صحافة

"المشهد اليوم"...جهود لوقف الحرب في غزّة مع مواصلة الاحتلال مجازرهالتقارب السوري - التركي يثير مخاوف إسرائيل وغارات أميركية تدك مقار الحوثيين في صعدة

أداء صلاة الجنازة على فلسطينيين استشهدوا بقصف إسرائيلي استهدف مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

يدأب الوسطاء على ايجاد حلول تلقى قبولًا أميركيًا واسرائيليًا من أجل تحريك مفاوضات وقف النار في قطاع غزّة، الذي يعاني سكانه من الوحشية الاسرائيليّة والتي فاقت كل التوقعات. وتحاول مصر، المعني المباشر، بعملية التهجير التي يطمح لها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعم أميركي، الى طرح تصورات وتفعيل اتصالاتها مع الجهات المعنية لاعادة مفاعيل الهدنة خاصة ان القاهرة أعربت مرارًا وتكرارًا عن رفضها المس بالقضية الفلسطينية وبقبول مخططات الترحيل "طوعًا أو قسرًا"، وهو موقف تجمع عليه كافة الدول العربية التي تبنت خلال مؤتمر القاهرة، الذي عقد أوائل الشهر الحالي، خطة لاعادة اعمار القطاع مع تقديم رؤية لـ"اليوم التالي" دون وجود "حماس" في الحكم.

الا أن مفاعيل الخطة المصرية التي ايضًا حظيت بإشادة ودعم أوروبي لم تلقَ الأصداء نفسها لدى الجانبين الاميركي والاسرائيلي وسط اصرارهما على تسليم الحركة لاسلحتها ومغادرتها القطاع بشكل نهائي، وهو ما لا تزال ترفضه "حماس" التي من جهتها تدرك ضعف موقفها التفاوضي مع استهداف تل أبيب لقيادتها البارزة وعدم وجود داعم قوي يعزّز شروطها. ومن هنا كان لافتًا ما تداولته وسائل اعلامية عديدة عن مقترح مصري لاقى تأييداً من قبل الحركة، بهدف وقف الحرب مع اقتراب عيد الفطر المبارك، وسط غموض الموقف الإسرائيلي الذي لا يزال حتى الساعة يجنح نحو استكمال الحرب وتوسيع نطاقها.

ويقضي المقترح، الذي لم تعلن القاهرة رسميًا عن تفاصيله، بأن تفرج "حماس" عن 5 رهائن أحياء، من بينهم الأسير الأميركي - الإسرائيلي، مقابل سماح تل أبيب بإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتوقف القتال لمدة أسبوع، كما ستفرج إسرائيل عن مئات الأسرى الفلسطينيين، بحسب ما صرح مسؤول مصري لوكالة "أسوشييتد برس". الا أن مصادر أمنية أخرى تحدثت لـ"رويترز" عن مقترح طرحته أيضًا مصر ويتضمن جدولًا زمنيًا لإطلاق سراح جميع الرهائن مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل بضمانات أميركية، لافتة إلى أن "المقترح المصري ينص على أن تطلق "حماس" كل أسبوع سراح 5 رهائن، بشرط أن تبدأ إسرائيل تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار بعد الأسبوع الأول".

أمام هذين المقترحين تدور المفاوضات التي لا تزال، حتى الساعة، دونها الكثير من العقبات، في وقت يتم فيه تدوير الزوايا للوصول الى وقف لاطلاق النار حقنًا للدماء الفلسطينية. هذا وقد أسفرت عودة الحرب الى سقوط أكثر من 730 شهيدًا و1367 مصابًا، جلّهم من النساء والاطفال، منذ انهيار الهدنة الهشة في القطاع الاسبوع الماضي، بحسب بيان لوزارة الصحة والتي حذرت من أوضاع انسانية كارثية في ظل انعدام كل مقومات الحياة واستهداف الاحتلال المستشفيات والطواقم الاسعافية والاغاثية. بينما أشارت تقديرات وكالة "الأونروا" إلى "نزوح 124 ألف شخص مجدداً في غضون أيام، هربًا من القصف الإسرائيلي المستمر"، الذي أيضًا يتزامن مع دعوات الاخلاء وتوسيع نطاق العملية البرية.

ومنذ أحداث 7 أكتوبر 2023 قتلت اسرائيل أكثر من 50 ألف شخص، ثلثهم أقل من سن 18 عامًا كما اختفت 1200 أسرة بأكملها من السجل المدني بعد استشهاد كل أفرادها، إحداها تتكون من 14 فردًا. وفي السيّاق عينه، ارتفعت حصيلة الشهداء الصحفيين منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع إلى 208، بعد استشهاد مراسل "الجزيرة مباشر" حسام شبات بعد ساعات من استشهاد زميله محمد منصور أيضًا في غارة إسرائيلية على منزله في خان يونس جنوبي القطاع.

