ثقافة

الغرب والتقليد الدّيني: الأسئلة الراهنة!

صوفي بسيس، مؤرّخة وإعلامية فرنسية من أصل يهودي تونسي، عُرفت بتعاطفها مع القضايا العربية العادلة، وفي مقدّمتها المسألة الفلسطينية، وقد أصدرت مؤخّرًا بالفرنسية كتابًا هامًا بعنوان "الحضارة اليهودية - المسيحية: تشريح خدعة". وكما هو ظاهر من عنوان الكتاب، تهدف بسيس إلى إبراز دلالة مقولة "التقليد اليهودي - المسيحي" التي سيطرت على جانب واسع من الخطاب الفكري والسياسي الغربي منذ الثمانينيّات من أجل محو الذاكرة المأساوية للمحرقة اليهودية التي تمّت في أوروبا وعلى أيدٍ أوروبية.

الغرب والتقليد الدّيني: الأسئلة الراهنة!

هذه المقولة التي تستند إلى مرجعية دينيّة من أجل ضبط معطيات ثقافية، لا تستند حسب المؤلفة لأهداف علمية موضوعية، بل الغرض منها هو التغطية على قرابة ألفَيْ سنة من النزعة المعادية لليهود في الغرب، لم تكن المحرقة سوى نتيجة طبيعية لها. إنّها الاستراتيجية نفسها التي تُفسّر المساندة المُطلقة لإسرائيل إلى حدّ دعم سياسات الاستيطان والتطهير العِرقي ومنح الدولة العبرية براءة أزلية، ثمنًا لجريمة الإبادة الجماعية لليهود.

الجامعات المسيحيّة في أوروبا تأثّرت بقوّة بفكر ابن رشد

ما تدلّ عليه عبارة "الحضارة اليهودية - المسيحية" هو إقصاء الإسلام ليس فقط من التقليد التوحيدي، وإنما من النّزعة الانسانية الكونية التي يُعتقد أنّ الغرب في نسخته الدينية المذكورة هو مكتشفها. وكما تُبيّن بسيس ليس لهذا الإقصاء أي مسوّغ تاريخي ولا موضوعي، فلا أحد يجهل مركزية أنبياء بني إسرائيل في القرآن الكريم، كما أنّ الجزيرة العربية مهد الإسلام كانت في القرن السابع جزءًا محوريًا من العالم الروماني، والإمبراطورية الإسلامية اعتمَدت النُّظم الإدارية الرومانية، فضلًا عن كون الجامعات المسيحيّة في أوروبا تأثرت بقوّة بدايةً من القرن السابع عشر بفكر ابن رشد.

هكذا تتّضح الروابط الوثيقة دينيًا وتاريخيًا وحضاريًا بين الإسلام وما يُطلق عليه "الكونيّة اليهوديّة - المسيحيّة"، على الرَّغم بطبيعة الحال من استقلاليته وخصوصياته العقدية والشرعية التي تجعل منه دينًا منفصلًا وقائمًا بذاته.

في الكتاب، ترجع المؤلّفة إلى تركة الحروب الصليبية التي ربطها المؤرّخون العرب بالفرنج وليس بالدّين المسيحي ذاته، كما تشير إلى واقع الهجرة الإسلامية في أوروبا وإلى موجة الإرهاب الرّاديكالي العنيف الذي عرفته العديد من الدول الغربية في السنوات الأخيرة ومن أخطره زلزال 11 سبتمبر/أيلول 2001، مستنتجةً أنّ مقولة "الحضارة اليهودية - المسيحية" التي تُقدّم في صيغة علمية مجرّدة هي في حقيقتها نتاج سجال إيديولوجي ظرفي لا دخل للإسلام، من حيث هو دين وقيَم، فيه.

وفي ملاحظة طريفة، توضح بسيس أنّ هذه المقولة ليست في صالح اليهود أنفسهم، الذين يتمّ النظر إليهم في شكل استثنائي هو الوجه الآخر لنزعة العداء للسامية. ففي فرنسا مثلًا، استدعى الرئيس إيمانويل ماكرون سنة 2017 رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لإحياء ذكرى الاعتداء على اليهود الفرنسيين خلال العهد النازي، بما يعني تحويل إسرائيل إلى الممثل الشرعي لليهود الفرنسيين ومن ثم إلغاء هويتهم الوطنية واختزالهم في انتماء ديني خارجي.

حكومة نتنياهو أصبحت الحليف القوي للأحزاب القومية المتطرّفة في أوروبا وهي في عمومها قريبة من النّازية

لقد انساقت الحكومة اليمينية المتطرّفة في إسرائيل إلى هذا الوهم، فرفعت شعار الانتماء للغرب والدفاع عن حضارته، بما انعكس في سياسات قمع وإقصاء مستمرّة ضدّ اليهود الشرقيين والأفارقة، وفي الأساليب الاستعمارية ضد الفلسطينيين المعرّضين لأعتى أنواع الإبادة الجماعية. المفارقة الكبرى أنّ حكومة نتنياهو أصبحت اليوم الحليف القوي للأحزاب القومية المتطرّفة في أوروبا وهي في عمومها قريبة من النّازية ومتهمة بالعداء للسامية.

كتاب صوفي بسيس هام، ويكشف عن جوانب هامّة من توظيف الخطاب الديني في المقاربات الاستراتيجية والفكرية لدى قطاع واسع من المثقفين الغربيين، كما يُنيط اللثام عن أثر هذا الخطاب في اللحظة الراهنة التي تشهد محاولة تصفية القضية الفلسطينية في ظلّ العدوان الإسرائيلي المستمرّ في الأراضي المحتلة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن