يمر الشرق الأوسط بلحظة حادة من انعدام الاستقرار والأمن. من جهة أولى، أظهرت الفترة الممتدة من نشوب حرب غزة في أكتوبر 2023 وإلى اليوم عجزا إقليميا ودوليا عن تسوية الحروب والصراعات سلميا ورتبت توسعا غير مسبوق في استخدام الأداة العسكرية في مناطق مختلفة. من جهة ثانية، اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن استمرار بعض المشكلات والتناقضات الرئيسية في الشرق الأوسط عالقة دون حل لن ينتج سوى انفجارات متتالية تخلف المزيد من الدماء والدمار والجرائم ضد الإنسانية.
فالحرب بين إسرائيل وحماس تتواصل إلى اليوم لأن المشكلة الفلسطينية بمكوناتها تقرير المصير والدولة المستقلة لم تحل بعد، ولأن توافق الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على تصور مقبول لإدارة شؤون غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية يظل غائبا.
ويرتبط التمدد الإقليمي لحرب غزة خلال الشهور الماضية، إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، بالاستعداد الدائم لإسرائيل لتوظيف قدراتها العسكرية لضرب أعدائها وبسعي إيران المتكرر لاستخدام وكلائها في الشرق الأوسط لتهديد وضرب إسرائيل. وحصيلة الأمرين هي امتلاء المنطقة بحركات معسكرة وميليشيات مسلحة كحزب الله اللبناني وجماعة الحوثيين اليمنية وميليشيات الحشد الشيعية في العراق تتورط في صراعات مسلحة بمعزل عن إرادة الدول الوطنية التي تتواجد على أراضيها.
من جهة ثالثة، صارت أيضا محدودية فاعلية العمل الإقليمي الجماعي والدبلوماسية متعددة الأطراف في الشرق الأوسط واضحة بعد أن امتدت حرب غزة وتوابعها حتى صارت الحرب الأطول في حروب إسرائيل والعرب ولم يتمكن الوسطاء، مصر وقطر تحديدا، من تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس ما أن ابتعدت الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة دونالد ترامب عن مساندة جهود الدولتين.
تغيب عن الشرق الأوسط منظمات جماعية يناط بها ضمان الاستقرار وبناء الأمن والتحرك لاحتواء الحروب والصراعات وتسويتها سلميا. فلا توجد منظمة شرق أوسطية للتعاون والأمن، وجامعة الدول العربية، ولأسباب حيوية تتعلق بالمصالح القومية، تقتصر على أعضائها العرب. أما القوى النافذة غير العربية، إسرائيل وإيران وتركيا، فلا تربط بينها سوى علاقات عداء أو علاقات توتر وتنافس.
في ظل غياب الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، انخرطت قوى إقليمية ودولية أحيانًا في اقتراح ترتيبات أمنية جماعية. ومن الأمثلة على ذلك معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي وقّعتها دول جامعة الدول العربية عام 1950، والتي نصّت على التزام جميع الدول الموقعة عليها بالمساعدة في حماية وحدة أراضي وسيادة بعضها البعض.
ومن الأمثلة الأخرى حلف بغداد، الذي أنشأته المملكة المتحدة برعاية الولايات المتحدة، وجمع العراق وتركيا وإيران وباكستان كأعضاء بهدف احتواء الشيوعية في الشرق الأوسط، وأسقطته مصر الناصرية بسياساتها الرافضة للأحلاف العسكرية في المنطقة. كذلك شهد الشرق الأوسط العديد من مبادرات التنسيق الأمني الجماعي، غير أنها في المجمل ظلت دون فاعلية كبيرة.
في الشرق الأوسط اليوم، يقف العرب، على وجه العموم وبصفة خاصة في مصر والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات، وحيدين في دور الوسطاء في الصراعات وصانعي السلام. في المقابل، لا يوجد شركاء سلام نشطون إن في إسرائيل أو في إيران أو في الولايات المتحدة التي تقارب المنطقة اليوم وفقا لأهداف أخرى.
لذا، تشترك الدول العربية الناشطة في دبلوماسية الشرق الأوسط في مصلحة جوهرية تتمثل في إرساء إطار أمني جماعي يعيد الاستقرار في المنطقة. ورغم هذه المصالح المشتركة، تُعيق عقبات كبيرة جهود إرساء الأمن الجماعي في الشرق الأوسط، أبرزها اعتماد إسرائيل وإيران على الأدوات العسكرية وتدخلهما المتكرر في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. تُقوّض هذه الممارسات الثقة، وتُفاقم الانقسامات، مما يُصعّب بناء رؤية مشتركة للسلام والاستقرار. ولكن، بدون إطار عمل جماعي، ستظل حلقة الحرب والصراع المفرغة تُعرّض مصالح الجميع للخطر.
وبالتبعية، ما لم تقاوم إسرائيل وحماس والحوثيون إغراء اللجوء إلى التدابير العسكرية ويتقبلوا التسويات التفاوضية فإن الحروب المستمرة لن تنتهي. يمكن للجهات الفاعلة الإقليمية، مثل مصر والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، أن تلعب دورا بناءً في إقناع حماس بمواصلة التفاوض وقبول أنها لن تكون جزءا من حكم غزة في المستقبل والابتعاد عن الرد عسكريًا على الضربات الإسرائيلية الحالية.
ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على دفع إسرائيل إلى وقف التصعيد الحالي والتفاوض على ترتيبات لوقف إطلاق النار مع حماس. وهناك شكوك مشروعة حول ما إذا كانت إدارة ترامب مهتمة باتباع هذا الاتجاه أو بالاستثمار في الحلول التفاوضية والتسويات السلمية. أما بالنسبة للحوثيين وبينما يمكن لحملة عسكرية أمريكية مستمرة ضدهم أن تحيد في نهاية المطاف قدراتهم العسكرية والتهديد الذي يشكلونه على الأمن في البحر الأحمر وتورطهم في الحرب بين إسرائيل وحماس، فإن إيران وحدها هي التي تستطيع أن تدفعهم إلى تغيير سلوكهم.
والشاهد أن ما دامت الحكومة الإيرانية لا ترى أي مجال للتفاوض على تسوية كبرى مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي ومصالحها في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط ولا يصل طهران من واشنطن سوى تهديدات متصاعدة، سيظل من غير المرجح أن تتجه السياسة الإيرانية إلى الضغط على الحوثيين لتبني مسارات جديدة. أغلب الظن، إذا، أن انعدام الاستقرار والأمن سيتواصل في منطقتنا وستواصل شعوبنا العربية والشعوب في جوارنا تحمل الكلفة الباهظة للدماء والدمار ولغياب التنمية الشاملة التي تستدعي السلام والتعاون بين الجميع.
(القدس العربي)