ومع استئناف القتال، كثفت تل أبيب من استهداف قيادات "حماس" ورموزها البارزين ضمن الحملة العسكرية العنيفة التي تنفذها تحت شعار القضاء على الحركة واطلاق سراح كل الأسرى المحتجزين لديها، والذين يُقدر عددهم بـ 59 رهينة في غزّة، يُعتقد أن نحو 24 منهم ما زالوا على قيد الحياة. وتجهد عائلاتهم عبر المظاهرات اليومية والمناشدات الدائمة الى عودة الهدنة ووقف الحرب للمحافظة على حياتهم، محملّين رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية ما يجري لأسباب شخصية سياسية. هذا ويقامر نتنياهو بحياة هؤلاء في اطار مساعيه للبقاء في السلطة أطول مدة ممكنة وازاحة كل المعارضين لسياساته وهو ما يهدد بحرب أهلية، بحسب العديد من وسائل الاعلام الاسرائيلية التي تنظر بعين الريبة والقلق للخطوات التي يقوم بها. يُذكر أن "كتائب القسام" بثت أمس مقطع مصور لأسيرين إسرائيليين انتقدا فيه بشدة استئناف الحرب وأكدا أن ذلك سيؤدي إلى مقتلهما.

"العربدة" الاسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة يقابلها خرق اتفاق وقف النار يوميًا في لبنان، إذ تدأب تل أبيب الى استهداف قياديين لـ"حزب الله" كما تعمد، بشكل استفزازي، الى التوغل في عدة مناطق جنوبية قبل تراجع قواتها. هذا دون أن ننسى التلال الخمس الاستراتيجية التي تسيطر عليها وتؤكد في كل مرة على لسان مسؤوليها عدم عزمها الخروج منها بحجة الحفاظ على سلامة وأمن مستوطنيها، الذين لم يعد قسمًا كبيرًا منهم الى منازلهم بعد الحرب الاخيرة رغم التطمينات التي تقدمها القيادة لهم. وكانت الصواريخ التي انهمرت على مستعمرة المطلة مؤخرًا، دون أن تتبناها أي جهة ورفض "حزب الله" مسؤوليته عنها، أعادت المخاوف من دخول لبنان في معركة جديدة ما دفع الجهات الرسمية الى اجراء عدة اتصالات لاحتواء الموقف ومنع تصعيده.

بموازاة ذلك، تستكمل الولايات المتحدة الاميركية حربها على الحوثيين في اليمن، حيث أفادت وسائل اعلامية عن وقوع جرحى في الغارات التي استهدفت محافظة صعدة شمال البلاد. ويبدو أن واشنطن مصرة على تقليص قوتهم العسكرية باعتبارهم أحد أذرع ايران في المنطقة بالتوازي مع محاولاتها لدفع طهران الى المفاوضات والتوصل لاتفاق نووي جديد رغم رفض المرشد الايراني علي خامنئي ذلك. وفي تطور خطير، كشفت بغداد أن طهران تستخدم وثائق عراقية مزورة لتصدير نفطها، وذلك بعد اتهام واشنطن شركة "سومو" العراقية لتغطية تهريب النفط الإيراني تفاديًا للعقوبات المفروضة عليها. وتسعى الحكومة العراقية الى النأي بنفسها عما يجري من تطورات في المنطقة والتزام سياسة الحياد وهو ما دفع وزير خارجيتها فؤاد حسين الى الاعلان  أن بلاده لم تعد ضمن "محور المقاومة".

الى ذلك، شكل ضم رئيس تحرير مجلة "ذا أتلانتيك"، عن طريق الخطأ، إلى مجموعة مراسلة سرية للغاية تضم كبار المسؤولين الأميركيين لمناقشة توجيه ضربات ضد الحوثيين فضيحة كبرى حاول الرئيس دونالد ترامب التنصل منها بإدعائه بأنه "لا يعرف شيئًا عنها"، وذلك بمعرض رده على الصحافيين أمس. لكن أنباء متداولة تحدثت عن عزم الرئيس الأميركي إقالة مستشار الأمن القومي مايكل والتز واتخاذ قرار بهذا الشأن خلال اليومين القادمين.

على المقلب السوري، توصل قطبا الحركة الكردية، أي "المجلس الوطني الكردي" و"الوحدة الوطنية" الكردية بقيادة "حزب الاتحاد الديمقراطي"، الى صياغة اتفاق يعزز دورهما ووجودهما في العمل السياسي وذلك برعاية أميركية - فرنسية، وبإشراف الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني، وقائد "قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي. ويشكل هذا الاتفاق التاريخي أرضية تفاوضية مع الادارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع لانه يقدم رؤية الاكراد لمشاركتهم في مستقبل البلاد والحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم.

