السوري ومنطقة السويداء وسائر المنطقة الجنوبية في سوريا، وقد يكون ذلك اللبَنَة الأولى نحو تقسيم سوريا وفتح ما يُعرف في الأدبيات التوراتية الصهيونية "ممر داوود"، الذي يمتد من شمال فلسطين إلى أربيل مرورًا بجنوب سوريا ومنطقة التنف وشرق سوريا، وصولًا إلى العراق وربّما لبنان، وهو الحلم الصهيوني بـ"إقامة إسرائيل كبرى من النيل إلى الفرات".

سيبقى مشروع التقسيم قائمًا ما لم تتمكّن شعوب المنطقة ونخبها من النضال من أجل إقامة أنظمة ديموقراطية عادلة

أمام هشاشة الاندماج وتردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العديد من الأقطار العربية بالتوازي مع القدرات الاستخباراتية "الفائقة" لإسرائيل وبعض الدول ذات المصلحة، تصبح مسألة التقسيم أحد أهم الخيارات أمام إسرائيل، وإنْ تحقّق هذا الهدف في سوريا، فليس من المستحيل على تلك الأطراف العمل على انتقال الظّاهرة إلى لبنان والعراق ما قد يدفع باتجاه حرب أهلية وهو احتمال لوّح به مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي في سوريا، التي تظلّ بالنتيجة ميزان الاستقرار أو الفوضى في الشرق الأوسط.

سيبقى مشروع التقسيم قائمًا، بل قابلًا للتحقيق ما لم تتمكّن شعوب المنطقة ونخبها من التصدّي له والنضال من أجل إقامة أنظمة ديموقراطية عادلة يشعر فيها المواطنون (وليس الرعايا) بالكرامة والمساواة من دون إقصاء أو تهميش.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن