خطوات متسارعة يقوم بها الاحتلال الاسرائيلي لتهجير سكان قطاع غزّة وتضييق الخناق عليهم مع مواصلة عملياته العسكرية الجوية والبرية والتي حولت القطاع الى مكانٍ غير قابل للسكن. وعلى الرغم من الرفض العربي القاطع لمخطط التهجير، الذي بث فيه الرئيس الاميركي دونالد ترامب "أوكسجين الحياة"، الا أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يمضي قدمًا بالمشروع ويستخدم كل الادوات الممكنة لجعله أمرًا واقعًا، سواء من خلال إنشاء وكالة خاصة "للمغادرة الطوعية" أو عبر تهديده بضم أراضٍ من قطاع غزّة واجباره السكان على النزوح والتشرد الذي يضاف اليه اعتماد سياسة التجويع ومنع دخول المساعدات الانسانية.
"إبادة جماعية" يعيشها الغزاويون الذين يأملون بنجاح الوساطات الجارية لاعادة وقف الحرب وارساء هدنة طويلة الامد، وهو ما لا يبدو متاحاً وفق المعطيات الحالية، خاصة أن الولايات المتحدة الاميركية تعلن دعمها لخطوات نتنياهو وتبررها وتحمّل "حماس" مسؤولية ما يجري كما تمدّه بالذخيرة والاسلحة المتطورة لاستكمال الحرب. في وقت فشلت كل المظاهرات والاحتجاجات الحاشدة التي ينفذها أهالي الاسرى الاسرائيليين المحتجزين لدى "حماس" من تجميد القتال واستئناف مفاوضات وقف النار وثني نتنياهو عن مخططاته التي يبلورها ايضاً عبر ازاحة كل المعارضين له وأخرهم تصويت الحكومة الإسرائيلية، أمس، على حجب الثقة عن المدعية العامة للدولة غالي بهاراف ميارا وذلك بعد أيام من إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" رونين بار.
وعليه، تستكمل الوساطات والمقترحات لكن دون أن تجد أذاناً صاغية من قبل الطرف الاسرائيلي الذي وسع من عملياته البرية في القطاع، حيث حاصر حي تل السلطان في رفح بعد أن أنذر سكانه بالإخلاء، فيما شنّت قوات الاحتلال سلسلة من الغارات العنيفة في شمال القطاع ووسطه أدت الى سقوط المزيد من الشهداء والجرحى ليضافوا الى قائمة الـ50 ألفاً الذين قتلتهم اسرائيل منذ بدء الحرب على القطاع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، بحسب وزارة الصحة. ومنذ سقوط الهدنة الهشة، يستهدف الجيش الاسرائيلي القياديين البارزين في "حماس"، حيث أعلن خلال الساعات الماضية عن مقتل عضو المكتب السياسي في الحركة إسماعيل برهوم خلال تلقيه العلاج في مستشفى ناصر بخان يونس، جنوب القطاع، بعد إصابته في هجوم إسرائيلي، آخر الأسبوع الماضي. وفي وقت سابق أمس، قال الجيش إن قواته وجهاز الأمن العام "الشاباك" قتلوا نائب قائد "لواء غزة" في "حماس"، أحمد سلمان عوض شمالي وقائد كتيبة "الشجاعية" جميل عمر.
في السياق عينه، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، تقريرًا جاء فيه أن قادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين يدرسون خططًا لشن عملية برية قد تشمل احتلالًا عسكريًا لقطاع غزّة بأكمله لأشهر وربما أكثر. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن الاستراتيجيات الجديدة التي يخطط الجيش لاعتمادها قد تشمل أيضاً السيطرة العسكرية المباشرة على المساعدات الإنسانية، فضلاً عن استهداف المزيد من القيادات المدنية لحركة "حماس"، وإجلاء النساء والأطفال وغير المقاتلين إلى "مناطق إنسانية" وحصار المتبقين". وتمثل هذه الخطط تغييرًا جذريًا في العمليات التي تتخذ طابعاً أشد عنفًا وقتلًا منذ سقوط مفاعيل اتفاق وقف النار الاسبوع الماضي.
سياسياً، طالبت اللجنة الوزارية العربية - الإسلامية، في اجتماع عُقد بمشاركة أوروبية، إلى استئناف مفاوضات هدنة غزّة والعودة الفورية لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وادخال المساعدات الانسانية على نطاق واسع، معلنة عن رفضها الكامل لكل أشكال التهجير والعواقب التي قد تنتج في حال اعتماد مثل هذه الخطوات. هذا ودعت اللجنة المجتمع الدولي الى حشد الجهود من أجل انجاح مؤتمر التعافي وإعادة الإعمار المبكر في غزّة، والمقرر عقده في القاهرة. وبالتزامن مع الوضع المُعقد في غزّة يستمر الاحتلال في عمليته ضد الضفة الغربية المحتلة، التي لا تلق الاهتمام الاعلامي والسياسي الكافي، خاصة أن مخططات التهجير تجري ايضاً هناك على قدم وساق بعد مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي على فصل 13 حيًا استيطانيًا غير قانوني في الضفة الغربية تمهيدا لشرعنتها كمستوطنات.