وضمن السيّاق، يثير التقارب التركي - السوري منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد مخاوف اسرائيل وقلقها. وبحسب المعلومات فإن اتصالات تركية - سورية بشأن تسليم مناطق قرب تدمر الواقعة وسط البلاد للجيش التركي، مقابل دعم اقتصادي وعسكري لدمشق، دفع تل أبيب الى التهديد "بمواجهة مع تركيا على الأراضي السورية"، وفقًا لما أشارت اليه "القناة 12" العبرية. ويأتي ذلك التهديد مع وجود نية مبيتة لدى نتنياهو بإبقاء سوريا دولة مفككة وضعيفة وتشجيعه الاقليات على الانقلاب على الادارة الجديدة اضافة الى الاستهدافات العسكرية المتواصلة، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي، فجر اليوم، عن قصفه أهدافًا في قاعدتين عسكريتين سوريتين في محافظة حمص وذلك للمرة الثانية خلال 3 أيام.

وقد ركزت الصحف العربية اليوم على ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية من اعتداءات وعمليات اسرائيلية والدور الأميركي الداعم. وفي الجولة الصباحية نورد أبرز ما تم تداوله:

نددت صحيفة "الراية" القطرية بما يجري في قطاع غزة والضفة المحتلة من "عربدة وتغول إسرائيلي غير مسبوق بالتوازي مع تصعيد جرائم قوات الاحتلال مستهدفة الوجود الفلسطيني على أرضه وذلك ضمن المساعي المستمرة لحكومة التطرف الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية"، محذرة من "تسارع عمليات ضم الأراضي بوتيرة غير مسبوقة، تعادل ما تم الاستيلاء عليه خلال 24 عامًا مجتمعة".

وتحت عنوان "التفاوض تحت القصف"، كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية "الدعم السياسي والعسكري، اللامحدود من واشنطن، لحكومة نتنياهو، يدفع الأخيرة نحو أقصى حدود التعنت والصلف، لتحقيق أهداف ساسة وجنرالات إسرائيل، التي فشلوا في تحقيقها في جولة القتال الأولى، حتى تحقيق الخروج الطوعي لأهل غزّة من القطاع، أو إبادتهم جميعاً"، مستنتجة أنه "قريباً ستعي إسرائيل أنها عاجزة عن طريق الحرب أن تحقق أهدافها وأن عليها أن تعود لمسار الدبلوماسية"، بحسب وصفها.

وفي الإطار نفسه، رأت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "التوافق العربي ــ الإسلامي ــ الأوروبي يمثل أهمية كبيرة خاصة في هذا التوقيت ويعطي رسالة بأن هناك إجماعًا دوليًا على رفض وإدانة المخططات الإسرائيلية العدوانية على الشعب الفلسطيني وتهجير سكانه، وهو ما يجعل أمريكا وإسرائيل في عزلة دولية"، معتبرة أن هذا "التوافق من شأنه أن يسهم في بناء حائط صد عالمي ضد مخططات اليمين الإسرائيلي التي تقود المنطقة إلى الهاوية".

وشددت صحيفة "عُمان" العمانية على أن "ما تقوم به حكومة نتنياهو عملياً يتسم في الواقع بكثير من الخطورة على مستقبل غزة وعلى وجود الشعب الفلسطيني في الأراضي التي عاش فيها على امتداد تاريخه حتى الآن"، مشيرة الى أن "نتنياهو وبالاتفاق مع ترامب ينفذان، على الأرجح، خطة متعددة الجوانب تقوم في الواقع على عملية التنفيذ العملي لتهجير الفلسطينيين على مراحل وبأكثر من أسلوب للحد من المعارضة الفلسطينية والعربية والدولية لخطة التهجير بقدر الإمكان والبحث عن مناطق يمكن أن تقبل هجرة الفلسطينيين إليها".

من جهتها، أشارت صحيفة "الخليج" الإماراتية، في مقال، الى أنه "ومنذ انهيار النظام السوري، بدا واضحاً أن تحولاً ومنعطفاً خطراً دخلته ليس سوريا فقط وإنما المنطقة بأسرها، فهذا الانهيار المفاجئ والسريع، ترك تداعيات كثيرة في المشهد السوري، على الصعيدين الداخلي والخارجي". وقالت: "أمام هذا المشهد، يبدو أن من أكثر ما يدعو للألم والاستهجان أن دولة عربية محورية مثل سوريا يتم تدمير قدراتها العسكرية والعلمية على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي. لكن ما يجري سيمهد بكل تأكيد لظهور مقاومة سورية حقيقية للاحتلال الإسرائيلي، عاجلاً أو آجلاً".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن