استأنفت إسرائيل عدوانها على غزة لتستكمل الحرب، التي بدأتها في السابع من أكتوبر 2023، ويتبجح جنرالاتها بما تفعله قواتهم من استهداف للمنشآت المدنية والمدن المدمرة وخيام النازحين، ويتحدثون عن تحقيق أهداف الحرب وكأنهم يحاربون "قوة عظمى" لا شعباً أعزل ومحاصراً يتعرض لكل أشكال التنكيل والتجويع والإبادة.
خلال أسبوع، قتلت إسرائيل وأصابت مئات الفلسطينيين أغلبهم من النساء والأطفال. ولا تتوقف الغارات، التي لا تستثني شيئاً، بما فيها مؤسسات الأمم المتحدة، وتستمر التوغلات البرية وأوامر الإخلاء للسكان، المهجرين أصلاً، خصوصاً في شمال قطاع غزة وجنوبه، بينما لا تخفى النوايا المتطرفة في تل أبيب بأن تكون هذه المرحلة من استئناف الحرب أقسى من المراحل السابقة حتى بلوغ الأهداف المعلنة المتمثلة أساساً في تهجير الفلسطينيين من أرضهم وإعادة احتلال القطاع واستيطانه.
وساعة استئناف العدوان ليلة السابع عشر من رمضان، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه فتح أبواب الجحيم على غزة، وهذا الوعيد ظل يتردد كثيراً في الفترة الماضية، منذ أن لوح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأعلن دعمه الكامل لنتنياهو في كل ما يفعله من دون أن يخشى أي رادع.
طوال أسابيع المرحلة الأولى من الهدنة، التي بدأت يوم 19 يناير/كانون الثاني الماضي، لم تكن إسرائيل معنية بالبقاء على طاولة المفاوضات ولا مهتمة كثيراً بإطلاق رهائنها أو التوصل إلى اتفاق شامل لإطلاق النار، بل كان كل ما يشغل أغلب قادتها وجنرالاتها كيفية العودة إلى الحرب واحتلال قطاع غزة وتهجير سكانه واستغلال الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأمريكية الجديدة لإنعاش مشروعها التوسعي في الضفة الغربية وجنوبي سوريا ولبنان.
ففي هذا الظرف، لم تعد إسرائيل تكترث إلى المواقف الإقليمية والدولية الثابتة التي لم تغادر خطابات الإدانة والاستنكار، وما هذا التمادي في الحرب والاستخفاف بكل الدعوات إلى احترام القانون الإنساني، إلا دليل على أن إسرائيل لا تقيم وزناً لأي شيء، وغير مستعدة لتقديم تنازل وحيد يسمح لها بالتجاوب مع المجتمع الدولي الذي يقر بأنه عاجز فعلاً عن لجم هذه القوة الغاشمة.
جولة الحرب الجديدة، التي بدأتها إسرائيل، ستدخلها مجدداً في طريق مسدود، ولن تكون نتائجها أفضل من سابقاتها بشأن ما تعتبرها أهدافها الاستراتيجية، ولن تتمكن من إعادة من تبقى من رهائنها أحياء من دون مفاوضات، ولن تستطيع تهجير سكان قطاع غزة أو إعادة احتلاله، لأن ذلك سيكلفها الكثير من الخسائر والتداعيات السلبية، وقد لا ينجيها من مخاطر اتساع دائرة الصراع بعد أن توهمت أنها كسبت الجولة الأولى من الحرب، واعتقد نتنياهو أنه غيّر خريطة الشرق الأوسط وأصبح مهندس الحدود والوجود، متجاهلاً أن انتشاءه المؤقت لن يدوم.
لأن المنطقة برمتها ترفض هذا النهج الإسرائيلي القائم على البطش والعدوان، ولن تسمح بأن يتم التمادي في اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني أو محاولات تهجيره من أرضه. لقد سمعت إسرائيل في الأشهر الماضية أن أي خطط لاجتثاث الفلسطينيين مرفوضة، وخط أحمر لا يجب تجاوزه، وعليها ألا تستهين بهذه التحذيرات لأن الأجيال لا تغفر والتاريخ لا يرحم.
(الخليج الإماراتية)