الى ذلك، تستمر الغارات الاميركية على مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن حيث أفادت وسائل اعلامية عن سقوط قتلى وجرحى في هجوم على مديرية معين بصنعاء، بعد ساعات من سلسلة ضربات استهدفت محافظات الحديدة وصعدة ومأرب. من جهته، أشار المتحدث العسكري بإسم الجماعة يحيى سريع الى استهدافهم مطار بن غوريون في إسرائيل بصاروخ باليستي، متحدثًا عن نجاح العملية، "بعدما أدى ذلك إلى توقف حركة الملاحة الجوية في المطار لأكثر من نصف ساعة". كما أعلن، في إطار متصل، وقوع اشتباك مع حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس هاري ترومان" والقطع الحربية المرافقة لها في البحر الأحمر استمر لعدة ساعات.
وبعد التطورات المتسارعة على الجبهة اللبنانية، والتي استدعت اتصالات رسمية رفيعة المستوى لمعالجة ذيول حادثة اطلاق صواريخ "مجهولة المصدر" من جنوب لبنان باتجاه مستعمرة المطلة الحدودية ومنع جرّ البلاد نحو حرب جديدة لا يستطيع تحمل تبعاتها، صرح رئيس مجلس النواب نبيه بري أن "لدى إسرائيل نية لاستدراجنا للدخول في مفاوضات سياسية وصولاً لتطبيع العلاقة بين البلدين، لكننا لسنا في هذا الوارد". وقال لـ"الشرق الأوسط" "لدينا اتفاق يحظى بدعم دولي وعربي وبتأييد الأمم المتحدة، ونحن نطبّقه ونلتزم بحرفيته، وإسرائيل هي من يعطل تنفيذه وتسعى للالتفاف عليه". وشدد بري ايضاً على أن "الحزب يمتنع عن الرد على الخروق الإسرائيلية لوقف النار، ويتّبع سياسة ضبط النفس، ويقف خلف الدولة اللبنانية لتطبيق الاتفاق بتثبيت وقف النار".
في موازاة ذلك، عزّز الجيش اللبناني انتشاره في المنطقة المحيطة ببلدة رميش الجنوبية بعدما اجتازت قوات وآليات إسرائيلية الحدود، صباح الأحد، ونفذت عمليات تجريف وتمشيط ونشرت عناصر من المشاة في الأراضي اللبنانية، قبل أن تعود أدراجها. ويخرق جيش العدو اتفاق الهدنة بشكل يومي ويبقي الاحتلال سيطرته على 5 مواقع استراتيجية في جنوب لبنان وعلى طول الحدود مع اسرائيل.
ايرانياً، تشتد ضغوط واشنطن الساعية نحو الوصول الى اتفاق نووي جديد مع طهران، الا أن البارز كان ما أعلنه مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز، الذي أكد أن بلاده "تطالب بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وليس مجرد الحدّ من تخصيب اليورانيوم". وأضاف: "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وحان الوقت لإيران للتخلي تماماً عن طموحاتها النووية". ومنذ عودته الى البيت الابيض، فعّل الرئيس دونالد ترامب سياسة "الضغوط القصوى" التي اتبعها في ولايته الأولى وتتضمن جهوداً لخفض صادرات إيران من النفط إلى الصفر، كما فرض أربع حزم من العقوبات على مبيعات النفط الايرانية.
من جهته، عزا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رفض طهران للتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة إلى "التجارب السابقة، بما في ذلك الاتفاق النووي"، مشدداً على أن طهران "مستعدة" للتفاوض غير المباشر عبر وسطاء مع الاتحاد الأوروبي وعمان، و"هو النهج الذي تتبعه حالياً". يُشار الى أن المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف كشف عن مفاوضات تجري عبر قنوات سرية بين واشنطن وطهران، ولكنه رفض الغوص في التفاصيل.
أما تركيا، فتمر في منعطف شديد الخطورة غداة التظاهرات الحاشدة التي عمت البلاد رفضًا لاعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، والذي يُعد من "أشرس" منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان. وقد أمرت محكمة تركية، أمس، باحتجاز أوغلو، في انتظار محاكمته بتهم فاسدة في حين يرفض الاخير كل التهم الموجهة واضعاً اياها في اطار حملة "الاتهامات والافتراءات غير المعقولة". يُذكر أن وزارة الداخلية التركية علّقت عمل أوغلو كرئيس بلدية إسطنبول بانتظار تعيين بديلاً له بالإنابة في الايام المقبلة.
في الشأن الدولي، تتجه الانظار الى السعودية التي تستضيف الجولة الثالثة من محادثات انهاء الحرب الأوكرانية، عبر اجتماعين منفصلين؛ أميركي - أوكراني وأميركي - روسي. بينما ترتفع حظوظ التوافق والوصول الى حل مشترك، إذ قال المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف "سترون في السعودية تقدمًا ملموسًا، لا سيما بشأن وقف إطلاق النار في البحر الأسود على السفن بين البلدين. ومن ثم، ستتجه الأمور بشكل طبيعي نحو وقف شامل لإطلاق نار".
وقد ركزت الصحف العربية اليوم على ما يجري في الشرق الاوسط من صراعات وحروب تقودها تل أبيب وواشنطن وتداعيات ذلك على المنطقة برمتها. وفي جولة على أبرز ما ورد نرصد:
رأت صحيفة "الرياض" السعودية أن "الشرق الأوسط يعيش حالة من التحوّلات المتسارعة، في مشهد يبدو أكثر غموضًا من أي وقت مضى". فبحسب وجهة نظرها، "تشير الوقائع إلى أن مكانة إسرائيل الإقليميّة قد تعزّزت بعد نجاحها في إضعاف أعدائها الرئيسين، وأن الدور التركي يشهد صعودًا ملحوظًا في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، فضلًا عن عودة صاخبة للولايات المتحدة كلاعب مؤثر ومباشر في المنطقة تحت قيادة ترامب، في حين تراجع الدور الروسي بشكل واضح".
أما صحيفة "الغد" الأردنية، فأشارت الى أنه "ليس قدرا لمنطقة الشرق الأوسط أن تكون تحت تهديد الضربات الإسرائيلية كما هو حاصل الآن"، متوقعة أن "نهوض الدول وسيطرتها على أراضيها وحصر استخدم القوة بيدها، سيجعل من الصعب على حكومة الاحتلال المتغطرسة أن تواصل عدوانها". وخلصت الى "غياب الدول جلب لشعوب عربية الويلات والحروب الخاسرة والفوضى، والفرصة باتت مواتية للتفكير بالاستقرار والنهوض من جديد".
وتحت عنوان "اسرائيل تصعّد على كل الجبهات من جديد"، كتبت صحيفة "الأهرام" المصرية "عودة المنطقة إلى سيناريو التصعيد الإقليمي بشكل عام، بعد فترة من الهدوء الحذِر، يمكن تفسيرها في ضوء إمعان الحكومة اليمينية المتشددة في إسرائيل في تنفيذ أجندتها المتطرفة، والتي تقوم في الأساس على محاولة تطبيق سيناريو تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة". وأضافت "كل ذلك يتيح القول بأن المنطقة تبدو مقبلة على استحقاقات صعبة، خاصة فى حالة ما إذا اتسع نطاق التصعيد ليشمل إلى جانب جبهاته الحالية إيران أيضا".
بدورها، لفتت صحيفة "الجريدة" الكويتية الى أن "ما يحدث الآن في غزة قتل وحشي متعمد هدفه معلن وهو إفراغ غزة، ومن ثمة الضفة الغربية، وبأي طريقة من أهلها لتنفيذ مآربهم القديمة". وتابعت: "لا يجب بعد اليوم التبرير السمج بأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لأنه ليس هناك أي معركة، بل هناك مجازر ترتكب ضد الفلسطينيين بحجة ذلك الهجوم على دولة مدججة بالسلاح حتى أسنانها، دولة محمية بالتزام صريح ومعلن من أميركا وكل أوروبا".
وشددت صحيفة "الوطن" القطرية على أن "وقف دائرة العنف المحموم في قطاع غزّة والعودة الفورية إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن والمحتجزين، يشكل دون أدنى شك الأرضية الملائمة للوضع الخطير الناجم عن مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية". وقالت "يؤكد التصعيد الإسرائيلي الحاجة الملحة للعودة إلى اتفاق وقف النار وإيصال المساعدات بشكل مستدام ودون عوائق".
وضمن الاطار، أشارت صحيفة "البلاد" البحرينية الى أن "إدارة ترامب تدرك أن الفرصة سانحة لممارسة مزيد من الضغوط على إيران بجميع السبل الممكنة، لا سيما أنها تعرضت، مع وكلائها، لخسائر فادحة جراء تبعات حرب غزة، أعقبها سقوط نظام الأسد في سوريا"، مؤكدة أنه "لا يمكن فصل التصعيد الأميركي في اليمن عن إيران، إذ يهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين: الأول إرغام إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر صرامة بشأن برنامجها النووي، والثاني إضعاف وكلائها الإقليميين".
(رصد "عروبة 22")